مواصي خانيونس / PNN / تقرير فداء محمد عبد الجواد - في زاويا ضيقة من الخيام في غزة، تحتفظ النسوة بقطعة مرآة كالروح تمامًا، فحينما تحاذي المرآة الروح في زمن الحرب، بين حرارة نيران أفران الحطب، ونخز إبر الخياطة، والعتمة المتسربة إلى أروقة الأعين، تنشأ علاقة استثنائية مع "المرآة".
ثلاثُ نساء من مخيمات القطاع؛ خُضن تجارب نزوح قاسية، وتحدين شُح المواد واحتكار الأسواق، وابتدعن وسائلهن الخاصة ليقلن للعالم عبر شظايا الزجاج المكسور والأسطح المغبرة، "نحن هنا.. لم نندثر، وما زلنا أحياء".
أمينة.. خبّازة النار ومرآة السماء - مخيم الحياة- ميدانيًا
تفوح رائحة الطين المشوي ودخان الحطب المتأجج من تحت خيمة ممزقة تصارع حرارة الصيف الملتهبة، هناك تقف أمينة (45 عامًا) بجسدها النحيف المتعب، تنحني على فرن طيني عجنته بيدها من طين الأرض وحجارة البيوت التي تحولت إلى ركام.
وجهها ليس كوجوه النساء التي تلتقيها صدفة؛ إنه قطعة ثابتة من نسيج النار نفسها، حيث لفحت النار خديها حتى صار بسمرة الخبز الناضج، حفرت الشظايا والحنين خطوطًا غائرة في بشرتها، لكن لهب الفرن كان أشد أثرًا؛ رسم على وجهها شبكة حمراء وسوداء تشبه أزقة حيّها القريب الذي احترق وتغيرت معالمه، أما أناملها – تلك الأصابع التي كانت تتفقد وجهها كل صباح أمام مرآة تسريحتها القديمة – فقد قست وصارت بعتمة الرماد، تتقشر كجذع زيتون محترق، بينما تجمدت بقايا العجين الجاف تحت أظافرها كعلامات فارقة لا تسقط بالغسيل.
تقتني أمينة قطعة مرآة صغيرة، التقطتها ذات يوم من بين ركام بيتها من منطقة بيت لاهيا، غير أنها تحاذر النظر إلى وجهها فيها.
تحرك الجمر بعود خشبي: "كيف لي أن أنظر إلى وجه أكلته النار؟ هذا ليس وجهي الذي أعرفه، لقد التهم اللهب المرأة التي كنتها، ولم يتبقَ سوى هذا القناع الصلب لخبّازة تحاول ألا تنسى اسم شكلها القديم"، تقول.
تفضل أمينة أن تقلب الشظية على ظهرها المعتم، تنظر إلى انعكاس الغيم السارح على السطح المعدني الباهت؛ تتأمل غيمة رمادية أو طائرًا شاردًا، كأنها تفتش عن صورتها هناك في المدى الواسع، بعيدًا عن صهد الفرن اللافح الذي أذاب طراوة ملامحها.
تستمر في الحديث، وأصابعها تغوص من جديد في نسيج العجين البارد: "كنت أقف كل صباح أمام المرآة، أصلح شالي وأبتسم، وكان زوجي – رحمه الله – يمر ويقول: "عيناك ليلة اكتمال القمر"، والآن حين ألمس خدي بأطرافي المتفحمة، لا أستشعر بشرة امرأة، بل قطعة خبز نسيها الجميع في النار حتى احترقت".لا تذرف أمينة الدموع وهي تسرد ذلك، فقد جفت مدامعها منذ اليوم الذي دفن فيه زوجها وابنتها تحت أنقاض البيت، لكن نبرة صوتها تتكسر ببطء وهي تهمس: "في الليل، عندما يهدأ المخيم وينام الأطفال، أضع هذه الشظية تحت وسادتي، لا لأنظر فيها، بل لأتحسس برودتها الشديدة".
لا تحتاج أمينة إلى زجاج ناعم ليذكرها بجمالها القديم؛ تكفيها شظية مكسورة تعكس لها أن السماء ما زالت حاضرة في الأعلى، تشهد على امرأة تقف كل فجر أمام لهب الفرن، تنتظر ألا تحرق النار ما تبقى من أيامها.
ليان.. خياطة الخيام ومرآة الإبرة - مخيم طيبة- ميدانيًا
غادرتُ المكان والرماد العالق بعباءتي يشي برائحة فرن أمينة، فكان علىّ أن أسلك طريق آخر، حيث يتغير شكل النزوح وتتداخل أصوات الماكينات اليدوية مع ضجيج طائرات الاستطلاع.
المشي بين أزقة الخيام المزدحمة عملية ليست سهلة؛ فالطين والرمال هنا تغرق الأقدام، وكل خيمة تبدو ناطقة بفاجعة لا تختلف عن سابقتها.
