لاقى الفيلم الوثائقي الإسرائيلي نازا صدى إعلامياً وسياسياً عالمياً كبيراً بعد فوزه بجائزة لجنة تحكيم مهرجان البندقية السينمائي الخاصة، رغم عدم وصوله للجمهور. بعد عرضه في المهرجان، امتد التصفيق للفيلم لمدة ٢٥ دقيقة في حدث غير مألوف في مثل تلك المناسبات. امتدت مدة عرض الفيلم ٨٠ دقيقة، ويعني العنوان «نازا» بالعبرية الضرر الجانبي (collatral damage) أي أعداد المدنيين الذين سيقتلون ويصابون عند تنفيذ استهداف عسكري ما.ويتناول الفيلم منظومة اختيار الأهداف، بما فيها الاعتماد على الذكاء الاصطناعي أثناء عمليات القصف في غزة، ويوضح آلية حساب أعداد المدنيين بشكل مسبق، والذين يتوقع قتلهم أو إصابتهم جراء هذا الاستهداف. واستند الفيلم إلى تحقيق استغرق ثلاث سنوات وشهادات لـ٢٤ شخصاً من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، بينهم جنود وضباط، جرى إخفاء هويتهم في الفيلم.
لم يحصد فيلم «الطنطورة»، الذي جاء قبل «نازا» بأربع سنوات كل هذا الضجيج الإعلامي والسياسي، رغم أهمية الموضوع الذي يطرحه أيضاً، ووجود عناصر تتقاطع بين الفيلمين. عرض «الطنطورة «في مهرجان سندانس (Sundance) مطلع العام ٢٠٢٢، وركز على أحداث المجزرة التي لحقت بقرية الطنطورة التي اختفت آثارها تماماً، بعد سيطرة لواء الكسندروني عليها في أيار من العام ١٩٤٨. واستمد الفيلم أحداثه من أطروحة الباحث في جامعة حيفا تيدي كاتس، والعودة إلى وثائقه، فقد أجرى كاتس ١٤٠ ساعة من المقابلات مع ١٣٥ شاهداً فلسطينياً وإسرائيلياً، رغم مهاجمته بعد ذلك والطعن بمصداقيته الأكاديمية. حفزت التسريبات حول إخفاء وزارة الدفاع الإسرائيلية وثائق تاريخية من الأرشيف تتعلق بالنكبة ودور العمليات العسكرية في إفراغ القرى الفلسطينية، بما فيها جزء بات متاحاً بالفعل، لإنتاج فيلم الطنطورة، والعودة لوثائق الأطروحة. نشرت صحيفة هآرتس في أعقاب الفيلم تحقيقاً ودعت للبحث عن المقابر الجماعية. وفي العام التالي، استعانت مؤسسة Forensic Architecture بالشهادات والوثائق والصور الجوية التاريخية وغيرها من الأدلة لإعادة بناء القرية رقمياً وتحديد مواقع يُرجح أنها تضم مقابر جماعية في أراضي عام ١٩٤٨.
أثار فيلم نازا رد فعل عالمياً وداخلياً صاخباً بعد عرضه، مقارنة بفيلم الطنطورة، وهو ما يعكس التغير الذي نعيشه اليوم بعد أحداث السابع من أكتوبر. دعا وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار لسحب الجنسية من مخرجي الفيلم يوڤال أبراهام وراشيل زور، واتهمهما بالخيانة. كما طالب رئيس الأركان إيال زامير النيابة العامة بإجراء التحقيق باحتمال تسريب معلومات سرية للفيلم. في المقابل وقع أكثر من ١٥٠٠ سينمائي ومثقف وشخصيات عامة بيان تضامن مع مخرجي الفيلم، ودعا مقال نشر في هآرتس إلى فتح غزة أمام الصحافيين، وحذر آخر من المس بكل إسرائيلي يتحدث عن الجرائم في غزة.
