في شكل غير مألوف من "المقاومة الشعبية"، قرر المجلس القروي في بلدة عين يبرود، شمال شرق مدينة رام الله، نقل مقر عمله اليومي من المكاتب المغلقة إلى منطقة مهددة بالاستيلاء عليها.
وفي إطار مواجهة التهديدات الاستعمارية المتصاعدة المحدقة بـ"بير أبو خشبة" شمال القرية، حوّل المجلس ساعات دوامه إلى هناك ضمن مقر مؤقت، يحتوي على منضدة ومجموعة من المقاعد وبيت متنقل ثبتت عليه لافتة "مجلس قروي عين يبرود".
وبموجب هذا الترتيب، أصبح لزاما على المواطنين ممن هم بحاجة إلى ختم أو توقيع أو مراجعة معاملة، التوجه إلى تلك المنطقة المستهدفة، والتي يعقد فيها المجلس أيضا اجتماعاته الدورية ليناقش الخطط الاستراتيجية والمشاريع التطويرية والخدمية ويتابع الشؤون المالية والادارية.
يقول رئيس المجلس القروي، لؤي شحادة، إن القرار جاء بعد أيام قليلة من اعتداءات استيطانية متكررة على أراضي البلدة، تلت إقامة بؤرة استعمارية جديدة على أراضي بلدة سلواد المجاورة.
وأوضح أن الهدف الأساسي هو كسر حاجز الخوف والرهبة في نفوس الأهالي، الذين عادة يتفادون ما يستهدفه المستعمرون، فتزداد شهية الفئة الأخيرة في الابتلاع والاستيلاء، لكن بتواجد المجلس وأعضائه وخدماته، تتحول المنطقة من نقطة تهديد إلى بؤرة صمود.
ويشير إلى إن وجود المجلس في المكان جعله أكثر أمناً في نظر أبناء القرية وغيرهم، فأصبح مقصداً ليس فقط لإنجاز المعاملات وإنما للدعم والمؤازرة. وأخذت هذه المبادرة تحظى بتقدير واسع، حيث تلقى المجلس زيارات تضامنية من جهات رسمية وشعبية.
ويرى القائمون على المبادرة أن التواجد اليومي الذي أصبح يمتد لساعات أطول من الدوام الرسمي أسهم في تعطيل تمدد المستعمرين، الذين يعتمدون أسلوب التمركز في نقطة ثم الانتقال لأخرى، إلا أنهم وجدوا أنفسهم أمام حضور فلسطيني دائم يراقب تحركاتهم ويحد من تمددهم.
بداية الأزمة الأخيرة كانت قبل نحو عشرة أيام، حين نصب مستعمرون خيمة على أراضٍ تابعة لبلدة سلواد، ملاصقة لأراضي عين يبرود، وتبعد هذه الخيمة نحو 400 متر فقط، بخط مستقيم، عن مقر المجلس المؤقت، ومنذ ذلك الحين، تصاعدت وتيرة الاعتداءات على البلدة وأراضيها الزراعية.
وتعاني عين يبرود من ضيق جغرافي حاد بفعل الاستيطان والشوارع الالتفافية.
وتبلغ المساحة التاريخية للقرية نحو 11400 دونم، إلا أن شارع 60 الالتفافي عزل وحده قرابة ستة آلاف دونم شرق البلدة، يمنع الاحتلال أصحابها من الوصول إليها.
وتستولي مستعمرة "عوفرا" على آلاف الدونمات من الجهتين الشرقية والشمالية لعين يبرود، في حين كما تستولي مستعمرة "بيت إيل" على نحو 4 آلاف دونم من الغرب والجنوب.
ولم يتبق لأهالي البلدة سوى 3 آلاف دونم، 1000 منها مخصصة للمخطط الهيكلي والبناء، وتقع البقية في المنطقة الشمالية، وتتراوح مساحتها بين 1000 و1200 دونم، وهي المتنفس الزراعي الوحيد المتبقي للبلدة. وهذه المنطقة بالتحديد هي التي يحاول المستعمرون الآن السيطرة عليها، وفيها يقع نبع المياه المعروف بـ"بير أبو خشبة".
وخلال عشرة أيام فقط، سجل الأهالي أكثر من عشرة اعتداءات استعمارية متفرقة شملت تخريب أشجار، وإتلاف الثمار، ومحاولات الاستيلاء على نبع المياه، إلى جانب سرقة ممتلكات من العزب الزراعية المحيطة.
ولم تستثن الاعتداءات الممتلكات الخاصة، فقد اقتحم مستعمرون، بحماية جيش الاحتلال، مزرعة دواجن تعود لرئيس المجلس القروي، تبعد عن موقعه المؤقت نحو 50 متراً فقط، وفتحوا أبوابها وأطلقوا الطيور في الجبال المحيطة.
كما اقتحم مستعمرون في الأيام الماضية أرضاً زراعية تضم بئراً وبيتاً زراعياً، وأقاموا فيها حفلة ليلية.
وعند توجه أهالي البلدة لتفقد المكان، هاجمهم المستعمرون بالحجارة وأشهروا أسلحة نارية بوجوههم، ما أسفر عن إصابات وخسائر مادية، واضطر الأهالي إلى مغادرة المكان.
عامر حمدان دحابرة (66 عاما)، يحمل الجنسية الأميركية، يروي تفاصيل معاناته مع تصاعد هجمات المستعمرين.
وكان حمدان قد عاد من الولايات المتحدة الأميركية عام 1994 ليستقر في قريته عين يبرود ويعتني بأرضه بعد سنوات من الغياب.
ويملك حمدان قطعة أرض مساحتها 9 دونمات، اشتراها والده بعد أن استولت المستعمرات على أراضي العائلة في الجهة الشرقية من البلدة.
وعمل على هذه الأرض طوال عشرين عاماً، حتى حولها إلى حديقة تضم أشجار المشمش والبرقوق والتفاح والكرز والكيوي، إلى جانب أنواع متعددة من الخضروات.
ولا يسعى حمدان من زراعته إلى الربح المادي، إذ يقدم نحو 80% من محصوله كهدايا وتبرعات، بينما لا تكفي عائدات بيع الباقي إلا لتغطية تكاليف حراثة الأرض. وقال إنه "ربى تسعة من أبنائه وعلمهم من عائدات هذه الأرض، ويعتبرها جزءاً من كيانه".
واليوم، تقف البؤرة الاستعمارية على مسافة لا تتجاوز 200 متر هوائي من أرضه، وبعد أن استولى المستعمرون على عزبة مجاورة تعود لصديقه، أصبح يستشعر التهديد يقترب منه أكثر، خاصة حين يقف المستعمرون فوق التلة المجاورة لأرضه، ويصرخون بوجهه بلغة لا يفهمها.
عاش في الولايات المتحدة الأميركية لعدة سنوات وسط مناطق تنتشر فيها العصابات، ولم يشعر بالخطر على حياته كما يشعر به اليوم وهو يعيش في وطنه.
ويؤكد أنه أصبح يستفيد من تواجد المجلس القروي صباحاً، ما يمنحه شعورا أكبر بالأمان.