كنتُ أبحث عن صوت آخر، عن يد لم تحترق بالنار بل نُخزت بالإبر حتى فقدت بصماتها، وهنا وقفت أمام صبية لا تترك ماكينة الخياطة طوال النهار، ترقع الخيش والشوادر وعيناها لا تفارقان شاشة هاتفها المكسور".
عندما وصلتُ إلى خيمتها، كانت الشمس قد بدأت تنكسر نحو الغرب، ليان (23 عامًا) لا تخبز العجين، لكن أثر العمل على يديها لا يقل قسوة عن يدي أمينة، تجلس على الأرض الترابية المنبسطة، تحني ظهرها فوق ماكينة خياطة حديدية قديمة تعمل بالدواس القدمي، تحدثت ليان: "أرقع الثقوب في الشوادر والخيش والقماش الذي يستر مئات العائلات النازحة، حتى أصابعي ليست كأصابع صبية في مطلع العشرينات؛ إنما متورمة، مثقوبة، وموشومة بآثار النخز اليومي".
الإبرة الغليظة التي تغرزها في قماش الخيام القاسي لا تخطئ أناملها؛ حفرت على بصماتها طبقات متراكمة من الجروح المتقشرة، حتى محت خطوطها الطبيعية واستبدلتها بوشم مستمر من الألم.
حاولت إمساك شاشة هاتفها المكسور – الذي أضحى مرآتها الوحيدة وسط المخيم – ترتجف كفها ببطء، تاركة على الزجاج المشروخ أثار دم جاف وعرق، ليمتزج انعكاس وجهها بتضاريس معاناتها اليومية، قائلة: "أنا أقتني هذا الهاتف الذي تهشمت شاشته الأمامية إلى ثلاث قطع طولية، بينما ما زال الضوء ينبعث منه بشكل متقطع، فلم أعد استخدمه للتواصل أو الاتصال، بل جعلته أداة لمقاومة النسيان واستعادة وجهي قبل الحرب".
رغم نخز الإبر وألم المفصل، تتناول كل صباح بقية قلم فحم صغير، وترسم بها حواجبها بدقة صبورة، وإذ صارت تستخدم كحل مصنوع من سخام شغلة زيت الزيتون، كما صنعته جداتنا من قبل ما يعرف المكياج.
وتبلل شفتيها بقليل من ماء السكر ليمنحها لمسة مرطب غائب، ثم تمشط شعرها بأسنان مشط مكسور.. تمارس هذه الطقوس اليومية وهي جالسة وسط غبار الخيام، في مساحة لا يراها فيها أحد.
وفي جولة داخل أزقة المخيم، تتكشف أبعاد أزمة غير مرئية تمس الأوضاع النفسية والصحية للنساء، والمتمثلة في الانقطاع التام لمستلزمات العناية الشخصية ومساحيق التجميل، أو توفرها بأسعار مضاعفة في السوق السوداء نتيجة الاحتكار وتداعيات الحصار، أدى هذا النقص إلى جانب استخدام المياه المتاحة الشديدة الملوحة والتعرض المستمر للغبار والدخان، إلى تغيرات ملموسة في صحة البشرة والمظهر العام للنازحات.
"استخدام هذه المواد البديلة محاولة يومية للحفاظ على الهوية الذاتية والحد من الآثار النفسية للنزوح. الهاتف المكسور لا يعرض صورة كاملة، بل يجزئ الانعكاس إلى عدة أجزاء، لكنه يفي بغرض التثبت من الملامح والتأكيد على الاستمرارية رغم قسوة الظروف"، تقول.
وختمت ليان كلماتها: "لا أستهدف من هذه الطقوس التجميلية الظهور أمام الآخرين، بل هي آلية داخلية للتعامل مع واقع المخيم الصعب وتجنب الشعور بالفقدان الكامل للحياة الطبيعية في ظل الحرب".
سعاد.. جامعة الحطب ومرآة العمى - مخيم الإنسانية- ميدانيًا
كان الترحال بين ممرات الخيام الضيقة أشد وطأة من سابقيه؛ فالأجساد هنا مثقلة بإنهاك الشهور المتواصلة، والأصوات تخفت شيئاً فشيئًا كلما اقتربت من أطراف المخيم الهامشية.
لم تكن خطاي تقودني إلى مشغل أو فرن هذه المرة، بل إلى غرفة معتمة بجوار مدرسة جعلت شظايا القصف من جدرانها هيكلًا مفرغًا هناك، أرشدني أحد الفتية إلى مسكن عجوز استبدلت الضوء بدخان الحطب الرطب، وقيل لي: "إنها لا تنظر في المرايا، لكنها تمسك زجاجها كل ليلة لتتيقن أنها على قيد الحياة".
