هذه الورقة من إعداد بيسان الشرافي، ضمن إنتاج أعضاء "منتدى الشباب الفلسطيني للسياسات والتفكير الإستراتيجي" الذي يشرف عليه مركز مسارات.**
مقدّمة
يُمثّل العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023 تصعيدًا إستراتيجيًا في سياسات الاحتلال؛ فما نشهده من انهيارٍ مُتعمّدٍ للبنية التحتية يتجاوز كونه أثرًا عرَضيًا للإبادة المستمرة، نحو توظيفه سلاحًا رديفًا يُحقق - بالتكامل مع العمليات العسكرية - أهدافَ الإبادة الجماعية الشاملة، في محاولةٍ لتعويض فشل مخططات التهجير العسكري المباشر التي اصطدمت بصمودٍ شعبيّ وإقليمي. وعلى الرغم من اتّساع نطاق هذا التدمير، فإنه ليس وليد اللحظة؛ بل تصعيدٌ تراكميّ لسياساتٍ قديمة عَمَدت عبر سنوات الحصار الطويلة إلى تقويض مقومات الحياة في القطاع.
تنتقل هذه الورقة من الرصد الميداني إلى التحليل الإستراتيجي، لتكشف كيف تحوّلت الإبادة البيئية[1] إلى منظومة إخضاع تدار عسكريًا؛ لا تستهدف محو مقومات الوجود الآني فحسب، بل تُعيد هندسة الجغرافيا الفلسطينية عبر خلق "بيئة طاردة" تفرض التهجير خيارًا حياتيًا لا بوصفه قرارًا عسكريًا. ومن خلال تفكيك هذه الآليات، نناقش كيف يتقاطع الدمار المؤسسي والخدمي مع مشروع "المدينة الخضراء"، لتقويض الحقوق السياسية والسيادة الوطنية واستبدالها بإدارة إنسانية مشروطة؛ الأمر الذي يضمن للاحتلال تبييض مشروع التهجير القسري، وتحويله من جريمة حرب تُلاحقه دوليًا، إلى أزمة إغاثية يُدار فيها المجتمع الغزيّ ضمن معازل تفتقر إلى أدنى مقومات البقاء.
وعلى الرغم من الجهود المبذولة حاليًا في مجالات التوثيق والاستجابة الميدانية والتحشيد الدولي، فإنها مشتتة، ولا تزال عاجزة عن وضع حدّ للانهيار أو تأسيس مرجعية موحّدة. وبناء عليه، تبرز الحاجة المُلحّة إلى تطوير إطار سياساتي متكامل لمواجهة سياسات الإبادة البيئية، وتحييد البنية التحتية الحيوية عن العمليات العسكرية، وتفعيل آليات الحماية الدولية والمحلية لضمان تعزيز صمود الفلسطينيين في أرضهم وحفظ مقوّمات بقائهم.
المُشكلة السياساتية
يُمثّل الانهيار الشامل للبُنية التحتية في قطاع غزة أكثر من تداعياتٍ عسكريّة للإبادة المُستمرّة منذ نحو 3 سنوات، فهو هندسةٌ للإبادة البيئية التي يتبنّاها الاحتلال "الإسرائيلي" كأداة سيطرة وإخضاع، بديلًا من التهجير القسري المباشر.
تكمن المُشكلة السياساتية في توظيف الاحتلال الفراغَ المؤسسي والدّمار الخدمي لخلق بيئة طاردة تفرض التهجير خيارًا حياتيًا حتميًا على السكان، ما يُتيح له الالتفاف على الضغوط السياسية والرفض الإقليمي والدولي الذي أحبط مخططات التهجير العسكري المباشر.
وتتعدّى الإبادة البيئية غايات إفناء مُقوّمات الوجود الآني للسكّان، إلى إعادة تشكيل جغرافيا غزة، عبر تحويلها إلى مساحة غير قابلة للعيش؛ ما يمنح الاحتلال غطاءً إنسانيًا لتمرير مشروعه في تفريغ القطاع من أهله. وأفضى هذا النهج إلى هندسة واقع استنزافٍ مستدام، يُفكّك الحقوق السياسية والسيادة الوطنية، ويستبدلها بإدارة إغاثية مشروطة داخل معازل جغرافية (غيتوهات) تفتقر إلى أدنى مقومات البقاء.
تكمن الخطورة في قدرة هذه السياسات على تبييض فعل التهجير، وتحويله من عملية طردٍ عنيف للمواطنين إلى أزمة إنسانية تُدار دوليًا؛ ما يؤدي إلى تكريس حالة من التبعية الدائمة، وتعطيل أي أفقٍ للتعافي المؤسسي أو استعادة الإدارة الذاتية، وتحويل القطاع من كتلة وطنية سياسية إلى كيانٍ وظيفيّ مُهشّم، مرهون للموافقات الأمنية الإسرائيلية.
الهدف العام
تطوير إطار سياساتي لمواجهة الإبادة البيئية في قطاع غزة، يهدف إلى تحييد البُنية التحتية الحيوية عن العمليات العسكرية، وتفعيل آليات حماية دولية ومحلّية لمنع توظيف انهيار منظومة الخدمات والموارد كأداة تهجير، بما يضمن الحفاظ على مقوّمات الحياة، وتعزيز صمود السكان في أرضهم.
الأهداف الفرعية:
آلية رصد وتوثيق للانتهاكات البيئية: تأسيس مرصد مُتخصّص لتوثيق ممارسات وآثار تدمير البنية التحتية، وتحويل البيانات الفنية إلى "أدلة قانونية وسياساتية" تُستثمر في الضغط الدولي لربط جرائم الإبادة البيئية بقرارات التهجير القسري.
خطة إستراتيجية للاستجابة الميدانية الطارئة: ابتكار حلول هندسية وتقنية لامركزية لترميم الخدمات الأساسية (المياه، الصرف الصحي، الطاقة)، تتجاوز تداعيات السياسات التدميرية الإسرائيلية، وتحدّ من استمرار الانهيار الشامل الذي يُوظّفه الاحتلال لتحويل غزة إلى مساحة غير قابلة للعيش.
منظومة ضغط لتحييد القطاعات الحيوية: صياغة تحرّك سياسي ودبلوماسي لإلزام المجتمع الدولي بفرض تحييد القطاعات الخدمية والحيوية في غزة، وضمان استمرارية عملها بعيدًا عن الاشتراطات الأمنية للاحتلال، كمدخلٍ أساسي لكسر سياسة التبعية الإغاثية.
انهيار بيئي شامل.. لم يبدأ في 2023
تُظهر بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة جودة البيئة، الصادرة ما قبل إبادة غزة، تعمّد الاحتلال ممارسة خنق بيئي ممنهج في القطاع، على مدار سنوات، حتى أوصل العجز في مياه الشرب عام 2022 إلى أكثر من 95%، وتجاوزت كميات المياه العادمة غير المعالَجة المُصرّفة للبحر 100 ألف متر مكعب يوميًا، بالتزامن مع هندسة أزمة الكهرباء للحدّ الذي تجاوزت فيه فجوة طاقة 60%. وفرض الاحتلال قيودًا صارمة على دخول المُعدّات وقطع الغيار والأجهزة التقنية الحديثة تحت ذريعة "الاستخدام المزدوج"؛ ما أدى إلى تآكلٍ تراكميّ في البنية التحتية الخدمية.
هذه الأرقام، وواقع البنية التحتية والخدمية في قطاع غزة قبل الحرب، إلى جانب سياسات الحصار الخانق المتواصل للعام 19 على للتوالي، يؤكد مساعي الاحتلال المُسبقة لإعدام بيئة غزة وجعلها أرضية هشّة، قاصرة عن مواجهة أيّة أزمات، وتهيئتها لوجستيًا للانهيار الشامل "عند الطلب"، ما يُعطّل أفق التعافي الذاتي ويفتح الطريق يسيرًا أمام التهجير القسري.
ومع بداية الإبادة، تحوّلت سياسات الخنق التدريجي، إلى الإعدام الشامل لبيئة غزة وجعلها مساحة لا يُمكن العيش فيها. إذ تُوثّق التقارير الميدانية، المحليّة والدّولية؛ انهيارًا شاملًا وحادًا في المنظومات الخدميّة؛ فتعرّضت البُنية التحتية للصرف الصحي والبلديات لدمار تخطّى حاجز 90%، (85% بالقصف الإسرائيلي المباشر)[2]، شمل تدميرًا كليًا لمحطّات المعالجة (6 محطات)، و27 محطة ضخّ، ونحو 130 ألف متر طولي من الشبكات، ما أدّى إلى تصريف 120 ألف متر مكعب[3] من المياه العادمة يوميًا نحو البحر والشوارع، وامتلاء 72 بركة تجميع؛ ما فاقم أزمة تسرّبها إلى الخزان الجوفي[4]. ويُهدد كذلك الحياة البحرية والثروة السمكية، إذ أصبحت المنطقة الساحلية بعمق 700-1000م داخل البحر على طول القطاع ملوثة بالكامل، الأمر الذي يُحوّل القطاع إلى محيطٍ حيويّ مسموم يُعطل فرص التعافي البيئي للأجيال القادمة[5].
قاد هذا التعطيل الشامل، مع استمرار انقطاع الكهرباء والوقود، ومنع إدخال أجهزة الصيانة والمعدّات والمُعقمات، إلى توقّف الخدمات الصحية بالكامل[6]، وتضاعف أسعار مياه الشرب بنسبة 600%[7]، والمواطنون بالكاد يستطيعون الوصول إلى (1-3) لترات للفرد في اليوم الواحد فقط، في ظل انخفاض نسبة الإمدادات من مصادر المياه لأكثر من 90%. بالتوازي مع تدمير منظومة النظافة العامة الذي أنتج تراكم 710 آلاف طن من النفايات، وأكثر من 60 مليون طن من الركام[8] المختلط بالمواد السامة - خليط من ذخائر غير منفجرة، وأسبستوس ومواد كيميائية[9] - نتاج تدمير 330 ألف وحدة سكنية (90% من عمران القطاع)، فضلًا عن تدمير 90% من معدات ومركبات البلديّات ومنع إدخال جديد منها أو قطع غيار/ صيانة، ما أدّى إلى انتشار التلوث والأمراض[10] وعدد من الأوبئة كالجدري المائي. إن هذا الواقع أسّس لبيئة طاردة غير قابلة للحياة.
ولاستدامة انهيار الواقع الصحّي، شلّ الاحتلال الإسرائيلي المنظومة الطبية عبر الاستهداف المباشر، للمستشفيات والمراكز الصحية ومركبات الإسعاف، والقتل والاعتقال للكوادر الصحية، وسياسات الخنق والمنع التي طالت الأجهزة الطبية والأدوية والوفود المتخصصة، إذ أخرجت الحرب 21 مستشفى من أصل 38 عن الخدمة بالكامل[11]، بينما تعمل البقية بنطاق جزئي وضغط استيعابي يتجاوز 400%، وبعجز حادّ بالأدوية والمُستلزمات وصل 60%، لتتحول المستشفيات إلى مراكز إبادة قسرية تفتقر إلى أبسط مقومات إنقاذ الحياة[12]. وإنّ اغتيال أكثر من 1700 من الكوادر الطبية واعتقال 363 آخرين، وهجرة أكثر من 700 من أصحاب التخصّصات النوعية، يتجاوز كونه خسارة مهنية، فهو إعدامٌ ممنهج للقدرة الاستشفائية، أفقدَ السكان أدنى مقومات البقاء البشري.