يجسد الفيلمان بالأدلة سياسة إسرائيل في إزالة آثار الفلسطينيين من أرضهم، فالطنطورة يفضح كيف تمحو إسرائيل تاريخ الفلسطينيين من الذاكرة والتاريخ، بينما يفضح نازا بعض آليات تقليص الوجود الفلسطيني اليوم، كما يكشف رد فعل الحكومة الإسرائيلية على فيلم نازا سياستها في محو آثار جرائمها والشهادات ضدها. ويتشابه مخرجو فيلمي الطنطورة ونازا، أي ألون شوارتز مقارنة بـ أبراهام وراشيل زور من حيث الأهمية، وإن بات الأخيران اليوم بعد فيلم نازا أكثر شهرة. أخرج شوارتز فيلم «أسرار عايدة»، الذي عُرض في مهرجان «هوت دوكس» الكندي للأفلام الوثائقية، كما حصل على جائزة الجمهور في مهرجان «دوك أفيف» للأفلام الوثائقية في إسرائيل. وكان أبراهام وزور من بين المخرجين الأربعة لفيلم «لا أرض أخرى»، الذي فاز بأوسكار أفضل فيلم وثائقي في العام الماضي. إلا أن الأحداث التي صاحبت ظهور نازا حسمت الحضور والصيت الإعلامي والعالمي. بعد أحداث السابع من أكتوبر وحرب إسرائيل في غزة، وتمددها لحرب المستوطنين في الضفة، بدأت التقارير الدولية تركز على مصطلح «محو الفلسطينيين»، كما بدأت العقوبات الدولية تتصاعد ضد ممارسات المستوطنين في الضفة، حتى وصلت ذروتها اليوم في تحول دولي نوعي، لم تتعرض له إسرائيل من قبل.
منذ العام ٢٠٢٤ بدأت التقارير الدولية تسلط الضوء على سياسة إسرائيل التي تسعى لإزالة آثار الفلسطينيين من ديارهم. جاء تقرير للأمم المتحدة مطلع تشرين الأول من العام ٢٠٢٤ بعنوان «الإبادة الجماعية بوصفها محواً استعمارياً»، لتترابط غزة والضفة بما فيها القدس بمسار طويل من الإزاحة والاستبدال. وفي شباط الماضي أصدرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان تقريراً يتحدث عن المخاوف من تطهير عرقي في غزة والضفة بسبب تصاعد العنف ضد الفلسطينيين والتدمير الممنهج لأحياء كاملة والنقل القسري والتحولات الديموغرافية. وتطرق تقرير آخر صدر عن مكتب أوتشا الأممي في أيار الماضي إلى القتل غير المسبوق والتشريد الجماعي وتصعيد السيطرة الإسرائيلية على الحياة والأرض الفلسطينية في غزة والضفة بما فيها القدس. وفي تقرير آخر ظهر لمنظمة العفو الدولية في حزيران الماضي جاء بعنوان «محو كل ما هو فلسطيني»، تم التركيز على التطهير العرقي للتجمعات البدوية والرعوية الفلسطينية في الضفة. واعتبر تقرير لـ هيومن رايتس واتش صدر في آب الماضي أن عنف المستوطنين يدفع إلى التهجير، موثقة تهجير ١١٧ تجمعاً فلسطينياً منذ مطلع العام ٢٠٢٣، وأكد التقرير على دعم الدولة المادي والمالي والقانوني للمستوطنين المسلحين. في ذات الشهر، كشفت هآرتس في تقرير لها عن تشكيل ودعم الجيش الإسرائيلي لمجموعة من الميلشيات المسلحة تعمل داخل غزة على الإغارة على المناطق السكنية وإطلاق النار واقتحام المنازل ونهبها ثم حرقها، بهدف دفع الغزيين لمغادرة المناطق التي يوجدون فيها. في أيلول الجاري، الذي برز خلاله فيلم نازا، أصدر مركز بيتسيلم الإسرائيلي لحقوق الإنسان تقريراً بعنوان التفكيك المنهجي الإسرائيلي للحياة الجماعية الفلسطينية في الضفة، معتمدة على شهادة أكثر من ٢٠٠٠ فلسطيني، على مدار ثلاثة عقود. ولعل عنوان تقرير بيتسيلم يذكرنا بالتفكيك المنهجي للحياة الجماعية الفلسطينية في فلسطين قبل وبعد عام ١٩٤٨، وفي غزة، بل وفي منطقة الـ ٤٨ أيضاً.
