دعا مائير بن شبات، الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي ورئيس معهد مسجاف للأمن القومي والاستراتيجية الصهيونية، إسرائيل إلى معارضة إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية، المقرر تنظيمها في 28 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، محذرًا من أن الانتخابات، بصرف النظر عن نتائجها، قد تفتح الباب أمام ضغوط دولية لنقل إدارة قطاع غزة إلى السلطة الفلسطينية.
وقال بن شبات، في مقال نشره معهد مسجاف، إن الخطر الذي تمثله الانتخابات بالنسبة لإسرائيل لا يتعلق فقط بهوية القوى التي ستفوز أو تركيبة المجلس التشريعي الجديد، وإنما بما سيترتب على الانتخابات من شرعية سياسية وضغوط دولية على إسرائيل بشأن مستقبل قطاع غزة.
وتجري الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وفق جدول لجنة الانتخابات المركزية، في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، بعد أن أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس مرسومًا بتحديد موعدها. وتشمل العملية الانتخابية الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، فيما بدأت مرحلة الترشح في 26 سبتمبر/أيلول وتستمر حتى 7 أكتوبر/تشرين الأول.
ويرى بن شبات أن إجراء الانتخابات سيؤدي إلى ظهور سلطة فلسطينية "منتخبة" يمكن أن تحصل على اعتراف دولي أوسع، وأن ذلك قد يتحول إلى أداة ضغط على إسرائيل لتسليمها مسؤوليات في قطاع غزة، بما في ذلك المشاركة في إدارة القطاع والتعامل مع مسألة السلاح.
وكتب أن الضغوط الدولية بعد الانتخابات ستتركز، بحسب تقديره، على مطلب "تسليم المفاتيح أو نقل السلطات"، معتبرًا أن إجراء الانتخابات قد يُستخدم باعتباره خطوة لإعادة تأهيل السلطة الفلسطينية ومنحها شرعية جديدة.
تحذير من "أوسلو 2 "
وربط بن شبات موقفه بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 الصادر في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، والذي أيد خطة إنهاء الحرب في غزة ورحب بإنشاء "مجلس السلام" كإدارة انتقالية تشرف على إعادة إعمار القطاع إلى حين استكمال السلطة الفلسطينية برنامج إصلاحها وتمكينها من استعادة السيطرة على غزة بصورة "آمنة وفعالة".
كما ينص القرار على إنشاء قوة استقرار دولية مؤقتة في غزة، تتولى، ضمن مهام أخرى، دعم الاستقرار الأمني والمساعدة في نزع سلاح الجماعات المسلحة وتدريب شرطة فلسطينية جديدة، فيما ينص على انسحاب القوات الإسرائيلية وفق معايير ومراحل مرتبطة بعملية نزع السلاح.
وقال بن شبات إن إسرائيل يجب أن تستفيد من هامش المناورة الذي يتيحه القرار، وألا تسمح بتطور المسار نحو ما وصفه بـ"أوسلو2"، في إشارة إلى اتفاقات أوسلو التي بدأت مسارًا لنقل صلاحيات إلى السلطة الفلسطينية في الأراضي الفلسطينية.
وبحسب رؤيته، فإن الانتخابات قد تصبح إحدى الآليات التي تستخدمها أطراف دولية لإعادة السلطة الفلسطينية إلى مركز المشهد السياسي في غزة، وصولًا إلى مطالبتها بإدارة القطاع والمشاركة في تفكيك البنية العسكرية لحماس وجمع الأسلحة.
حماس والانتخابات
وتكتسب هذه المخاوف الإسرائيلية، وفق بن شبات، أهمية إضافية في ظل إعلان حماس استعدادها للمشاركة في الانتخابات. وقالت الحركة في أغسطس/آب إنها تعمل مع فصائل فلسطينية أخرى لتشكيل كتلة انتخابية، وفق ما نقلته وكالة شينخوا عن مسؤول العلاقات الوطنية في الحركة حسام بدران.
كما أشار المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى أن حماس أعلنت نيتها المشاركة في الانتخابات المقرر إجراؤها في 28 نوفمبر/تشرين الثاني، بينما تنص قواعد الترشح على التزام المرشحين بمنظمة التحرير الفلسطينية وبرنامجها السياسي والقرارات ذات الصلة بالشرعية الدولية.
ويعتبر بن شبات أن احتمال مشاركة حماس يمكن أن يشكل، من وجهة النظر الإسرائيلية، أساسًا للاعتراض على العملية الانتخابية، إلى جانب قضايا أخرى تتعلق بالقدس الشرقية والوضع الأمني في الضفة الغربية وقطاع غزة.
مخاوف من مسار يقود إلى الدولة الفلسطينية
ويحذر المسؤول الإسرائيلي السابق أيضًا من أن قرار مجلس الأمن لا يربط مستقبل السلطة الفلسطينية بإدارة غزة فقط، وإنما يفتح، بحسب قراءته، مسارًا سياسيًا أوسع.
