مدار نيوز \
تظاهر آلاف الطلاب والمعلمين في اليونان، احتجاجًا على ارتفاع تكاليف السكن ونقص تمويل التعليم وتدهور أوضاع المدارس، في تحركات تتزامن مع احتجاجات تشهدها دول أوروبية أخرى، بينها فرنسا، على غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة.
وقدّرت الشرطة عدد المشاركين في المظاهرات التي شهدتها أثينا وضواحيها بنحو 10 آلاف شخص، مؤكدة أن المسيرة جرت بصورة سلمية، فيما شهدت مدن أخرى، بينها سالونيك وباتراس، احتجاجات مماثلة.
وطالب المتظاهرون بزيادة الإنفاق الحكومي على التعليم، وتحسين المنشآت المدرسية، وتقليص أعداد الطلاب في الصفوف، إلى جانب توفير مساكن جامعية بأسعار ميسورة وتخفيف الأعباء المالية عن الأسر.
وذكرت وكالة “أسوشيتد برس” أن طلابًا ومعلمين شاركوا في المسيرات، بالتزامن مع إضرابات نفذها معلمون احتجاجًا على ظروف العمل وارتفاع تكاليف المعيشة.
وفي أثينا، رفع متظاهرون لافتات باللغة الفرنسية تعبيرًا عن تضامنهم مع الاحتجاجات الطلابية في فرنسا، فيما سبق المسيرات اعتصام لطلاب جامعيين أقاموا خيامًا في ساحة سينتاغما، أمام البرلمان اليوناني، احتجاجًا على ارتفاع الإيجارات.
وقال طالب الهندسة باناغيوتيس موسخوناس، البالغ من العمر 20 عامًا، إن الدعم الحكومي للإيجار، الذي تبلغ قيمته وفق روايته 120 يورو شهريًا، لا يغطي حتى نصف إيجاره، مشيرًا إلى أن المبلغ يُصرف في نهاية السنة، ما يزيد الصعوبات المالية التي يواجهها خلال الدراسة.
من جهته، قال المعلم يوانيس رومباس إن ارتفاع تكاليف المعيشة يجعل تلبية احتياجات أسرته حتى نهاية الشهر أمرًا صعبًا، بالتزامن مع تدهور أوضاع المدارس.
وتشمل مطالب المعلمين تحسين الأجور وزيادة التوظيف وصيانة المنشآت التعليمية. وقدّر اتحاد معلمي المرحلة الثانوية في اليونان النقص في الكوادر التعليمية بنحو 15 ألف معلم.
وفي مواجهة الاحتجاجات، قالت وزيرة التعليم اليونانية صوفيا زاخاراكي إن الحكومة تستمع إلى مطالب الطلاب، مشيرة إلى مشاريع تتجاوز قيمتها 733 مليون يورو لإنشاء مساكن طلابية جديدة وتطوير المنشآت القائمة.
وتأتي هذه المشاريع في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية على الأسر اليونانية، رغم انتهاء أزمة الديون التي شهدتها البلاد بين عامي 2009 و2018، وترافقت مع خفض الأجور والإنفاق على التعليم ضمن برامج الإنقاذ المالي، بحسب “رويترز”.
وفي فرنسا، تتواصل التحركات النقابية المطالبة بتحسين الأجور والقوة الشرائية والخدمات العامة، وسط دعوات إلى تصعيد الاحتجاجات والإضرابات.
ووفق ما نقلته صحيفة “دياريو ليبري” عن وكالة “فرانس برس”، دعت الأمينة العامة للكونفدرالية العامة للشغل، صوفي بينيه، إلى تعزيز التعبئة النقابية، وأعلنت دعمها إضرابًا مرتقبًا في نوفمبر/ تشرين الثاني.
وجاءت الدعوة عقب اجتماع ممثلي النقابات مع رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو، من دون التوصل، بحسب النقابات، إلى التزامات ملموسة تستجيب لمطالب العمال والطلاب.
ورغم اختلاف أسباب الاحتجاجات ومطالب المشاركين بين دولة وأخرى، فإن ارتفاع تكاليف السكن يشكل أحد أبرز الضغوط التي تواجه الشباب الأوروبي، وفق بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي “يوروستات”.
فبحسب بيانات عام 2025، يعيش 9.1% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عامًا في الاتحاد الأوروبي ضمن أسر تنفق 40% أو أكثر من دخلها المتاح على السكن، مقارنة بـ7.7% من السكان عمومًا.
وسجلت اليونان والدنمارك أعلى النسب بين الشباب، بواقع 25.6% و26.9% على التوالي، ما يعكس تفاوتًا كبيرًا في أعباء السكن بين دول الاتحاد.
وأظهرت البيانات أن 26.9% من الشباب الأوروبي يعيشون في مساكن مكتظة، مقارنة بـ16.8% من إجمالي السكان.
كما بلغ متوسط سن مغادرة منزل الوالدين في اليونان 30.9 عامًا، مقابل 26.3 عامًا على مستوى الاتحاد الأوروبي.
وأوضح “يوروستات” أن الاستقلال السكني يتأثر بعوامل متعددة، تشمل ظروف العمل والعلاقات الأسرية والأعراف الاجتماعية وتكاليف المعيشة، ما يعني أن تأخر الشباب في مغادرة منازل أسرهم لا يرتبط بالضغوط المالية وحدها.
وفي السياق، أشارت ورقة بحثية صادرة عن المديرية العامة للشؤون الاقتصادية والمالية في “المفوضية الأوروبية” إلى أن أسعار المنازل ارتفعت بوتيرة أسرع من الدخول خلال العقد الذي تناولته الدراسة.
وبيّنت الورقة أن إيجارات العقود الجديدة ارتفعت بصورة حادة مقارنة بإيجارات العقود القائمة، ما يفرض أعباء أكبر على الشباب الذين يحاولون دخول سوق السكن للمرة الأولى.
وحددت الدراسة مجموعة من العوامل التي تضغط على المعروض السكني، بينها ارتفاع تكاليف الأراضي والبناء ونقص العمالة والعوائق التنظيمية، إلى جانب زيادة الطلب المرتبطة بالتحضر وتغير تكوين الأسر والاستثمار والإيجارات قصيرة الأجل.
وناقشت الورقة خيارات لمعالجة الأزمة، تشمل زيادة المعروض من المساكن وتطوير الإسكان الاجتماعي والميسور، وتحقيق توازن في تنظيم الإيجارات، مع مراعاة اختلاف ظروف الأسواق المحلية.
وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، أعلنت “المفوضية الأوروبية”، في 20 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، بدء عمل مجموعة تضم أكثر من 100 خبير لبحث آليات تسهيل الاستثمار في مشاريع الإسكان الميسور والمستدام.







