لماذا تحتاج فلسطين إلى وزارة لإدارة مخاطر الكوارث والأزمات على وجه الخصوص ، وعلى سلم الأولويات الوطنية؟ حسن أبو العيلة

لماذا تحتاج فلسطين إلى وزارة لإدارة مخاطر الكوارث والأزمات على وجه الخصوص ، وعلى سلم الأولويات الوطنية؟ حسن أبو العيلة

مدار نيوز \ الجزء الثاني … المبررات القانونية
فلسطين ، التي تعيش واقعاً يومياً مليئاً بالمخاطر والأزمات ، المرتبطة بالاحتلال من اجراءاته العنصريه ومستوطنيه أو بالمخاطر الطبيعية والبشرية وغيرها ، تحتاج إلى منظومة تشريعية ومؤسساتية قادرة على إدارة هذه المخاطر بصورة شاملة ومنهجية.
وسأتناول في هذا الجزء البيئة التشريعية والقانونية المرتبطة بإدارة مخاطر الكوارث والأزمات والأخطار الناشئة عن الطبيعة أو الإنسان ، استناداً إلى ما راكمته الدراسات وورش العمل التخصصية والتجارب السابقة في هذا المجال.
وفي الجزء الأول من هذا العرض ، بتاريخ 26/10/2026 ، تناولت بصورة تمهيدية أهمية وجود نظام وطني متكامل لإدارة مخاطر الكوارث والأزمات ، وما ينطوي عليه هذا النظام من بُعد استراتيجي يقوم على التخطيط الاستباقي ، ووضع السياسات اللازمة للوقاية من المخاطر أو الحد من احتمالات وقوعها ، والتخفيف من آثارها في حال حدوثها.
أما في هذا الجزء ، فسأحاول إيجاز المبررات القانونية لوجود تشريع وطني شامل لإدارة مخاطر الكوارث والأزمات والحد منها ، قبل الانتقال لاحقاً إلى الإطار المفاهيمي والعلمي وفق الممارسات والمعايير الدولية.
إطار سنداي وحوكمة مخاطر الكوارث
اعتمد المجتمع الدولي إطار سنداي للحد من مخاطر الكوارث 2015–2030 خلال مؤتمر الأمم المتحدة العالمي الثالث للحد من مخاطر الكوارث عام 2015.
ويرتكز الإطار على أربع أولويات رئيسية ، من بينها الأولوية الثانية المتعلقة بـ تعزيز حوكمة مخاطر الكوارث من أجل إدارتها ، وتقوم هذه الأولوية على أهمية وجود رؤية واضحة ، وأطر قانونية وتنظيمية ، وتحديد للصلاحيات والمسؤوليات ، وتعزيز التنسيق بين القطاعات المختلفة ، وإشراك أصحاب العلاقة كافة.
وهذا يعني أن إدارة مخاطر الكوارث والازمات لا يمكن أن تبقى مسؤولية جهة تنفيذية واحدة ، بل تحتاج إلى نظام وطني متكامل يحدد المسؤوليات والأدوار وآليات التنسيق والمساءلة.
واقع التشريعات الفلسطينية ذات الصلة
من خلال مراجعة التشريعات الفلسطينية المرتبطة بالكوارث والأزمات والطوارئ ، بدءاً من القانون الأساسي ، مروراً بالقوانين العادية ، وانتهاءً بالتشريعات الثانوية ، يمكن ملاحظة عدد من جوانب القصور والتداخل التي تستدعي المعالجة.
أولاً … القانون الأساسي وحالة الطوارئ
ينظم الباب الثامن من القانون الأساسي الفلسطيني حالة الطوارئ ، وتنص المادة 110 على إمكانية إعلانها عند وجود تهديد للأمن القومي بسبب حرب أو غزو أو عصيان مسلح أو حدوث كارثة طبيعية.
كما يضع القانون قيوداً وضمانات مرتبطة بمدة إعلان حالة الطوارئ ، وضرورة تحديد هدفها ونطاقها الزمني والجغرافي ، إضافة إلى دور المجلس التشريعي في مراجعة الإجراءات المتخذة خلالها.
