من الركام إلى الخيمة.. فنانون يوثّقون معاناة الحرب بالتشكيل

من الركام إلى الخيمة.. فنانون يوثّقون معاناة الحرب بالتشكيل

2026 Aug,12

خانيونس/سما- في خيمة صغيرة بمواصي خانيونس، يحاول فنانون تشكيليون فلسطينيون توثيق مشاهد الحرب اليومية عبر لوحات فنية، بعد أن دمّرت منازلهم وأتلفت أعمالهم الفنية، فلم يتبقَّ لهم سوى أدوات محدودة وذاكرة مثقلة بصور النزوح والدمار والجوع.

يرسم هؤلاء الفنانون مشاهد الحرب بألوان قليلة وأوراق متاحة: أطفال يتحولون إلى ضحايا للقصف، ونازحون يحملون عبوات المياه، وشبان يتجمعون حول شاحنات المساعدات بحثاً عن الغذاء. يحاولون تحويل المأساة اليومية إلى ذاكرة بصرية قادرة على الوصول إلى العالم.

الفنان التشكيلي جهاد الشرافي، البالغ من العمر 50 سنة، أحد هؤلاء الفنانين. ينحدر من مخيم جباليا في شمال القطاع، وينام الآن في خيمة بمواصي خانيونس مع أسرته، بعد تدمير منزله وفقدانه نحو 80 عملاً فنياً كان يحتفظ بها. يقول الشرافي إن الحرب التي بدأت في السابع من أكتوبر فرضت على الفنانين أزمة مزدوجة: غياب المواد الفنية وضياع الأعمال التي أنجزوها عبر سنوات.

منذ بداية العدوان، اضطر الشرافي للاعتماد على الإسكتشات الورقية والقلم الأسود والفحم لتجسيد ما يشهده من دمار وإخلاء قسري وهدم البيوت على سكانها. لكن الحرب لم تقتصر على تدمير منزله؛ فقد ابتلعت أيضاً جزءاً كبيراً من تاريخه الفني. يروي أنه كان يمتلك 80 لوحة في مخيم جباليا، تعامل معها بعناية، فقد جسدت المناظر الطبيعية والوطن وحق العودة، لكنها دُمرت مع البيت.

مع استمرار العدوان، تحولت موضوعات الشرافي من الطبيعة والوطن إلى القصف والموت والجوع والنزوح. الأطفال الذين كانوا يلعبون في الشوارع أو في المدارس التي تؤوي النازحين، ويتحولون خلال لحظات إلى ضحايا للقصف، أثّروا فيه بشكل عميق. يصف هذا المشهد بقوله: كانوا أطفالاً يلعبون، وفجأة ينزل عليهم صاروخ فيصيرون أشلاء ويختفون، ويصير المكان ركاماً وألواناً رمادية.

يترجم الشرافي تلك المشاهد إلى ألوان محدودة جداً: أحمر وأسود وبنفسجي، كما يستخدم الفحم لتوثيق مشاهد النزوح والخيام المتهالكة والأطفال الصغار والفتيات اللاتي يحملن عبوات ماء بأوزان ثقيلة تميل بهن يميناً ويساراً. إحدى لوحاته الأخيرة ركزت على مشهد آخر من الحرب: تجمع الشبان حول شاحنات المساعدات يبحثون عن الطعام، وفيها تظهر شاحنة بألوان أصفر وأسود، بينما يحيط بها شبان يحاولون الحصول على أكياس الطحين والمواد الغذائية.

يشرح الشرافي اختياره للألوان بقوله إنه لم يعد يرى العالم بالألوان التي اعتاد عليها قبل الحرب. عاش الجوع وفقد وزنه بشكل كبير، فتحولت الناس أمامه كلها إلى أصفر، وما كان يراه سماء أصبح رمادياً، واللون الأرضي اختفى. بات يرى الناس عبارة عن أصفر وأسود فقط.

لم تكن الألوان متاحة بسهولة. حصل عليها من صديق في دير البلح في ظل صعوبة الحصول على مستلزمات الرسم منذ بداية العدوان حتى الآن. يقول: لا توجد خامات فنية، لكنني حصلت على اللون الأصفر والأسود من صديق، وقررت أن أعبر عن ذاتي وعن ما شهدته.

يرى الشرافي أن الفن التشكيلي لا يحتاج إلى ترجمة؛ فاللوحة يمكن أن تصبح رسالة تتجاوز الحدود. يقول إن الفن التشكيلي أكبر رسالة يوجهها للعالم أجمع، فهي لغة عالمية والرسمة الصامتة تخاطب الناس جميعاً. إذا رأى شخص شاحنات وشباباً حولها، يفهم أنها جوع غزة والبحث عن الطعام.

لا يملك الشرافي منصة كبيرة لعرض أعماله، ويعتمد أساساً على حسابه في فيسبوك، لكنه يأمل أن تصل لوحاته إلى جمهور أوسع. يتطلع إلى أن توصل وسائل الإعلام والقنوات الفضائية صوت الفنانين للعالم، حتى يتمكنوا من إيصال معاناة الشعب الفلسطيني.

لا ينقصر اهتمام الشرافي على أعماله الشخصية؛ فهو يحاول أيضاً مساعدة الأطفال في مخيمات النزوح على التعبير عن تجاربهم عبر الرسم. يؤمن أن كثيراً من الأطفال يمتلكون مواهب فنية، وأن الرسم يمنحهم مساحة للتفريغ النفسي وسط الظروف القاسية التي يعيشونها. كان ينظم دورات تدريبية للأطفال، لكنه يواجه نقصاً في الدعم والمواد. يتمنى أن يجد دعماً يساعده على توفير أقلام الفحم والأوراق للأطفال ليعبروا عما بداخلهم.

في خيمة النزوح، لا يرسم الشرافي الحرب من بعيد؛ بل يرسم ما عاشه وما فقده وما يشهده يومياً من حوله. بينما التهم الركام عشرات لوحاته السابقة، يواصل الرسم بأدوات قليلة وكأنه يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الذاكرة. ما تبقى من ألوانه لا يوثق الحرب فقط، بل يسجل أيضاً حياة الفلسطينيين تحتها: أطفال كانوا يحلمون باللعب، وعائلات تبحث عن الطعام، ونازحون يحملون بقايا حياتهم إلى خيمة، وفنانون يحاولون أن يمنحوا المأساة وجهاً لا يختفي تحت الركام.

أحدث الأخبار