يُفاقم هذا، تدمير 87% من الأراضي الزراعية في غزة[13]، ونفوق 95% من المواشي والثروة الحيوانية[14]، وتضرّر 83% من الآبار الزراعية[15]، وتسمُّم التربة ضمن خسائر تراكمية خلال الحرب بلغت نحو 58 مليار دولار[16]. ووفق مختصّين بشؤون البيئة في غزة فإن "تدمير الزراعة يفتك بالإنتاج والاقتصاد المحلي، ويُحدِث تغييرات هيكلية طويلة المدى، ستدفع القطاع للاعتماد الكامل تقريبًا على المساعدات الخارجية، ما يرفع تكلفة الغذاء ويعزز التضخم والفقر"[17].
وجاء في تقرير لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة أنّ قطاع غزة يُعد "أكثر مناطق العالم تلوثًا بالمتفجرات، بعد تدمير أكثر من 90% من عمرانه" بنحو 200 ألف طن متفجرات، مع وجود 20 ألف قطعة غير متفجّرة مدفونة تحت الأنقاض ستستغرق إزالتها 20-30 عامًا[18]، بينما يمنع الاحتلال إدخال الفرق والمعدات الهندسية إلى غزة، فضلًا عن خطر تسرّب معادن ثقيلة وتلويثها التربة والمياه الجوفية، إلى جانب تداعيات ضخ المياه داخل الأنفاق، ووصول نسب الانبعاثات الكربونية بفعل الحرب إلى أكثر من 33 مليون طن[19].
تتجاوز هذه الأرقام والبيانات كونها حصيلة أضرار حرب، لتُشكل إستراتيجية إسرائيلية مُحكمة؛ فالمراقب للانهيار الشامل في البنية التحتية يدرك أنه يتجاوز كونه أثرًا عرَضيًا للإبادة المستمرة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، نحو توظيفه سلاحًا رديفًا يُحقق بالتكامل مع العمليات العسكرية أهدافَ الإبادة الجماعية الشاملة.
وتهدف إستراتيجية الاحتلال إلى تحويل الضرر الجزئي إلى تدمير نهائي لا يمكن التعافي منه؛ حيث تتكامل ممارسات تقليص "المناطق الإنسانية"[20] وإستراتيجيات الدفع القسري مع عرقلة العمل الإنساني وتحويل الإغاثة إلى أداة ضبط ومنع، وصولاً إلى تفتيت النسيج الجغرافي للقطاع.
هذا الاستهداف الممنهج - الذي أعاد مؤشرات التنمية 77 عامًا إلى الوراء - يكشف غايةً تتجاوز التدمير العسكري إلى محو مقومات العيش وتحويل غزة إلى بقعة غير قابلة للحياة، عبر تهديد الأمن الغذائي لأكثر من مليوني نسمة، وتدمير التنوع البيولوجي، وهذا الواقع يؤسس لكارثة إنسانية وبيئية مستدامة[21]، تُهدد وجود السكان، وتجعل حياتهم مستحيلة، في انتهاك جسيم لقواعد القانون الدولي الإنساني العُرفي[22]، وخاصة البند رقم 3 من المادة 35 (القواعد الأساسية)، والبند رقم 1 من المادة رقم 55 (حماية البيئة الطبيعية) من البروتوكول الإضافي الأول[23]، ونصوص اتفاقية تعديل البيئة[24].
الإبادة البيئية لتمرير التهجير القسري
تأسيسًا على ما سبق، يوظف الاحتلال سياسات الإبادة البيئية الممنهجة باعتبارها إستراتيجية التفافية على مخطط التهجير العسكري الذي اصطدم بصمودٍ شعبيّ، ورفض دولي[25] وإقليمي، وخاصة الرفض المصري الثابت[26]، الذي أدى دورًا مركزيًا في إفشال مخططات التهجير، على الرغم من العروض المُغرية[27] التي قّدِمت لتمرير المخطط. هذا كلّه جعل المؤسسة الأمنية والعسكرية للاحتلال تُدرك أن خيار الطرد المباشر مكلف سياسيًا ومحفوف بالمخاطر.
وبناء عليه، انتقلت الإستراتيجية إلى الإبادة البيئية كبديل أكثر كفاءة، في تجلٍّ واضحٍ لطبيعة الاستعمار الاستيطاني باعتباره عملية مستمرة تتأثر بفاعلية السكان، واللاعبين الإقليميين والدوليين، وتُكيّف توجهاتها وسياساتها بناءً على ذلك[28].
تتضمّن هذه الإستراتيجية تجريد القطاع من مقومات العيش الآدمي وتحويله إلى بيئة طاردة للبشر، لا يحتاج فيها الاحتلال إلى قرار طرد مباشر، بل يكفيه خلق واقع استنزافٍ مستدام يفتك تدريجيًا بأهل غزة. هذا "التهجير الهادئ"[29] يضمن إفراغ غزة من مقوماتها الحيوية في عملية إعادة تشكيلٍ ديموغرافيةٍ هادئة[30] تتمّ بعيدًا عن أضواء التنديد الدولي، لتُحوّل التهجير في نهاية المطاف من فعلٍ عسكري آنيّ إلى واقعٍ حياتيّ قسريّ طويل الأمد.
ويسعى الاحتلال عبر هذه السياسات إلى تحويل غزة من ساحة تحررٍ وطني إلى كيانٍ وظيفي يعتمد كليًا على الإغاثة، لذا هندس ونفّذ التدمير المؤسسي الشامل، الذي لحق بهيئات الحكم المحلي، والقطاعات الإنتاجية كافة، والمنظومة الصحية، لتجريد السكان من أية قدرةٍ على الإدارة الذاتية، ووضعهم أمام تبعية دائمة للجهات المانحة والمشغلين الدوليين، في واقعٍ يحلّ فيه الأمن الغذائي والاستجابة الإنسانية محل الحقوق السياسية والسيادة الوطنية.
وعلى إثر هذا، يُجبر المجتمع الغزّي على الانخراط في إدارة الأزمات اليومية للبقاء[31]، بدلًا من التفكير في التحرّر أو التنمية المستدامة. وبات الاستقرار في القطاع مرتبطًا كليًا بمدى تدفق المساعدات أو منعها؛ الأمر الذي يجعل الإغاثة أداةً بيد الاحتلال للتحكم في مفاصل الحياة[32]. وبهذه الهندسة، تكتمل عملية تحويل غزة إلى سجن كبير، تُدار شؤونه وفق اشتراطاتٍ سياسيةٍ[33] تضمن تفكيك النسيج الوطني، وتؤبّد حالة الانشغال اليومي بالضرورات الحيوية بديلًا من أي أفق سياسي.
يُكرّس الاحتلال واقع استحالة الحياة لفرض نزيفٍ بشريّ صامت[34]؛ إذ سبقت الحرب هجرة تراكمية بلغت 200 ألف مغادر خلال 15 عامًا من الحصار[35]، تسارعت مع اندلاع الحرب حتى وصلت 100 ألف في نيسان/ أبريل 2024[36]. وانخفض عدد السكان من 1.1 مليون في محافظتي غزة والشمال إلى 70 ألفًا بحلول أيار/ مايو 2024، مع دخول "خطة الجنرالات" حيز التنفيذ. والأخطر، فقدان رأسمال بشري؛ إذ تسببت الإبادة في هجرة العقول[37] وتآكل الكوادر المهنية والأكاديمية التي تشكل عماد البناء الوطني. هذا الضغط يُفتّت رأس المال الاجتماعي، ويحول المجتمع إلى تجمعاتٍ تعاني الموت البطيء، ما يُفرّغ غزة من طاقتها الوطنية، ويجعلها مخيم إيواء دائمًا، مشلول القدرة على التعافي، ورهين إرادة الاحتلال.
تتبلور هذه الهندسة الإستراتيجية بمشروع "المدينة الخضراء" الذي بدأ تنفيذه في رفح؛ وهو نموذجٌ لغيتو قسري يهدف إلى تحويل القطاع إلى معازل بشرية[38] خاضعة لسيطرة أمنية مطلقة، تجسيدًا لقرار[39] صدر عن الكابينيت الإسرائيلي في آذار/ مارس 2025 بإنشاء مديرية للنقل تابعة لوزارة الأمن من أجل تنفيذ عمليات تهجير ممنهج. وفي حين تُعدّ "خطة الجنرالات" في شمالي القطاع مرحلةً تجريبية، فإن المدينة الخضراء نسختُها المطوّرة، وتقوم – بمصادقة الولايات المتحدة الأميركية - على نظام فصلٍ جغرافي يقسم القطاع إلى منطقة حمراء طارِدة، ومنطقة خضراء مكوّنة من منشآت تشبه الكرفانات، تستوعب كل منها 25 ألف نسمة لكل كيلومتر مربع. يفصل بينهما خط أصفر عسكري توسّع في الشهور الأخيرة[40] لتتجاوز نسبة المناطق الخاضعة تحت سيطرة الاحتلال 70% من مساحة القطاع[41]، حيث تُستخدم المساعدات والفرز الأمني أدوات ضغط لإجبار السكان على الانتقال إلى المعازل، في عملية تُفرّغ الأرض من أصحابها تحت غطاء إنساني زائف.
وعمليًا، تهدف الخطة إلى إعادة هندسة الديموغرافيا الفلسطينية وتفكيك النسيج الاجتماعي عبر حشر السكان، وإحلال سلطة تابعة للاحتلال بدلًا من الإطار الوطني.
تكرس هذه المعازل سيطرة طويلة الأمد وضمًّا فعليًا للأرض، في حين تُترك المناطق الحمراء بلا أدنى مقومات الحياة، وتُعزل في بيئة قسرية لتواجه تبعات الإبادة الشاملة والدمار البيئي الممنهج. وإن هذا الفصل لا يستهدف التنظيم، بل يسعى إلى تقويض حق تقرير المصير، عبر تحويل القطاع إلى أجزاء مُمزقة مشلولة يسهُل التحكّم في مفاصلها وتدجينها خارج أي أفق سياسي وطني. وتأتي هذه الترتيبات لتُرسّخ تحوُّل مشروع التهجير من مجرد أُطروحات يمينية إلى برنامج عمل إسرائيلي فعلي[42].
واقع المعالجة الراهن: فجوة الإمكانيات وضعف التوثيق
لا تتجاوز جهود المعالجة الميدانية للانهيار البيئي والخدمي في غزة حاليًا نطاق الاستجابة الطارئة، ولا تزال جهود التوثيق الدقيق محدودة ومشتتة. وبحسب تقارير صادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية وسلطة المياه والبلديات، خلال سنوات الإبادة، تتجسد الفجوة في أمرين:
أولًا: محدودية الاستجابة الميدانية
تعتمد محاولات المعالجة الميدانية الحالية على مُبادرات فرديّة ومحلية لجمع النفايات يدويًا أو تحلية المياه عبر وحدات مُتنقّلة صغيرة، وإعادة إحياء قِطَع من الأراضي الزراعية بإمكانيات فقيرة، في واقعٍ يحظر فيه الاحتلال دخول المعدات الثقيلة، مثل الحفّارات الكبيرة، وشاحنات الضغط، والمواد الكيميائية اللازمة للتعقيم، فضلًا عن نُدرة قطع الغيار، إذ تمنع سلطات الاحتلال دخول أكثر من 90% من القطع اللازمة لصيانة مضخات المياه ومحطات التحلية؛ ما يجعل أي إصلاح يقوم به المهندسون محليًا عملًا مؤقتًا لا يتجاوز عمره أيام.
يُضاف إلى ما سبق، الشلل الذي أصاب الكوادر المتخصصة، بعد فَقد أكثر من 40% من الكوادر الهندسية والبلديّة (بين شهيد، ومعتقل، ونازح)، ما تركَ المؤسسات الخدمية بلا طواقم بشرية لإدارة المرافق، ووضع الخطط والحلول.