يتعرض المجتمع الفلسطيني أيضاً داخل إسرائيل لعنف من نوع آخر، لكنه يحمل ذات الهدف الموجه لتفكيك الحياة الجماعية الفلسطينية. يقتل سنوياً أكثر من ٢٠٠ فلسطيني، خصوصاً بدءاً من العام ٢٠٢٣، جراء الجريمة والعنف في مناطق الفلسطينيين، وتترك معظم الجرائم بلا حسم أو تتبع من قبل الشرطة الإسرائيلية، بينما ذلك الحال لا يعكس الواقع في الأحياء اليهودية. وكشف تقرير لصحيفة لوموند في آب الماضي كيف تضطر بعض الأسر الفلسطينية للرحيل بسبب الجريمة في أحيائها. لقد باتت التقارير الحقوقية والصحافية الدولية وحتى الإسرائيلية أكثر صراحة وجرأة في كشف جرائم إسرائيل تجاه الفلسطينيين، وربطها بالهدف الموجه لمحو الوجود الفلسطيني في الضفة وغزة، كما جرى قبل حوالي ثمانية عقود.
الرد الدولي على أفعال إسرائيل بحق الفلسطينيين تطور وبات أشد وضوحاً. واجهت حكومة نتنياهو في العام ٢٠٢٤ عقوبات تنوعت بين أميركية وبريطانية وكندية ومن قبل الاتحاد الأوروبي استهدفت مستوطنين متهمين بالعنف وتهجير الفلسطينيين والاستيلاء على ممتلكاتهم، ولكيانات ومؤسسات تدعمهم. ورغم تراجع الرئيس ترامب عن هذه العقوبات بعد وصوله للسلطة، توسعت تلك العقوبات غربياً ولدول أخرى. في العام الجاري أعلنت دول أوروبية مواقفها بشكل جماعي. أكد البيان الرسمي الجماعي الصادر في ٩ حزيران ٢٠٢٦ عن وزراء خارجية بريطانيا وأستراليا وكندا وفرنسا والنرويج ونيوزيلندا على أنهم اتخذوا إجراءات منسقة تشمل عقوبات وتدابير أخرى لمحاسبة المستوطنين المتطرفين على عنفهم ضد المدنيين الفلسطينيين. واعتبر البيان أن المستوطنين «يستخدمون العنف لتهجير الفلسطينيين» وأن «التوسع الاستيطاني وإنشاء البؤر الاستيطانية يتواصلان بدعم وتسهيل من حكومة إسرائيل»، وأنه «في بعض الحالات، يقع عنف المستوطنين تحت حماية قوات الأمن الإسرائيلية ». ولعل التطور الأهم هو انتقال العقوبات من المستوطنين والكيانات والمؤسسات غير الرسمية التي تدعمهم، إلى فرض عقوبات على المستوطنات نفسها، فاستهدفت بريطانيا شبكات تمويل البؤر الاستيطانية. وأصدرت ١٢ دولة غربية خلال الشهر الجاري بياناً مشتركاً يضم بريطانيا وفرنسا وكندا والدنمارك وفنلندا وآيسلندا وإيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد اعتبر أن الوضع في الضفة «يتدهور بسرعة في ظل مستويات غير مسبوقة من عنف المستوطنين والتوسع الاستيطاني»، وربط البيان تلك التطورات أيضاً بمشروع E1. وأعلنت بريطانيا وفرنسا وكندا توجهها لفرض قيود تجارية على منتجات المستوطنات، أسوة بإيرلندا وإسبانيا وهولندا والنرويج وبلجيكا، التي اتخذت إجراءات مشابهة من قبل.
لم تستطع إسرائيل تغيير الواقع، ففلسطين لم تكن أرضاً بلا فلسطينيين، وتاريخ النكبة لن ينسى مهما سخرت المحاولات لمحو الذاكرة وحجب الوثائق، ولا الأدلة على ارتكاب جرائم الإبادة وانتهكاك القوانين والأعراف الدولية ممكن، طالما بقي الشعب الفلسطيني موجوداً. ولكن يكمن السؤال اليوم هل تكفي هذه الردود لردع إسرائيل عن سياسات وأفعال وجرائم ممتدة تاريخياً، تعرض لها شعب بأكمله بأجياله المتعاقبة، وباتت صرخاته اليوم تشكل وصمة عار للضمير الإنساني؟.






