ليلة وفاء لروح قعبور: "نبض الضفة" في عمّان!

ليلة وفاء لروح قعبور: "نبض الضفة" في عمّان!

 

في قلب العاصمة الأردنية عمّان، وتحديداً من "بيت شقير للثقافة والتراث" الذي تفوح منه رائحة التاريخ، كان الجمهور على موعد مع أمسية استثنائية، مساء أول من أمس، شكلت تحية حب ووفاء لروح ومسيرة الفنان اللبناني الكبير أحمد قعبور، ورحلة في ذاكرة الأغنية الملتزمة وصوت القضية الذي لم يغِب يوماً.
ولم يكن اختيار "بيت شقير" عشوائياً، فالحجر العمّاني القديم والأسقف العالية بدت وكأنها تعيد صدى الكلمات وتمنحها زخماً تاريخياً، وكأن الأغاني التي ولدت في بيروت وجدت في هذا البيت العمّاني حضناً دافئاً يعيد إحياءها من جديد.
وفي محبةِ مَن شكلت ألحانه وكلماته وجدان أجيال بأكملها، قدم الفنان أحمد الكردي، مجموعة من أرقى أغنيات قعبور وأشهرها، بمشاركة نخبة من أمهر الموسيقيين الذين أبدعوا في خلق توازن دقيق؛ فكان الناي يئن بوجع اللجوء، بينما كانت الإيقاعات تضبط نبض الثورة في القاعة، ما جعل الموسيقى شريكاً في الحوار وليست مجرد خلفية للصوت.
وانطلقت الفعالية بكلماتٍ مؤثرة استحضرت إرث قعبور، واصفةً إياه بأنه "صوتٌ لكل من لم يُسمع"، ومع نغمات الناي الحزينة والدافئة، بدأ الحضور رحلةً عبر الزمن، يستعرضون فيها سيرة فنانٍ غنّى للأرض والمقاومة بكل صدق.
رسمت الموسيقى ملامح القضية، فكانت البداية مع السؤال الوجودي في أغنية "مين أعطاك الحق"، تبعتها "ما عندي مينا"، ومع تصاعد وتيرة الحماس، جاءت أغنية "بدي غني للناس" لتؤكد على رسالة الفن الشعبي، ومن ثم صدحت القاعة بأغنيتَي "حق العودة" و"لاجئ"، وهما العملان اللذان يلمسان الجرح الفلسطيني الحاضر دوماً، وصولاً إلى استحضار التراث الأصيل في أغنية "وين ع رام الله".
وأتبعتها الفرقة، وبتفاعل كبير ممّن غصّت بهم القاعة، بأغنية "مين"، التي شاركت الفنانة فوز شقير في أدائها أيضاً، ومن ثم كانت "يا رايح صوب بلادي"، حيث امتزجت المشاعر واقتحمت الدموع الحناجر.
وكان لافتاً ذلك المزيج العمري في القاعة؛ حيث تماهى الشباب الذين عرفوا قعبور عبر الفضاء الرقمي مع جيل عاصر بدايات هذه الأناشيد، ما أكد أن هذه الأغاني عابرة للزمن، وستبقى.
كانت لحظة التوهج الحقيقية مع أغنية "يا نبض الضفة"؛ فقبل أن تعلن الآلات الموسيقية انغماسها في العزف، صدحت حناجر الحضور بالكلمات، في مشهدٍ مهيب جعل الفرقة تنسجم مع إيقاع الناس لا العكس.
وبلغت الأمسية ذروتها مع النشيد الأيقوني "أناديكم"، حيث اختلطت مشاعر الوفاء للقضية بصوت الجمهور الذي غناها وقوفاً، بدفء القلب وبصوت عالٍ كهامات من كان يناديهم، وبقي أحمد قعبور حاضراً في كل جوارحهم.
ولم تنتهِ الأمسية إلا بعودة الجمهور للمطالبة بـ"يا نبض الضفة" مجدداً، لتكون مسك الختام لليلةٍ ستبقى طويلاً في ذاكرة "بيت شقير"، حيث تحولت الأغنيات إلى ما يشبه الصلاة لروح قعبور وكل شهداء البلاد.
الأمسية التي بدأت بعرض فيديو يوثق حياة قعبور ومسيرته الفنيّة، انتهت والجمهور لا يريد المغادرة، فبين صور قعبور التي ملأت المكان، وصوت الكردي ومشاركة فوز شقير، أثبتت هذه الليلة أن الفن الحقيقي لا يرحل برحيل جسد صاحبه، بل يبقى خالداً مخلداً في وجدان الشعوب، وأن الأغنية التي تُكتب بصدق لا تشيخ أبداً، ولا يمكن أن تموت.

أحدث الأخبار