راديو وتلفزيون البلد
نيويورك تايمز: الشعب الأمريكي يرفض ترامب
اعتبرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية أن نتائج انتخابات التجديد النصفي، التي أسفرت عن تقدم الديمقراطيين واستعادتهم السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب، تمثل رفضا شعبيا لسياسات الرئيس دونالد ترمب ونهجه في الحكم، وتراجعا للثقة بولاية إدارته الثانية، بعد عامين قالت الصحيفة إنه سعى خلالهما إلى تقويض الديمقراطية الأمريكية.
ورأت الصحيفة، في افتتاحية نشرتها الأربعاء بعنوان “الشعب الأمريكي رفض ترمب”، أن نتائج الانتخابات تشكل اختبارا لقدرة المؤسسات الدستورية الأمريكية على مواجهة الضغوط السياسية، وتفتح المجال أمام فرض رقابة برلمانية على الإدارة، والتحقيق في شبهات الفساد ومخالفات القانون، فضلا عن تقديم بدائل تشريعية لسياسات الرئيس.
وأشارت إلى أن خسارة الجمهوريين في ولايات ومناطق كانت تعد تقليديا معاقل لهم، بينها كانساس وأوهايو وساوث كارولاينا وتكساس، تعكس اتساع نطاق التراجع في التأييد للحزب، بما يتجاوز الانقسام الحزبي المعتاد، لافتة إلى أن ناخبين مستقلين، بل وبعض الجمهوريين، باتوا ينظرون إلى الولاية الثانية لترمب باعتبارها إخفاقا.
وأضافت أن الناخبين واجهوا محاولات للتأثير في العملية الانتخابية، شملت إعادة رسم الدوائر الانتخابية لمصلحة الجمهوريين، وتكرار الادعاءات بشأن تزوير الانتخابات، والسعي إلى تقييد التصويت عبر البريد، معتبرة أن نتائج الاقتراع أظهرت أن سلطة اختيار القادة لا تزال بيد الناخبين.
وفي قراءة موازية للمشهد، تناول الكاتب الأمريكي توماس إيدسول، في مقال نشرته الصحيفة الثلاثاء، تغيرات لافتة في خطاب ترمب وسلوكه العلني، مستعرضا تفسيرات أكاديمية متباينة لتصريحاته الأخيرة، ومعبرا عن أمنيته بأن يختار الرئيس الاستقالة من منصبه، رغم تشاؤمه من حدوث ذلك.
مسؤولون وقضاة ومنظمات في مواجهة ضغوط الإدارة
وسلطت افتتاحية الصحيفة الضوء على ثلاثة أطراف قالت إنها أدت دورا محوريا في حماية نزاهة الانتخابات، هي المسؤولون عن إدارة العملية الانتخابية، والمدافعون القانونيون عن حقوق الناخبين، والقضاة الفدراليون.
وأوضحت أن مسؤولين انتخابيين في ولايات أمريكية مختلفة رفضوا مطالب إدارة ترمب بالحصول على بيانات شخصية للناخبين، شملت تواريخ الميلاد ومعلومات رخص القيادة وأجزاء من أرقام الضمان الاجتماعي، رغم تعرض بعضهم لدعاوى قضائية من الإدارة.
ومن بين هؤلاء، نائبة حاكم ولاية يوتا الجمهورية ديدري هندرسون، ووزيرة خارجية ولاية ميشيغان الديمقراطية جوسلين بنسون، ووزير خارجية ولاية فرجينيا الغربية الجمهوري كريس وارنر، الذين رفضوا الامتثال لتلك المطالب وكسبوا معاركهم القضائية.
كما أشادت الصحيفة بدور منظمات حقوقية وقانونية، بينها مركز برينان والاتحاد الأمريكي للحريات المدنية ورابطة الناخبات، إلى جانب عدد من المدعين العامين الديمقراطيين، في رفع دعاوى قضائية ضد إجراءات تنفيذية قالت إنها استهدفت تغيير قواعد التصويت.
وفي السياق ذاته، أبرزت دور القضاء الفدرالي، مشيرة إلى أن قضاة عينهم رؤساء من الحزبين، بمن فيهم ترمب نفسه، أصدروا أحكاما عطلت أجزاء أساسية من الإجراءات المتعلقة بالانتخابات.
ولم تمنح الصحيفة المحكمة العليا تأييدا مطلقا، بل انتقدت بعض قراراتها، مع الإشارة إلى أنها اتخذت في المقابل مواقف حالت دون فرض قيود على التصويت عبر البريد.
وخلصت الافتتاحية إلى أن صمود المسؤولين الانتخابيين والمنظمات الحقوقية والقضاة أمام ضغوط الإدارة، يمثل دليلا على قدرة النظام الدستوري الأمريكي على حماية العملية الديمقراطية وفرض حدود على السلطة التنفيذية، محذرة من أن هذه اليقظة يجب أن تستمر حتى استكمال فرز الأصوات واعتماد النتائج وتسلم الفائزين مناصبهم.
إيدسول: شيء ما تغير لدى ترمب.. وليته يستقيل
وفي قراءته لشخصية الرئيس الأمريكي، توقف الكاتب توماس إيدسول عند ما وصفه بتغيرات لافتة في خطاب ترمب خلال الحملة الانتخابية، ولا سيما انشغاله المتكرر بتفاصيل حركات الجسد والصفات البدنية لشخصيات سياسية ورياضية.