ويمثل ذلك إطاراً دستورياً مهماً ، لكنه في الوقت نفسه يتعامل مع الحالات ذات الخطورة العالية التي تستدعي إعلان حالة الطوارئ على مستوى الدولة.
وهنا تظهر الحاجة إلى التمييز بين حالة الطوارئ الدستورية من جهة ، وبين حالات الخطر أو التأهب أو الكوارث التي قد تتطلب تدخلاً مؤسسياً سريعاً دون بلوغ مستوى إعلان حالة الطوارئ دستورياً من جهة أخرى.
ثانياً … قانون الدفاع المدني رقم (3) لسنة 1998
يرتبط جزء من الاختصاصات والإجراءات المتعلقة بمواجهة الكوارث والحالات الطارئة بقانون الدفاع المدني رقم (3) لسنة 1998. إلا أن هذا القانون ، بحسب قراءته من منظور إدارة المخاطر الحديثة ، يغلب عليه طابع الاستجابة والتدخل عند وقوع الحدث أو الكارثة ، أكثر من بناء دورة متكاملة لإدارة المخاطر تشمل …
• الوقاية.
• الحد من المخاطر.
• الاستعداد والتأهب.
• الاستجابة.
• التعافي وإعادة البناء.
• مراجعة الدروس المستفادة.
ومن هنا ، فإن الحاجة لا تقتصر على تطوير قدرات الاستجابة ، وإنما تمتد إلى بناء إطار قانوني يشمل مختلف مراحل إدارة المخاطر قبل وقوع الكارثة وأثناءها وبعدها.
ثالثاً … الحاجة إلى إطار مؤسساتي شامل
لم يؤسس قانون الدفاع المدني ، بصورته الحالية ، نظاماً وطنياً شاملاً لإدارة مخاطر الكوارث يضم أصحاب العلاقة كافة ضمن هيكل مؤسسي واضح.
فالمجلس الأعلى للدفاع المدني المنصوص عليه في القانون يمارس مهاماً مرتبطة بالسياسات العامة للدفاع المدني ، إلا أن طبيعة المخاطر الحديثة تستدعي مشاركة أوسع تشمل الوزارات والمؤسسات الوطنية والهيئات المحلية ، والقطاع الخاص ، والمجتمع المدني ، والجامعات والجهات العلمية ، والجهات الدولية ذات العلاقة عند الضرورة.
فإدارة المخاطر الحديثة تعتمد على تكامل المعرفة والقرار والموارد والتنفيذ ، ولا يمكن أن تنجح إذا بقيت كل جهة تعمل بصورة منفصلة.
رابعاً … تداخل الصلاحيات
تظهر في المنظومة الحالية حالات من التداخل بين اختصاصات عدة جهات ، ومنها وزارة الداخلية ، والدفاع المدني ، وجهات وزارية اخرى ، والمحافظات ، والهيئات المحلية ، وغيرها من المؤسسات ، وقد يؤدي غياب التحديد الدقيق للأدوار إلى .
• ازدواجية العمل.
• تكرار الجهود.
• تأخر اتخاذ القرار.
• ضعف المساءلة.
• صعوبة إدارة الموارد.
• تداخل المسؤوليات أثناء الأزمات.
ومن هنا تصبح الحاجة ملحة إلى تحديد واضح من يقرر؟ ومن ينسق؟ ومن ينفذ؟ ومن يتابع؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
خامساً … الممتلكات الخاصة أثناء حالات الكوارث
يتضمن قانون الدفاع المدني أحكاماً تسمح ، في ظروف محددة ، باستخدام بعض العقارات أو الأبنية اللازمة لأغراض مرتبطة بالحماية والإغاثة ، لكن من المهم أن يرتبط أي تدخل في الملكية الخاصة بمعايير قانونية واضحة تحدد ..
• حالات الضرورة.
• الجهة المخولة باتخاذ القرار.
• مدة الاستخدام.
• آليات تقدير الضرر.