ثانيًا: ضعف التوثيق وعجز مسارات التدويل القضائي
تعجز جهود الرصد الحالية عن بناء ملف متكامل، بسبب استهداف البنى التحتية المؤسسية والرقمية، وتدمير المختبرات المتخصصة لفحص التربة والمياه والهواء، وتكاد تقتصر التقارير على التوثيق البصري والتقديري العام، ما يحول دون القدرة على حصر بيانات الدمار البيئي وتحويلها إلى أدلة قانونية لاستخدامها في المحاكم الدولية. وبذلك تبقى مسارات التدويل القضائي ومحاسبة الاحتلال عاجزة. لذا، لا تزال الانتهاكات البيئية عالقة ضمن الأطر الإغاثية والدبلوماسية التقليدية، ولا تخرج عن إطار البيانات الأممية، وسط غيابٍ لآليات التحشيد والضغط الفاعلة، باتجاه فتح تحقيق دولي مُستقلّ في "جريمة الإبادة البيئية"، ودون القدرة على فرض هذا على أجندة المؤسسات الدولية الكبرى.
البدائل المقترحة
البديل الأول: تأسيس مرصد مستقل للتوثيق
يقوم هذا البديل على توحيد جهود التوثيق تحت مظلة مؤسسية جامعة، عبر إنشاء مرصد متخصص مستقل، يضم: البلديات، والمؤسسات الحقوقية، وخبراء البيئة. وتكون مهمّة هذه الفِرَق توثيق آثار تدمير البنية التحتية، وتحويل البيانات الفنّية والمخبرية إلى أدلة قانونية رصينة، لاستثمارها في بناء ملفّات متكاملة تُرفَع إلى المحاكم الدولية ومؤسسات الأمم المتحدة، لربط جرائم التدمير البيئي الممنهج بنيّة التهجير القسري.
يضمّ هذا البديل جُملة من السياسات:
الرصد الميداني والتوثيق المنهجي، ويتطلب الآتي:
متطلّب فنّي: تشكيل فِرق مختصّة، تضم مهندسين، وخبراء بيئة، وناشطين ميدانيين، لرصد وتوثيق الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية ومكوّنات البيئة. وتُزوّد هذه الفرق بأدوات قياس لرصد وتسجيل دقيق ومنهجي للأضرار التي أصابت البنى التحتية والبيئة.
متطلّب تقني: ربط الفِرق بالمختبرات المتاحة لفحص العينات وقياس نسب التلوث الكيميائي والإشعاعي والأثر الناتج من القصف والاستهداف الإسرائيلي الممنهج للبيئة، وتوثيقه بأرقام وحقائق علمية رصينة.
بناء ملفات أدلة قانونية-بيئية، ويتطلب الآتي:
متطلّب قانوني: تحويل البيانات الفنية والمخبرية الخام - المرصودة من الفِرق المتخصصة - إلى ملفات أدلة قانونية رصينة، تُصاغ وفق المعايير المعتمدة للقضاء الدولي.
متطلّب حقوقي: إعداد مُذكّرات قانونية واضحة تُثبت أنّ تدمير البيئة في قطاع غزة سياسة إسرائيلية مقصودة ومُمنهجة لإعدام مُقوّمات الحياة الأساسية.
بناء سحابة رقمية محميّة، ويتطلب الآتي:
متطلّب تقني-أمني: تأسيس سحابة مركزية مؤمّنة رقميًا، لتكون بعيدة عن الاستهداف الرقمي أو الفيزيائي، لتخزين وحفظ البيانات والوثائق الميدانية والمخبرية كافة.
مُتطلّب تشغيلي: تغذية السحابة حصريًا عبر فريق تقني محلّي مُتخصص، مع اتخاذ تدابير صارمة لحماية بيانات وهوية الفريق من الانكشاف، نظرًا إلى استمرار الإبادة وتعمّد الاحتلال استهداف الكوادر الفاعلة، وخاصة في هذا المجال الحساس.
مُحاكمة البديل الأول:
المقبولية: محليًا، من المتوقع أن يحظى بقبول وتوافق واسع بين البلديات، والمؤسسات الحقوقية، والخبراء؛ لكونه حاجة ملحة لتوثيق الخسائر، وهناك جهود فعلية تُبذَل في هذا الإطار. دوليًا، مقبول لدى المنظمات الأممية والهيئات الحقوقية الدولية، لأنها توفر أدلة دقيقة يمكن البناء عليها في تقارير الحالة والتقييمات التي تُجريها. وبالنسبة إلى الاحتلال، فإنه يرفض هذا البديل بطبيعة الحال، من واقع ملاحقته واستهدافه لكل من يُوثّق الجرائم والانتهاكات التي يرتكبها في غزة، وخاصة الصحفيين والحقوقيين.
المعقولية: يتّسم البديل بمعقولية عالية ميدانيًا، لكن في جزئيّات معينة منه يُعدّ تطبيقه محفوفًا بمخاطر أمنية؛ فبناء السحابة الرقمية وحماية الفرق الميدانية التي تعمل على التوثيق يتطلّب تدابير أمنية جادة ومعقدة في ظل استمرار الاستهداف. لذا فإنّ اعتماد كوادر محلّية وإدارة لامركزية للبيانات يرفع من واقعية تطبيقها.
الربح والخسارة: المكاسب التي يُحققها هذا البديل مهمّة وإستراتيجية، لجهة توفير بنك معلومات موثوق، وبناء ملفات قانونية وحقوقية، وتعزيز السردية الفلسطينية بالأرقام والوقائع العلمية، في حين تكمن المخاطر في احتمالية الاستهداف الجسدي للفرق العاملة، لذا لا بد من الحفاظ على سرّية هوياتهم، واتخاذ تدابير الحماية اللازمة، واعتماد بروتوكولات تواصل آمنة، ويُمكن في مرحلة ما ربط المرصد بشبكات دولية، ما يرفع التكلفة السياسية والأخلاقية لأي استهداف مباشر للفرق العاملة. وهناك خطر الاستهداف الرقمي للمرصد، لذا من المهم الاعتماد على سيرفرات سحابية رقمية متعددة الاستضافة، وآمنة، وخارج نطاق الاستهداف المباشر، مع ضمان مزامنة وتصدير النسخ الاحتياطية للبيانات والأدلة بشكل فوري ومستمر إلى جهات خارج قطاع غزة.