واستشهد إيدسول بتصريحات لترمب أشاد فيها بعضلات وبنية جسدية لشخصيات مختلفة، معتبرا أن طبيعة هذه التعليقات تتجاوز أنماط الخطاب السياسي المعتادة، وتثير تساؤلات بشأن ما إذا كان شيء ما قد تغير في طريقة تعبير الرئيس وتواصله مع الجمهور.
وعبر الكاتب عن أمنيته بأن يختار ترمب الاستقالة من منصبه، لكنه أبدى تشاؤمه إزاء تحقق ذلك، معتبرا أن الأمريكيين سيبقون عالقين معه حتى نهاية ولايته.
ولبحث دلالات هذه التصريحات، استعان إيدسول بآراء أكاديميين وباحثين في علم النفس والتواصل السياسي، قدموا تفسيرات مختلفة، لم تتفق على تفسير واحد للتغيرات التي رصدها في خطاب الرئيس.
تراجع محتمل في القدرة على ضبط الخطاب
ونقل إيدسول عن عالم النفس اللغوي ستيفن بينكر، أستاذ جامعة هارفارد، أن ترمب ربما أصبح أقل قدرة على ضبط الأفكار العابرة قبل التعبير عنها، مع استمرار ميله إلى استخدام عبارات غريبة ومثيرة للانتباه، وهي سمة وظفها الرئيس مرارا في حضوره الإعلامي.
كما نقل عن دان ماك آدامز، أستاذ علم النفس في جامعة نورث وسترن والمتخصص في دراسة الشخصية والسرديات التي يستخدمها الأفراد لتقديم أنفسهم للآخرين، قوله إن “شيئا ما يتغير لدى ترمب”.
وأشار ماك آدامز إلى أن التقدم في العمر قد يرتبط بتراجع بعض القدرات التنظيمية المرتبطة بالإدراك والكلام، بما قد يؤدي إلى زيادة الاستطرادات والانتقال بين القصص والموضوعات.
لكن هذه الطروحات، وفق المقال، تظل تفسيرات أكاديمية محتملة، ولا تشكل تشخيصا طبيا لحالة الرئيس.
الإلهاء الإعلامي.. استراتيجية سياسية لترمب
وفي مقابل التفسيرات المرتبطة بالتغيرات الإدراكية والسلوكية، قدمت أستاذة الاتصال في جامعة تكساس إيه أند إم، والباحثة في تاريخ الخطاب السياسي والبلاغة الرئاسية، جينيفر ميرسيكا، تفسيرا مختلفا، معتبرة أن التصريحات غير المألوفة لترمب لا تعني بالضرورة فقدانه السيطرة على خطابه.
ورأت ميرسيكا أن هذه التصريحات قد تكون امتدادا لاستراتيجية اتصالية اعتاد ترمب استخدامها، تقوم على إثارة الجدل وانتزاع الاهتمام الإعلامي وفرض الموضوع الذي يريد الحديث عنه على وسائل الإعلام والجمهور.
وبحسب هذا التفسير، تؤدي التصريحات المثيرة للجدل وظيفة سياسية وإعلامية، تتمثل في تحويل النقاش بعيدا عن ملفات أكثر إلحاحا، مثل ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود والحروب، وإشغال المجال العام بتصريحات شخصية تستحوذ على التغطية الإعلامية.
الرجولة والقوة البدنية في خطاب ترمب
من جهته، قدم أستاذ البلاغة والثقافة العامة في جامعة نبراسكا، والمتخصص في تحليل الخطاب السياسي والثقافة العامة، كاسي رايان كيلي، قراءة ذات أبعاد اجتماعية وثقافية، ربط فيها اهتمام ترمب المتكرر بالقوة البدنية والعضلات والصلابة الجسدية بمنظومة من التصورات الثقافية المتعلقة بالرجولة والقوة والقيم التقليدية لدى قطاعات من قاعدته السياسية المحافظة، ولا سيما التيارات اليمينية المتشددة.
وبحسب تحليل كيلي، فإن الإشادة بالبنية الجسدية والقوة لا يمكن قراءتها بالضرورة باعتبارها تعليقات عابرة، بل قد تحمل رسائل رمزية تتصل بالتصورات التقليدية للأدوار الجندرية والهوية السياسية، وتجد صدى لدى جمهور يتبنى هذه القيم.
الهزيمة الانتخابية وانعكاساتها على سلوك ترمب
وفي ختام مقاله، حذر إيدسول من أن الضغوط والهزائم السياسية قد تنعكس على طريقة تعامل ترمب مع خصومه، مشيرا إلى احتمال أن يتعامل الرئيس مع الخسارة باعتبارها تحديا شخصيا يمس مكانته ونفوذه، وليس مجرد انتكاسة انتخابية عابرة.
وتتقاطع القراءتان اللتان قدمتهما نيويورك تايمز، رغم اختلاف زاوية المعالجة، عند مستقبل الرئاسة الأمريكية؛ فبينما تركز الافتتاحية على قدرة الناخبين والمؤسسات القضائية والانتخابية على فرض حدود دستورية على السلطة التنفيذية، يتناول إيدسول طبيعة الخطاب الرئاسي ودلالاته في مرحلة تتسم بتصاعد الاستقطاب والضغوط السياسية.
وبينما ترى الصحيفة أن نتائج الانتخابات كشفت قدرة النظام الديمقراطي الأمريكي على مقاومة الضغوط واستعادة التوازن المؤسسي، يطرح مقال إيدسول تساؤلات بشأن انعكاسات الهزيمة السياسية على سلوك الرئيس خلال ما تبقى من ولايته.
ظهرت المقالة نيويورك تايمز: الشعب الأمريكي يرفض ترامب أولاً على راديو وتلفزيون البلد.








