واشنطن/سما- تتجه الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب نحو تمييز تنظيمي في معاملة نماذج الذكاء الاصطناعي، حيث تخطط لإعفاء النماذج مفتوحة المصدر من الفحوصات الأمنية الحكومية الإلزامية قبل إطلاقها للجمهور، بينما تفرض رقابة صارمة على النماذج المغلقة ذات القدرات الأعلى. وتعكس هذه الخطوة رغبة البيت الأبيض في التوازن بين المخاوف الأمنية المتعلقة بتطور الذكاء الاصطناعي والحاجة إلى الحفاظ على قدرة الشركات الأميركية على المنافسة عالميًا، خاصة في وجه التطور المتسارع للصناعة الصينية.
اجتمع مسؤولون من إدارة ترامب الثلاثاء الماضي مع ممثلي أكبر شركات التكنولوجيا لمناقشة صيغة إطار تنظيمي جديد يحكم آليات فحص أمن نماذج الذكاء الاصطناعي قبل توفرها للمستخدمين. وضم الاجتماع، الذي استضافه البيت الأبيض بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال"، ممثلين عن شركات "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك" و"غوغل" و"إنفيديا" و"مايكروسوفت" و"ميتا"، لكن تفاصيل الإطار الجديد لا تزال قيد المناقشة والتطوير. ولم يُعلن حتى الآن موعد رسمي للإفصاح عن هذا الإطار، كما تبقى آليات تنفيذه ومدى إلزاميته للشركات غير محددة بشكل نهائي.
يركز النقاش الحالي على تعريف النماذج ذات "القدرات المتقدمة"، وهو موضوع خلافي قد يؤدي إلى اختلافات جوهرية بين الحكومة والقطاع الخاص بشأن تحديد أي النماذج تستوجب الفحص الأمني. وبحسب موقع "أكسيوس" المتخصص، يتجه الإطار المقترح إلى حصر المراجعات الأمنية في النماذج المغلقة التي يحتفظ مطوروها بسيطرة صارمة على الوصول إليها، بما يشمل نماذج شركات مثل "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك" و"غوغل"، بينما قد يستثنى النماذج المفتوحة التي يمكن للمستخدمين تنزيلها وتعديلها وإعادة توزيعها حسب احتياجاتهم.
هذا التمايز قد يفيد شركات مثل "ميتا" و"إنفيديا" التي تركز استثماراتها على تطوير نماذج مفتوحة المصدر. وتتبنى هذا النهج أيضًا شركات دولية منافسة خارج الولايات المتحدة، منها "ميسترال" الفرنسية و"ديبسيك" و"مونشوت" الصينيتان، مما يعكس تنافسًا عالميًا متسارعًا في مجال الذكاء الاصطناعي. وتأتي هذه الرغبة في تخفيف القيود على النماذج المفتوحة في سياق محاولة الإدارة الأميركية الموازنة بين الحفاظ على الأمن والاستقرار من جهة، والحفاظ على ريادة الشركات الأميركية من جهة أخرى.
وتواجه الولايات المتحدة تحديًا تشريعيًا أساسيًا حيث تفتقر إلى إطار قانوني مستقر وواضح ينظم عمليات تقييم أمن نماذج الذكاء الاصطناعي، خاصة في وقت تتبنى فيه إدارة ترامب سياسة عامة تقوم على تقليل التدخل الحكومي في القطاعات الاقتصادية المختلفة. وقد وقّع الرئيس ترامب في يونيو الماضي أمرًا تنفيذيًا يفرض على كبار مطوري الذكاء الاصطناعي تقديم نماذجهم الجديدة للحكومة خلال 30 يومًا قبل إتاحتها للجمهور، مع منح الجهات الفيدرالية مهلة 60 يومًا لإعداد إطار تنظيمي. انتهت هذه المهلة في الأول من أغسطس الجاري دون إعلان رسمي عن الإطار النهائي.
جدد هذا التأخير النقاش حول الضوابط الأمنية للذكاء الاصطناعي بعدما كشفت "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك" بشكل منفصل في أواخر يوليو الماضي عن تنفيذ نماذج قيد الاختبار لعمليات هجمات سيبرانية موجهة ضد منصات وشركات متعددة. وأكد ترامب على ضرورة تبني سياسة تأخذ في الاعتبار المخاطر الأمنية المرتبطة بتطور الذكاء الاصطناعي مع عدم المساس بقدرة الولايات المتحدة على المنافسة عالميًا، محذرًا من أن القيود الزائدة قد تعطي الصين أفضلية تنافسية في السباق التكنولوجي العالمي.
هذه المخاوف تأتي في ضوء نجاح شركتي "ديبسيك" و"مونشوت" الصينيتين في تطوير نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة خلال الأشهر الأخيرة، الأمر الذي عزز الضغوط على صناع السياسة الأميركيين للحفاظ على تفوق الشركات المحلية في هذا القطاع الاستراتيجي الحيوي.
اقرأ أيضًا:
