مدار نيوز \
في حادثة أثارت موجة غضب واستنكار واسعة محليًا ودوليًا، أجبرت قوات الاحتلال الإسرائيلي، مساء الجمعة، عائلة فلسطينية من قرية العصاعصة جنوب جنين، على إخراج جثمان فقيدها من قبره بعد ساعات فقط من دفنه، تحت تهديد المستوطنين وبحماية من جيش الاحتلال.
الحادثة التي وُصفت بأنها “انتهاك صارخ لحرمة الموتى” و”تجسيد لنزع الإنسانية عن الفلسطينيين”، أعادت تسليط الضوء على تصاعد اعتداءات المستوطنين في محيط مستوطنة “ترسلة” التي أعيد الاستيطان فيها مؤخرًا.
وقال أبو علي عصاصة، نجل المتوفى، في رواية مؤثرة حول ما جرى، إن والده توفي ظهر الجمعة بعد تدهور حالته الصحية، مضيفًا أن العائلة باشرت إجراءات الدفن المعتادة، قبل أن تُفاجأ بأن المقبرة أصبحت ضمن منطقة أعلنها الاحتلال “عسكرية مغلقة”.
وأوضح أن المجلس القروي حصل على “تنسيق أمني” من الاحتلال للسماح بالدفن بين الساعة الرابعة والنصف والخامسة مساءً، وبالفعل جرى دفن الوالد في مقبرة القرية الواقعة على بعد نحو 700 إلى 800 متر من مستوطنة “ترسلة”.
وأضاف خلال حديثه “لإذاعة النجاح” عبر برنامج صباح فلسطين: “أثناء الدفن تعرضنا لاستفزازات من المستوطنين، لكننا تجاهلناها وأكملنا مراسم الدفن وعدنا لتلقي العزاء”.
لكن الصدمة، بدأت بعد انتهاء الجنازة، حين أبلغهم شبان من القرية بأن مستوطنين عادوا إلى المقبرة وشرعوا بنبش القبر.
وقال: “ركضنا نحو المقبرة، فوجدناها مليئة بالجيش والمستوطنين، وحاولوا منعنا من الدخول. وبعد إصرارنا وصلنا إلى القبر، فوجدناهم قد نبشوه بالفعل، وكانوا قد وصلوا إلى اللحد”.
وأشار للنجاح إلى أن أحد مسؤولي المستوطنة هدّد العائلة بشكل مباشر قائلاً: “إذا لم تخرجوا الجثة سنحضر جرافة وننبشها ونلقي بها خارجًا”.
وأكد أبو علي أن المستوطنين لم يكتفوا بنبش القبر الجديد، بل اعتدوا أيضًا على قبور أخرى داخل المقبرة، وحطموا شواهد قبور وخربوا ممتلكات فيها، بما في ذلك خزان المياه.
وأضاف: “لم يعد لدي أي أمان أن أترك جثمان والدي هناك، فاضطررنا لإخراجه ونقله إلى بلدة الفندقومية، حيث أُعيدت الصلاة عليه ودفنه من جديد”.
وتقع مقبرة العصاعصة في منطقة تستخدمها القرية منذ ما بين 35 إلى 40 عامًا، أي قبل إخلاء مستوطنة “ترسلة” عام 2005، وقبل إعادة المستوطنين إليها مجددًا في نيسان/ أبريل الماضي.
ومنذ إعادة الاستيطان في “ترسلة”، تشهد بلدات جبع وسيلة الظهر والعصاعصة اقتحامات متكررة واعتداءات يومية من المستوطنين بحماية جيش الاحتلال، إلى جانب إخطارات بهدم منشآت ومحال تجارية على شارع جنين – نابلس.
وأثارت الحادثة ردود فعل غاضبة على المستويين الحقوقي والدولي، حيث أعرب مدير مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية أجيت سونغاي عن صدمته مما جرى.
وقال في تصريح نشره مكتب المفوضية عبر منصة “إكس”: “إن هذا أمر مروع، ويجسد نزع الإنسانية عن الفلسطينيين. الذي نشهده يتكشف في جميع أنحاء الأرض الفلسطينية دون أن يسلم منه أحد، لا الأحياء ولا الأموات”.
وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن الضفة الغربية والقدس المحتلة تعيشان حالة من الغليان منذ أكتوبر 2023، حيث أسفرت اعتداءات الجيش والمستوطنين عن استشهاد 1155 فلسطينياً. كما سجلت الطواقم الطبية إصابة نحو 11 ألفاً و750 آخرين، في حين تجاوزت أعداد المعتقلين حاجز 22 ألف مواطن في حملات مداهمة لا تتوقف.
ويرى حقوقيون أن ما جرى في العصاعصة يشكل انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي الإنساني، الذي يكفل احترام كرامة الموتى وحماية المقابر في أوقات النزاع، كما يعكس – وفق مراقبين – تصاعدًا غير مسبوق في اعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين ومقدساتهم وممتلكاتهم، حتى باتت تطال حرمة القبور والأموات.