• قواعد التعويض العادل.
• ضمانات التظلم والمراجعة.
فإدارة الكوارث لا تعني تجاوز الحقوق ، وإنما تنظيم التدخل الاستثنائي وفق قواعد قانونية واضحة ومتوازنة.
سادساً … اللوائح والتعليمات التنفيذية
أي قانون ، مهما كان جيداً في نصوصه العامة ، يحتاج إلى أنظمة ولوائح وتعليمات تنفيذية تفصيلية حتى يتحول إلى ممارسة فعلية ، ومن بين المجالات التي تحتاج إلى تنظيم واضح …
• معايير المنشآت والملاجئ.
• خطط الإخلاء.
• إدارة مراكز الإيواء.
• العمل التطوعي.
• تجهيزات الاستجابة.
• المسؤوليات القطاعية.
• خطط الجاهزية والتدريب.
فالفراغ التنظيمي بين النص القانوني والتنفيذ قد يضعف قدرة النظام على العمل عند الحاجة.
سابعاً … تنظيم المتطوعين
يُعد العمل التطوعي عنصراً مهماً في الاستجابة للكوارث والأزمات ، لكن نجاحه يتطلب إطاراً إدارياً واضحاً .
فالعمل التطوعي في حالات الكوارث يحتاج إلى قواعد تتعلق بالتدريب ، والتسجيل ، والتأمين ، والسلامة ، والمسؤوليات ، وسلسلة القيادة ، وآليات الاستدعاء والتوزيع ، ولا ينبغي ترك هذا الدور للاجتهاد عند وقوع الأزمة.
ثامناً … الهيئات المحلية
يتضمن قانون الهيئات المحلية الفلسطيني رقم (1) لسنة 1997 أحكاماً يمكن أن تسهم في الحد من المخاطر ، خصوصاً فيما يتعلق بالتنظيم والبنية التحتية والخدمات المحلية ، لكن الاستفادة الفعلية من هذه الأحكام تتطلب تطبيقاً ورقابة وتنسيقاً مع بقية المؤسسات الوطنية ،
فالهيئات المحلية تمثل المستوى الأقرب إلى السكان ، ولذلك تشكل جزءاً أساسياً من منظومة إدارة المخاطر على المستوى المحلي.
تاسعاً … قطاع الاتصالات
تمثل شبكات الاتصالات عنصراً حاسماً أثناء الكوارث والأزمات ، إذ تعتمد عليها عمليات الإنذار والتنسيق والاستجابة وتبادل المعلومات ، ولهذا فإن التشريعات المنظمة لقطاع الاتصالات ينبغي أن توضح بصورة دقيقة آليات استخدام الشبكات عند وقوع الكوارث ، والعلاقة بين الجهات المنظمة للقطاع وبين الدفاع المدني والجهات التنفيذية الأخرى .
كما ينبغي أن تعالج بصورة واضحة الحقوق والالتزامات المرتبطة باستخدام قدرات القطاع الخاص أثناء الحالات الاستثنائية.
عاشراً … البيئة والمياه
تتضمن التشريعات المتعلقة بالبيئة والمياه أحكاماً ذات صلة بإدارة المخاطر والطوارئ ، فعلى سبيل المثال ، ينص قانون البيئة على وضع خطط طوارئ لمواجهة الكوارث البيئية بالتنسيق مع الجهات المختصة .
لكن فاعلية هذه النصوص ترتبط بوضوح آليات التنسيق والتنفيذ ، وبوجود نظام وطني يربط القطاعات المختلفة ضمن إطار واحد.
التشريعات الثانوية وتداخل الاختصاصات
تظهر أيضاً بعض أوجه التداخل وعدم الوضوح بين التشريعات الناظمة لاختصاصات المحافظين والهيئات المحلية والجهات التنفيذية الأخرى.
فمنح المحافظ صلاحيات واسعة في اتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة الكوارث والحوادث المهمة يحتاج ، من الناحية العملية ، إلى بيان واضح لحدود العلاقة مع الجهات الحكومية والدفاع المدني والهيئات المحلية والمؤسسات الأخرى.