الرأي العام: من المتوقع أن يحظى البديل بدعم شعبي ونخبوي واسع، وإنّ توثيق انتهاكات الاحتلال وكشف إجرامه واجب وطني وأخلاقي ومطلب دائم من كل الفئات، لكسر سياسات تزييف وطمس الحقائق التي يُمارسها الاحتلال وأدواته.
البديل الثاني: منظومة استجابة ميدانية لامركزية
يقوم هذا البديل على الانتقال بالجهود الميدانية الطارئة من إطار ردود الفعل الفردية والمؤقتة إلى خطة استجابة ممنهجة وموحّدة، عبر ابتكار حلول تقنية طارئة لامركزية لإدارة قطاعات المياه، والصرف الصحّي، والنفايات. وتعتمد الخطة على تشغيل وحدات متنقلة، ومصادر طاقة بديلة مصغرة، وحلول تستثمر الموارد المتاحة، لتجاوز قيود حظر دخول المعدات الثقيلة وقطع الغيار، وضمان استمرارية الحدّ الأدنى من مقومات الحياة، ومنع تحويل غزة إلى مساحة غير قابلة للعيش. ويُمكن تحقيق هذا عبر السياسات الآتية:
إدارة المياه والصرف الصحي عبر وحدات متنقلة وموزعة جغرافيًا، وتتطلّب الآتي:
متطلّب تقني: تصميم وحدات تحلية ومعالجة مصغرة، ومتحركة، ونشرها في مراكز الإيواء ومخيّمات النزوح، لتجاوز العجز الناتج من تدمير المحطات المركزية وخطوط المياه.
متطلّب تشغيلي: اعتماد حلول صيانة هجينة وبديلة تستخدم قطع غيار مُعاد تدويرها، أو المتاحة محليًا، لتجاوز حظر إدخال المُعدّات والأجهزة المتخصصة.
اعتماد الطاقة البديلة المستقلة للخدمات الحرجة، ويتطلّب الآتي:
متطلّب تقني-ميداني: نشر أنظمة طاقة شمسية مصغرة وموزعة جغرافيًا، لتشغيل آبار المياه الحيوية ومضخات الصرف الصحي، بشكل مستقل عن شبكة الكهرباء العامة المدمرة، لتوزيع المخاطر وضمان استمرارية العمل.
متطلّب تشغيلي: تأمين حلول تخزين طاقة ملائمة للبيئة الميدانية الصعبة، مع تدريب فرق محلية صغيرة على صيانة الألواح والبطاريات بسرعة لتجنب انقطاع الخدمة الأساسية.
سياسة "المعالجة المؤقتة واللامركزية للنفايات الصلبة"، وتتطلّب الآتي:
متطلّب ميداني: إنشاء نقاط تجميع مؤقتة للنفايات والأنقاض، وفق المتاح، في الأحياء المختلفة، لمنع تكدسها وتحولها إلى كارثة وبائية وبيئية.
متطلّب تشغيلي: توظيف آليات يدوية وهندسية خفيفة ومبتكرة للتعامل مع النفايات بالحد الأدنى من الآليات، بالتنسيق المباشر مع لجان الأحياء والبلديات.
متطلب تنسيقي: البناء على النماذج الناجحة للتدخلات الدولية (مثل عمليات إزالة النفايات التي قادتها الأوتشا في مكبّ سوق فراس)، وتوسيع نطاق التنسيق مع الوكالات الأممية لتوفير الغطاء اللوجستي، وتأمين مسارات آمنة، وضمان الحد الأدنى من المعدات الطارئة لترحيل المخلفات الخطرة.
محاكمة البديل الثاني:
المقبولية: محليًا، يحظى البديل بأعلى درجة قبول وإجماع، كونه يمس الحياة اليومية للمواطنين مباشرة ويلبي احتياجات البقاء الطارئة، من مياه، وصرف صحي، وإدارة النفايات، ويحد من مخاطر الانهيار الشامل على حياتهم وصحّتهم. دوليًا: البديل مدعوم من الوكالات الأممية وجهات دولية عدّة، التي لها دور على الأرض في هذا الإطار، ومطلوب توسيع نطاقه واعتماده بوصفه إستراتيجية عملية، من دون الحاجة إلى انتظار موافقات الاحتلال ودخول المعدات الثقيلة، وهذا يمكنه الحدّ من الرفض الإسرائيلي للبديل، إذ يواصل الاحتلال حظر إدخال قطع الغيار والمعدات الأساسية، لدفع الأوضاع أكثر نحو الانهيار الشامل.
المعقولية والواقعية: يتسم البديل بالواقعية والمرونة؛ لاعتماده على الإمكانيات المُتاحة، والحلول الهجينة، والموارد المحلية، ما يجعله قابلًا للتطبيق الفوري بغض النظر عن تعقيدات الحصار الإسرائيلي المتواصل.
الربح والخسارة: يُحقق هذا البديل مكاسب مهمّة مرتبطة بمنع وقوع كارثة إنسانية ووبائية شاملة، والحفاظ على الحد الأدنى من مقومات البقاء، وتعزيز صمود النازحين. في حين تكمن الخسارة كون البديل يمثّل حلًا إسعافيًا مؤقتًا، ولا يُعالج أصل المشكلة، لذا يبقى المطلب الأساسي العاجل هو البدء بإعادة الإعمار الشامل في قطاع غزة.