سعاد (70 عامًا) لا تحتاج إلى مرآة مصقولة لتفحص ملامحها؛ فقد أطفأ الحصار ونقص الطبابة نور عينيها تدريجيًا، لم تسقط عليها قنبلة مباشرة، بل بدأت قصتها مع مرض "الجلوكوما" (ارتفاع ضغط العين) المزمن الذي كان تحت السيطرة قبل الحرب بالقطرات المنتظمة والمتابعة الحثيثة، ومع فرض الحصار وإغلاق المرافق الطبية التخصصية، انقطعت أدويتها تمامًا.
وعلى مدار أشهر طويلة داخل الخيمة المغلقة، كان دخان الحطب الرطب والبلاستيك المشتعل – الذي جمعته لطهي الطعام – يتصاعد بكثافة مستمرة ليلهب قرنيتيها الضعيفتين.
"يما الجفاف والالتهاب زاد مع جو الحرب والقصف والسموم الموجودة في الهواء، والله اتلف بصري وطفالي آخر ضو في عيوني". تقول ذلك، وكأن الحرب استكثرت عليها القدرة على رؤية العتمة.
يدا سعاد لا تشبهان يدي أمينة المحترقتين ولا أنامل ليان المثقوبة بالإبر؛ هما كفّان جافتان متشققتان كقشرة شجرة عتيقة ضربها الجفاف، حتى رأيتها تمسح بكفها اليمنى على جدار الغرفة الخشن ببطء لتتجه نحو درج خادمي صغير، تفتحه بأصابع مرتجفة، وتخرج منه مرآة جيب مدورة غطتها طبقة سميكة من غبار الركام والطين حتى أحالتها إلى جسم معتم، هي لا تمسح هذا الغبار، بل تتركه يترسب كطبقة حماية أخيرة.
حين سألتُها عن سر احتفاظها بمرآة لا ترى فيها ولا تزيل الغبار عن سطحها، تتنهد سعاد بنبرة ثقيلة تحمل صدى العقود الماضية: "لأني ذاكرة أنها صافية، في بيتنا القديم اللي انهار بالحرب، وشافتني عروس بسن ال17، وشافتني وأنا بتكحل قدامها لأول مرة"، كما قالت.

المرآة شهدت كثيرًا من ملامح الفرح على وجوه النساء، فسعاد أكملت حديثها: "المراية شافت ضحكتي، وشافتني حامل بطفلي الأول اللي راح مني بالحرب، حتى المرض أكلني واختفت القطرات من الصيدليات، والدخنة اللي بتطلع من توليع الحطب والنايلون قضت على آخر أمل في الشفاء".
أنهت حديثها وهي تقلّب المرآة بين كفيها: "المرآة ليست للوجه وحده، بل لحفظ الروح، وروحي أكلتها الغبرة مثلها، لكنها ما انكسرت لسة، رغم كثرة الشقوق اللي شققت قلوبنا قبل أجسامنا، بس كل ليلة بلمس القزاز لحتي اتأكد أني مازلت حية بقلبي"، فالراحلون لا يمسكون الزجاج.
مرايا لا تنكسر
ثلاث نساء وثلاث مرايا لم تعد وظيفتها أن تعكس الوجه فقط؛ صارت تحفظ شيئًا من ذاكرة أصحابها، ومن حياتهن التي تغيرت بفعل الحرب.
لسن إلا نماذج من الواقع، فأمينة تحاذر النظر إلى وجهها الذي استباحته النيران، وتفضل النظر إلى ظهر المرآة لتستعيد زرقة السماء، لأن جوهرها ظل أبعد من أن تطاله النار.
أما ليان التي تواجه شاشتها المكسورة بأصابع مدماه، ترسم ملامحها بالكحل والفحم كل صباح لتثبت للحرب أن ملامحها ليست حطامًا يسهل تجاوزه.
هذا وما حصل مع سعاد إلا حفظ غبار مرآتها بكفيها المجهدتين؛ لا لتفتش عن صورتها الضائعة بعدما أطاح انقطاع العلاج ودخان الحطب بضعف بصرها، بل لتلمس ثبات الزجاج وتشهد على بقاء روحها وسط العتمة.
في غزة، لم تعد المرآة مجرد أداة لترتيب المظهر، بل تحولت إلى وثيقة صمود؛ أداة تتشظى لتصبح أكثر إفصاحًا عن الحقيقة، إنها لا تعكس الوجوه التي لفحها اللهب أو ثقبتها الإبر أو أطفأها الدخان، بل تنقل صورة الأرواح التي تأبى الانطفاء.
وفي كل بقعة مكسورة من الزجاج، تجلس امرأة تتأمل الداخل، وتبث في صمت المخيم أنا هنا.. لم أندثر، ومازلت أبصر ذاتي حية، مهما تمزق العالم من حولي.



