يُعد تريتا بارسي من أبرز الباحثين المتخصصين في العلاقات الأمريكية الإيرانية والجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، واشتهر بدفاعه عن المسارات الدبلوماسية ورفضه للحلول العسكرية وسياسات الضغوط القصوى تجاه إيران. كما عُرف من خلال مؤلفاته وتحليلاته التي تتبنى مقاربة واقعية في قراءة التوازنات الإقليمية والدولية.
وفي سلسلة من التحليلات والمقابلات تناولت مسار المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، يرى بارسي أن الإدارات الأمريكية، ولا سيما إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تخلط بين النجاحات التكتيكية والإنجازات الاستراتيجية، ما يؤدي إلى سوء تقدير لطبيعة الصراع ويزيد من احتمالات الانزلاق نحو مواجهات أوسع.
ويعتقد أن واشنطن تراهن على فاعلية الضغوط الاقتصادية والعقوبات والحصار البحري لإضعاف طهران، في وقت تُظهر فيه القيادة الإيرانية استعداداً للاستمرار في المواجهة والاعتماد على سياسة الصمود والتصعيد بدلاً من تقديم التنازلات.
كما يشير بارسي إلى ما يصفه بتحول في التفكير العسكري الإيراني، حيث باتت طهران، وفق تقديره، أكثر اقتناعاً بقدرتها على المبادرة الميدانية وعدم الاكتفاء بردود الفعل، بما يمنحها هامشاً أوسع للتأثير في مسار الصراع وتوقيته ونطاقه.
وفي قراءته للموقف الأمريكي، يرى بارسي أن ترامب لا يسعى إلى حرب شاملة ومفتوحة، بل يفضل إبقاء المواجهة ضمن حدود يمكن السيطرة عليها. لكنه يحذر في الوقت ذاته من أن استمرار الضربات المتبادلة وارتفاع منسوب التوتر قد يدفع الطرفين إلى قرارات تصعيدية غير محسوبة تقود إلى مواجهة أوسع.
ويصف الباحث الاتفاقات النووية أو الترتيبات الاستراتيجية التي تمنح حلفاء واشنطن في المنطقة امتيازات حرمت منها طهران لعقود بأنها عامل إضافي لتعقيد فرص التفاهم، إذ تعزز لدى الإيرانيين الشعور بازدواجية المعايير وتدفعهم نحو مزيد من التشدد.
كما يرى أن إسرائيل لعبت دوراً مؤثراً في تكريس إيران بوصفها التهديد الأمني الأول للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، معتبراً أن غياب رؤية دبلوماسية متكاملة واعتماد واشنطن المفرط على العقوبات والعزل السياسي لا يؤديان إلا إلى تأجيل الأزمات وإعادة إنتاجها بصورة أكثر حدة.
وعلى صعيد المواقف الخليجية، يعتقد بارسي أن الحرب الأخيرة دفعت العديد من الدول الخليجية إلى إعادة تقييم علاقتها بالولايات المتحدة وبالاستراتيجيات الأمنية السائدة في المنطقة. وبحسب رؤيته، برز اتجاه متزايد لدى بعض العواصم الخليجية لتجنب الانخراط المباشر في أي مواجهة عسكرية ضد إيران، مع تفضيل الحلول السياسية ومسارات التهدئة.
ويشير إلى أن النظرة الخليجية تجاه الصراع لم تعد موحدة كما كانت في السابق، لافتاً إلى تفاوت واضح في الحسابات الأمنية والسياسية بين دول المنطقة. كما يرى أن بعض الدول باتت أكثر حذراً بسبب مخاوفها من تداعيات أي تصعيد عسكري محتمل على أمنها ومصالحها الاقتصادية.
وفي ما يتعلق بالمستقبل الإقليمي، يؤكد بارسي أن استمرار الوجود العسكري الأمريكي وحده لن يضمن الاستقرار في الشرق الأوسط، بل قد يساهم في إطالة أمد الأزمات. لذلك يدعو إلى بناء منظومة أمنية إقليمية تشمل جميع الأطراف، بما فيها إيران، وتستند إلى الحوار والتفاهمات المباشرة بدلاً من سياسة المحاور والتحالفات الصلبة.
ويرى الباحث أن العقوبات الاقتصادية المشددة لم تنجح تاريخياً في إجبار إيران على الاستسلام أو تغيير سياساتها بصورة جوهرية، معتبراً أن السلوك الإيراني أظهر مراراً ميلاً إلى التصعيد عند الشعور بالتهديد أو الضغوط القصوى.
ويخلص بارسي إلى أن استقرار الشرق الأوسط لن يتحقق عبر محاصرة إيران أو استبعادها من المعادلة الإقليمية، بل من خلال إيجاد إطار أمني وسياسي شامل يراعي مصالح مختلف الأطراف، ويمنح الدبلوماسية مساحة أكبر لمعالجة الأزمات المتراكمة ومنع تحولها إلى صراعات مفتوحة.