الرأي العام: يُعد البديل مطلبًا شعبيًا ملحًا، إذ يخفف من وطأة الأزمة الإنسانية اليومية المعاشة في قطاع غزة، التي تمسّ أدقّ تفاصيل حياة النازحين من توفير للمياه وحلول إسعافية لمشاكل الصرف الصحي والنفايات.
البديل الثالث: مسار المناصرة الدولية
يقوم هذا البديل على اعتماد إستراتيجية ضغط متكاملة، تُوظّف فيها توظيف الأدلة الموثّقة لتفعيل أدوات القانون الدولي وتعرية السياسات الإسرائيلية المنهجية في تدمير البنية التحتية والبيئة في قطاع غزة أمام المحافل الأممية والرأي العام العالمي. ويضمّ هذا البديل السياسات الآتية:
تفعيل مسارات التقاضي الدولي وتوظيف الأدلة البيئية، ويتطلب الآتي:
متطلّب قانوني: بناء ملفات قضائية متكاملة، وتضمين الانتهاكات البيئية فيها، ضمن جرائم الحرب والإبادة، بالاستناد إلى الأدلة (المستمدة من مرصد التوثيق المستقل) لتقديمها أمام المحاكم الدولية.
متطلّب إستراتيجي: التشبيك المباشر مع منظمات حقوقية دولية وازنة، والعمل المشترك مع شبكات المحامين الدوليين، لتبنّي الدعاوى القضائية ضد سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وكل الجهات المتورّطة في الإبادة البيئية بغزة (شركات، دول).
حملات ضغط ومناصرة دولية، وتتطلّب الآتي:
متطلّب إعلامي-حقوقي: إنتاج تقارير استقصائية ومواد بصرية وأوراق حقائق، مدعومة بالأدّلة الموثّقة والبيانات التحليلية، التي تربط بين جرائم الإبادة البيئية ومساعي التهجير، وإنتاج هذه المواد بلغات عدّة وتوجيهها للرأي العام العالمي ولجان حقوق الإنسان الأممية، بهدف إبراز الكارثة البيئية كأداة حرب ممنهجة، وتعزيز السردية الفلسطينية في مواجهة السرديّات المضلّلة.
متطلّب دبلوماسي: بالتوازي مع الإنتاج الإعلامي والحقوقي الهادف للتحشيد والمناصرة، من المهم تكثيف جهود التحشيد الدبلوماسي، بالتعاون مع التحالفات والمجموعات المناصرة، لدفع المقرّرين الخاصين ولجان الأمم المتحدة نحو إصدار قرارات مُلزِمة وإدانات رسمية، على أنّ تتبنّى بشكل واضح الإبادة البيئية.
إلزام المؤسسات الدولية بالمساءلة والتدخل الفعال، ويتطلّب الآتي:
متطلّب رقابي: رصد وتقييم أداء الوكالات والمنظمات الأممية العاملة على الأرض، في قطاع غزة، وضمان عدم تحوّل استجابتها إلى غطاء لتطبيع الوضع القائم واستدامة وإدارة الأزمات من دون تدخّل حقيقي، وممارسة ضغط منظّم لإلزامها بتوسيع نطاق تدخلاتها في إطار حماية البيئة والموارد.
متطلّب سياسي: الضغط على البرلمانات الدولية لفرض عقوبات وحظر تسليح على الاحتلال، وتجريم أي مشاركة من أي طرف في الأنشطة التي تفاقم التدهور البيئي وتمنع إعادة تأهيل البنية التحتية، على شاكلة القرارات التي أصدرتها إسبانيا، والتي تشكل أرضية قانونية وسياسية يمكن البناء عليها في مسار المناصرة.
مُحاكمة البديل الثالث:
المقبولية: دوليًا وحقوقيًا: البديل مقبول ومطلوب بشدة من شبكات التضامن العالمي والمنظمات الحقوقية والبرلمانات المناصرة التي ترصد وتبحث عن أدلّة موثقة للتحرّك الفاعل. على الصعيد الدولي الرسمي: بعض الحكومات الغربية والدول الكبرى تتلكأ أو ترفض الانخراط في هذا البديل نظرًا إلى حجم التقاطعات الدبلوماسية والمصالح المرتبطة بدعم الاحتلال. سلطات الاحتلال: يعتبر البديل مزعجًا للاحتلال، لهذا يبذل جهودًا دبلوماسية واسعة لإحباط كل نشاط مناصر أو داعم للحق الفلسطيني، وتشويه مخرجاته.
المعقولية: يتمتع هذا البديل بمعقولية وواقعية متوسطة إلى عالية، فالتحشيد الإعلامي والحقوقي وحملات المناصرة تتّسم بأنّها سريعة التأثير، وتحويلها إلى قرارات برلمانية ملزمة أو عقوبات دولية على سلطات الاحتلال وأدواته يتطلب معركة دبلوماسية طويلة النفس.
تحليل الربح والخسارة: يُحقق هذا البديل مكاسب إستراتيجية مهمة لجهة كسر العزلة القانونية وتجريم الاحتلال دوليًا، وخلق شبكات ضغط عالمية مناصرة، وتحويل الملف من إطار المساعدات الإنسانية إلى إطار محاسبة سياسية وقانونية. في حين تكمن الخسارة في بطء الاستجابة الرسمية الأمميّة، واحتمالية التعرض لضغوط سياسية أو تمويلية تستهدف المؤسسات والمجموعات الحقوقية الناشطة في هذا المسار، لذلك فإنّ توسيع نطاق التحشيد مهم جدًا.
الرأي العام: يحظى البديل بأهمية بالغة للفلسطينيين لقطع الطريق أمام سرديات الاحتلال، ولتعزيز الشعور المجتمعي العام بالعدالة في أيّ مسارٍ كان، وأنّ الجرائم التي تُرتكب لا تمضي وتُطمَس، بل يجري توثيقها والتحشيد لها دوليًا، لاستعادة الحقوق.
