كان من الممكن لذلك الجندي أن يكون وسيما، أو على الأقل بشريا، لولا الكراهية.. فالكراهية حين تفيض لا تكتفي بتشويه الروح، انها تفسد الملامح كما يفسد السكر الزائد مشروب رخيص لا يُطاق.
هناك، في قرية جنوبية، وقف أمام تمثال رخامي للسيد المسيح.. اعتبره عدوه. المسيح، بعد ألفيّ عام، ما زال يستفزه. بالنسبة لعقل مبرمج على النقاء الأيديولوجي ورفض التعدد، هذا الصمت الرخامي إهانة. رفع عصاه وهوى بها على وجهه الأبيض.. كائن بائس في جيش يحتاج أن يكسر ما عجز عن فهمه…
في لاهوت المقاومة، كان المسيح يطعم الجياع سمكا وخبزا، وامتلك ايضا ميزة إضافية: القدرة على إثارة حنق الطغاة بصمته. نعم، هذا ما واجهه الجندي المصاب بعقدة تفوق تشبه نوبات الصرع.. تشنج أيديولوجي أمام رمز.
هوى مرة ثانية بالمطرقة، ربما فقط ليشعر بنشوة الهدم العبثي.. لذة “الإله الصغير” الذي يكسر ما هو أكبر منه. ما لا يدركه هذا المحتل أن الحجر المحطم في الجنوب يتحول إلى شظايا تدخل في جلود القتلة كلعنة أبدية.
السيد المسيح لم يغادر ارض الجنوب بعد معجزته في قانا.. يقال إنه في ليالي القصف العنيف، يخرج مع الاولياء ويُرى طيف عباءة بيضاء يسير فوق التلال، يلمس الزيتون المحروق فيرتوي، ويمسح على جباه الأمهات خلف الأنقاض. ويساعد المقاوم لينقض على الجندي البشع.. المسيح بالنسبة لأهل هذه الأرض هو مثلهم فلاح جنوبي، عرف الظلم، واختبر سياط الغزاة.
العدو الذي يحطم التمثال هو نفسه الذي أطلق الرصاص على قلب مها أبو خليل… يريد اقتلاع الرموز كما يسلخ الحكايات واشجار الزيتون، لكنه غبي بما يكفي ليغيب عنه أن “صور” هزمت الإمبراطوريات قبل أن يوجد كيانهم بآلاف السنين.
ولأنهم يفتقرون لشرف المواجهة، لجأوا لمهنتهم الوحيدة: “الجبن”… قصفوا المبنى، حوّلوا الجغرافيا إلى ركام، ظنا منهم أن الأنقاض تدفن الحكايات… لكن في الجنوب لا يوجد نهاية، الموت هو دائما بداية المقاومة.
لماذا كل هذا الحقد؟
لأن هذا الجندي الذي يعتمر “الكيباه” تحت خوذته يخاف من تمثال صامت ومن امرأة في الثمانين. تمثال المسيح يمنعه من رؤية “أرض الميعاد” المزعومة بوضوح، ولدى مها أبو خليل رأى تعقيداً لا يستوعبه عقله المدرب على البساطة العنيفة. هو يضرب ليمحو، يضرب لأنه عاجز عن الرؤية. العالم بالنسبة إليه يجب أن يكون أملس، خالي من التماثيل والنساء القويات، والمناضلات الجميلات وخالياً من فكرة “العيش المشترك” اللبنانية التي تشكل الكابوس الأكبر للكيان العبري.
سيقولون لك إن هذا تصرف فردي… لا تصدقهم.
هذا هو المشروع الإسرائيلي في أعمق تجلياته: فوبيا الهوية. لبنان نقيض أيديولوجي لكيانهم القائم على النقاء العرقي. تحطيم التمثال هو الرسالة: “لا مكان لغيرنا”. مؤسسات الكيان تبحث عن جغرافيا شاغرة تقوم بإفراغها من التاريخ لتزرعها بالمستوطنات القبيحة بلا تاريخ. خلف الدخان، تكشف حركات مثل “عوز” عن وجهها القبيح وتصرخ من اجل إبادة المكان تمهيدا لحلم الاستيطان الشمالي، واستبدال الفلاح الجنوبي بمستوطن عابر للبحار في استنساخ بائس لنكبة 1948.
إسرائيل تدرك أن وجود مسيحيين متجذرين في الجنوب هو لغم… يُفجر بروباغندا “الديمقراطية اليهودية ضد الإرهاب الإسلامي”… صليب الجنوب يفسد الرواية.
لكن الحقد دائما يأكل صاحبه، وهذا العمى هو علامة ذعر وجودي. لكن الأرض تنتمي لمن يزرعها والصهيونية الدينية تحاول قتل الإرادة التي تولد مع كل شهيد…
كلمات مها أبو خليل هي الرصاصة الأخيرة صبيحة ارتقائها، السطر الأخير في حياتها والأول في ملحمة البقاء:
“كل الأشياء تُباع وتُشترى بالعملة نفسها، إلا الوطن، يُباع بالخيانة ويُشترى بالدم”.
اكاديمية وباحثة – باريس