فالقرار يشير إلى أن استكمال برنامج إصلاح السلطة الفلسطينية والتقدم في إعادة إعمار غزة قد يهيئان الظروف لمسار نحو تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية.
ويعتبر بن شبات أن هذه النقطة تمثل أحد أخطر جوانب المسار المقترح من وجهة نظر إسرائيل، إذ يمكن أن تتحول الانتخابات الفلسطينية إلى جزء من عملية دولية أوسع لإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية وربطها بمسار سياسي يقود في نهايته إلى إقامة دولة فلسطينية.
وفي هذا السياق، يرى أن واشنطن قد تنظر إلى التطورات التي ستلي الانتخابات باعتبارها جزءًا من مسار أوسع يهدف أيضًا إلى دفع التطبيع بين إسرائيل والسعودية، عبر معالجة قضية غزة وخلق مسار سياسي فلسطيني تعتبره الرياض ضروريًا للمضي قدمًا في علاقاتها مع إسرائيل.
الاستناد إلى تجربة 2006
ويستحضر بن شبات الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي جرت عام 2006، والتي فازت فيها حماس، معتبرًا أن التجربة تمثل سببًا إضافيًا للحذر الإسرائيلي من إجراء انتخابات جديدة قبل ضمان نتائجها السياسية والأمنية.
كما ينتقد ما يصفه بأنه تركيز غربي على مجرد إجراء الانتخابات باعتباره مؤشرًا على الديمقراطية، دون إعطاء الاهتمام الكافي، في رأيه، لطبيعة القوى السياسية والواقع الأمني الذي يحيط بالعملية الانتخابية.
وفي المقابل، تُقدَّم الانتخابات من جانب مؤسسات فلسطينية ومدنية باعتبارها وسيلة لتجديد الشرعية السياسية الفلسطينية وإعادة بناء النظام السياسي. وقال الائتلاف المدني للانتخابات في يوليو/تموز إن تحديد موعد الانتخابات التشريعية يمثل خطوة ضرورية لاستعادة الحياة الديمقراطية وتجديد الشرعية الفلسطينية، مع التشديد على ضرورة إجرائها في إطار سياسي شامل يضمن التعددية والمشاركة دون إقصاء.
لا ينبغي ترك القرار لمحمود عباس
ويرفض بن شبات الرهان على احتمال أن يقوم الرئيس الفلسطيني محمود عباس بتأجيل الانتخابات من تلقاء نفسه، أو أن يتحمل وحده المسؤولية السياسية عن إلغائها أو تأجيلها.
ويشير إلى أن عباس سبق أن أرجأ الانتخابات التشريعية التي كان مقررًا إجراؤها في 2021، بعدما قال إن إسرائيل لم تسمح بإجراء التصويت في القدس الشرقية. وكانت الانتخابات آنذاك قد أُرجئت إلى أجل غير مسمى.
ويحذر بن شبات من أن الضغوط الدولية قد تدفع عباس هذه المرة إلى المضي في العملية الانتخابية، حتى إذا كان ذلك يحمل مخاطر سياسية على السلطة الفلسطينية نفسها.
وبناءً على ذلك، يخلص المسؤول الإسرائيلي السابق إلى أن إسرائيل، بدلًا من انتظار قرار عباس، ينبغي أن تعلن بوضوح معارضتها لإجراء الانتخابات، حتى لو أدى ذلك إلى مواجهة دبلوماسية مع الولايات المتحدة ودول غربية أخرى.
ويقول إن إسرائيل، من وجهة نظره، لا تستطيع تحمل تكرار تجربة انتخابات 2006، ويرى أن أي كلفة دبلوماسية قد تترتب على موقفها ستكون أقل، في تقديره، من المخاطر التي قد تنشأ عن قيام سلطة فلسطينية منتخبة بالحصول على تفويض دولي لإدارة غزة.
ويأتي موقف بن شبات في وقت تستعد فيه لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية للانتخابات التشريعية المقررة في 28 نوفمبر/تشرين الثاني، وسط نقاش فلسطيني ودولي بشأن شكل النظام السياسي الفلسطيني ومستقبل إدارة قطاع غزة بعد الحرب.
ويشغل بن شبات حاليًا رئاسة معهد مسجاف للأمن القومي والاستراتيجية الصهيونية، وكان مستشار الأمن القومي الإسرائيلي ورئيس مجلس الأمن القومي بين عامي 2017 و2021. وقبل ذلك أمضى نحو 30 عامًا في جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، حيث تولى قيادة عدة أقسام، بينها مكافحة الإرهاب والدفاع السيبراني والقيادة الجنوبية.
وتعكس مواقفه، التي ينشرها معهد مسجاف، رؤية أمنية إسرائيلية تركز على الحفاظ على حرية العمل والسيطرة الأمنية الإسرائيلية في المناطق التي تعتبرها إسرائيل ذات أهمية لأمنها، وعدم نقل صلاحيات أو أصول أمنية قبل ضمانات يعتبرها كافية.