المفاضلة بين البدائل
إنّ مواجهة الانهيار البيئي الممنهج في قطاع غزة تتجاوز كونها خيارًا خدميًا مُلحًا؛ فهي ركيزة أساسية لحماية الوجود الفلسطيني وإحباط محاولات تحويل القطاع إلى معازل إنسانية مشروطة؛ الأمر الذي يتطلب مسارًا تكامليًا يربط بين البدائل الثلاثة، لقطع الطريق أمام محاولات الاحتلال تبييض جريمة التهجير، وتعزيز صمود المواطنين في أرضهم.
وفي الوقت الذي يواجه فيه البديل الثالث "مسار المناصرة الدولية" عقبات بيروقراطية وسياسية قد تبطئ نتائجه؛ توصي الورقة بالشروع الفوري في تطبيق البديل الأول، وهو تأسيس وتشغيل "المرصد المستقل للتوثيق" بمرجعية موحّدة، ونشر فرق الفحص والرصد الميداني، بالتزامن مع تطبيق البديل الثاني كونه الاحتياج الملحّ للنازحين، وهو الاستجابة اللامركزية الإسعافية لقطاعات المياه، والصرف الصحي، وإدارة النفايات.
وتُوصي الورقة باعتبار تأمين الكوادر الهندسية والتقنية والعلمية العاملة في مرصد التوثيق، والاستجابة الميدانية، أولوية قصوى، يجب اتّخاذ التدابير اللازمة لحمايتها رقميًا وجسديًا. وكذلك تأمين الأرشيف البيئي والحقوقي، لضمان بقاء قواعد البيانات بمنأى عن الاستهداف الرقمي.
ما يرد في هذه الورقة من آراء يعبر عن رأي كاتبها، ولا يعكس بالضرورة موقف مركز مسارات.
[1] تُعرّف المحامية وعالمة البيئة البريطانية بولى هيغنز الإبادة البيئية بأنّها "إلحاق ضرر جسيم أو تدمير أو فقدان للنظام البيئي لإقليم مُعيّن، سواء بفعل الإنسان أو لأسباب أخرى، إلى الحدّ الذي يتضاءل فيه - أو سوف يتضاءل - بشدة التمتع السلمي لسكان ذلك الإقليم".
[2] بيان صحفي في يوم البيئة العالمي، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 5/6/2026: https://shorturl.at/BI7mZ
[3] حصر الأضرار البيئية الأولية الناجمة عن حرب غزة، سلطة جودة البيئة، 1/7/2025: https://shorturl.at/WPJtj
[4] تحذيرات من تدمير كلي للخزان الجوفي وتلوث آبار المياه، الجزيرة على فيسبوك، 2/2/2026: https://shorturl.at/WQnLc
[5] الضرر البيئي في غزة نتيجة الحرب كبير، أخبار الأمم المتحدة، 19/6/2024: https://shorturl.at/0UT7Z
[6] Damage to Gaza causing new risks to human health and long-term recovery, UN Environment Programme, 18/6/2024: https://shorturl.at/5lMtv
[7] بيان صحفي في يوم البيئة العالمي، مصدر سابق.
[8] المصدر السابق.
[9] غزة: قاتل صامت يختبئ بين الركام اسمه الأسبستوس، آخر قصة، 26/4/2026: https://tinyurl.com/yftrb9ue
[10] تقرير الحالة الإنسانية | 3 تموز/ يوليو 2026، مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية - أوتشا، 4/7/2026: https://tinyurl.com/bdd9rnu8
[11] القطاع الصحي في غزة إبان العدوان الإسرائيلي، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، 2025: https://info.wafa.ps/Pages/Details/34091
[12] نقص الأدوية والمستلزمات الطبية يقتل الغزيين، الجزيرة نت، 14/5/2026: https://tinyurl.com/ppm9amu8
[13] تضرر نحو 87% من الأراضي الزراعية، أخبار الأمم المتحدة، 31/10/2025: https://tinyurl.com/28whhm85
[14] حصر الأضرار البيئية الأولية الناجمة عن حرب غزة، مصدر سابق.
[15] كيف دمر القصف تربة غزة وسمّم الغذاء، آخر قصة، 20/1/2026: https://tinyurl.com/yf62rvx5
[16] Gaza Strip Rapid Damage and Needs Assessment, UN, 6/4/2026: https://tinyurl.com/e9ru6xsz
[17] كيف دمر القصف تربة غزة، مصدر سابق.
[18] 200 ألف طن من المتفجرات ألقتها إسرائيل على غزة، الجزيرة على فيسبوك، 23/11/2025: https://tinyurl.com/msh7bayy
[19] بيان صحفي في يوم البيئة العالمي، مصدر سابق.
[20] اتساع رقعة المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية في غزة، أوتشا، 1/7/2026: https://tinyurl.com/p7d8y5c5
[21] الضرر البيئي في غزة نتيجة الحرب كبير، مصدر سابق.
[22] القاعدة 45: التسبب بأضرار بالغة للبيئة الطبيعية، اللجنة الدولية للصليب الأحمر: https://tinyurl.com/5c76p735
[23] البروتوكول الأول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف 1977، اللجنة الدولية للصليب الأحمر: https://tinyurl.com/ywnscv3z
[24] اتفاقية تغيير البيئة 1976، اللجنة الدولية للصليب الأحمر: https://tinyurl.com/4vkz7tpe
[25] غوتيريش يحذّر من تهجير الفلسطينيين إلى مصر، الشرق الأوسط، 8/12/2023: https://tinyurl.com/efw6x9eu
[26] مصر ترفض أي طرح أو تصور يستهدف تصفية القضية، الخارجية المصرية، 6/2/2025: https://tinyurl.com/2u9cudxz
[27] خبير عسكري يكشف عن عرض أميركي ضخم لمصر، روسيا اليوم، 18/1/2025: https://tinyurl.com/4tn9dmhw
