حذر المفكر والمؤلف السياسي الأمريكي البارز، فرانسيس فوكوياما، من أن الولايات المتحدة تشهد أخطر اعتداء على ديمقراطيتها ومؤسساتها منذ الحرب الأهلية، واصفًا ممارسات وسلوكيات دونالد ترامب في السلطة والرئاسة بأنها تشكل "تهديدًا وجوديًا" للنظام الليبرالي القائم.
جاء ذلك خلال مقابلة صحفية مطولة أجراها فوكوياما بمناسبة صدور مذكراته الجديدة بعنوان "في عالم الرجل الأخير" (In the Realm of the Last Man) في سبتمبر 2026، والتي أجرى فيها مراجعة نقدية ذاتية لأطروحته الأشهر "نهاية التاريخ" بعد مرور 35 عامًا على إطلاقها.
وأوضح فوكوياما -الزميل الأول في معهد فريمان سبوگلي للدراسات الدولية بجامعة ستانفورد- أنه سبق وشخص خطورة طموح ترامب السياسي مبكرًا في كتابه الصادر عام 1992 (صفحة 328)، لكنه افترض حينها أن الثراء المادي الرأسمالي سيكون كافيًا لاستيعاب طموحه، قبل أن يتضح أن رغبته العارمة في "الاعتراف السياسي" هي المحرك الحقيقي لأزمته الراهنة مع النظام الديمقراطي.
تحليل الانتخابات والمشهد الأمريكي
وعزا المفكر السياسي فوز ترامب المتكرر وسيطرته على المشهد إلى عوامل بنيوية عميقة تتجاوز شخصه، أبرزها:
الاستياء الطبقي: شعور قطاعات واسعة من الطبقات الأقل تعليمًا بالتهميش تجاه "النخبة المتعلمة" التي تدير المؤسسات الكبرى.
تداعيات العولمة: تفاقم التوترات وفقدان الوظائف نتيجة تصدير الصناعات للسياسات الاقتصاديية الخارجية والعولمة.
تفكك وسائل الإعلام: انتشار نظريات المؤامرة عبر شبكات التواصل الاجتماعي وتراجع آليات التحقق التقليدية.
ورغم هذه العوامل، توقع فوكوياما تلقي الحزب الجمهوري "نكسة كبرى" في انتخابات التجديد النصفي المقبلة، مشيرًا إلى إمكانية فقدانهم مجلس النواب وفرصة 50% لفقدان مجلس الشيوخ، محذرًا في الوقت ذاته من لجوء ترامب لإثارة ملفات خارجية جديدة (مثل جرينلاند أو النزاعات المسلحة) لصرف الانتباه عن أزماته الداخلية.
كما وجه تحذيرًا استراتيجيًا للحزب الديمقراطي قبل انتخابات 2028 من الاستسلام لصعود الجناح اليساري الراديكالي -مقارنًا ذلك بتجربة حزب العمال البريطاني تحت قيادة جيريمي كوربين- مؤكدًا أن التركيز على كراهية ترامب وحده لن يبني أغلبية انتخابية دون طرح إجابات متماسكة لمخاوف الشباب والعمالة أمام قضايا مثل الذكاء الاصطناعي.
الأزمة الأوكرانية والقومية العرقية
وفيما يتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية، رجح فوكوياما سيناريو "انهيار نظام بوتين قبل الحكومة الأوكرانية"، مستندًا إلى تقديرات الخسائر البشرية الروسية (30-40 ألف جندي شهريًا) والضربات الناجحة لمنشآت الطاقة، مذكرًا بأن "الأنظمة الاستبدادية تبدو قوية جدًا حتى لحظة انهيارها المفاجئ". وانتقد موقف ترامب من الحرب مشيرًا إلى أنه لا يزال يحمل توجهات موالية لروسيا وضد الناتو منذ الثمانينيات.
وفي ختام حديثه، حذر فوكوياما شديد التحذير من تصاعد "القومية العرقية" (ethno-nationalism) محليًا ودوليًا والتي تقوم على النسب والتراث بديلًا عن الهوية المدنية والدستورية، مستحضرًا تجربته الشخصية كأمريكي من أصل ياباني تعرضت عائلته للاعتقال إبان الحرب العالمية الثانية، ومؤكدًا أن قوة الديمقراطيات الليبرالية تكمن في قدرتها على تصحيح أخطائها التاريخية والتمسك بالولاء للدستور لا للعرق.