وإلا فقد يؤدي ذلك إلى تداخل في الصلاحيات والموارد ، وإلى تكرار العمل أو تأخره.
كما تتقاطع بعض صلاحيات المحافظين مع اختصاصات الهيئات المحلية والتنظيم والبناء ، وهو ما يؤكد ضرورة وجود إطار قانوني موحد يحدد المسؤوليات ويمنع التضارب.
دروس من التجارب السابقة
تكشف التجارب التي مرت بها فلسطين خلال العقود الماضية أن إدارة كل أزمة بصورة منفصلة قد تؤدي إلى اللجوء إلى قرارات أو إجراءات استثنائية في كل مرة.
ومن بين الأمثلة التي شهدتها البلاد …
• انتشار إنفلونزا الطيور.
• حالات الطوارئ المرتبطة بالاعتداءات الإسرائيلية.
• جائحة كورونا.
وقد أظهرت هذه التجارب أهمية وجود نظام دائم ومؤسسي لا يبدأ العمل فقط عند ظهور الأزمة ، وإنما يكون قائماً قبلها ، ويملك الخطط والهياكل والموارد والصلاحيات اللازمة.
الحاجة إلى تشريع وطني شامل
يتضح مما سبق أن إدارة مخاطر الكوارث والأزمات في التشريعات الفلسطينية ما تزال موزعة بين مجموعة من القوانين والأنظمة والجهات ، في ظل تداخل بعض الصلاحيات وعدم وضوح بعض الأدوار وآليات المساءلة.
وهذا قد يؤثر في فاعلية النظام القائم عند التعامل مع مخاطر كبيرة أو مركبة ، ومن هنا تبرز الحاجة إلى تشريع وطني شامل لإدارة مخاطر الكوارث والأزمات والحد منها ، يعالج ثلاثة مستويات رئيسية ..
1. الإطار المؤسسي والحوكمة.
2. الجوانب الفنية والتخطيطية.
3. الجوانب التنفيذية والاستجابة والتعافي.
ويجب أن يقوم هذا الإطار على وضوح الصلاحيات والمسؤوليات ، وتكامل الأدوار ، والمساءلة والشفافية ، وتوفير المعرفة والموارد والقدرات اللازمة.
لماذا يجب أن يكون التشريع بمستوى قانون؟
قد لا يكون كافياً معالجة هذا الملف من خلال نظام يصدر عن مجلس الوزراء أو تعليمات قطاعية متفرقة.
فوفق الهرمية التشريعية ، يأتي القانون في مرتبة أعلى من الأنظمة والتعليمات ، كما أن وجود عدة قوانين قائمة ترتبط بالطوارئ والكوارث والبيئة والهيئات المحلية وغيرها قد يستدعي تعديل بعض أحكامها أو إعادة تنظيم العلاقة بينها ، ومن هنا فإن إنشاء إطار جديد واسع الصلاحيات يحتاج إلى سند تشريعي مناسب.
كما أن المادة 69 من القانون الأساسي تنص على اختصاص مجلس الوزراء بإنشاء أو إلغاء الهيئات والمؤسسات والسلطات أو ما في حكمها من وحدات الجهاز الإداري ، على أن ينظم كل منها بقانون.
وهذا يعزز الحاجة إلى إطار تشريعي واضح إذا كان الهدف إنشاء مؤسسة وطنية متخصصة ودائمة تتولى إدارة مخاطر الكوارث والأزمات.
التكامل مع المرجعيات الدولية
إن إصدار قانون وطني لإدارة مخاطر الكوارث والأزمات والحد منها ينسجم مع التوجهات الدولية الحديثة ، وفي مقدمتها …
• إطار سنداي للحد من مخاطر الكوارث 2015–2030.
• اتفاق باريس بشأن تغير المناخ.
• أجندة التنمية المستدامة 2030.
فهذه المرجعيات تؤكد أهمية الحوكمة ، والوقاية ، وبناء القدرة على الصمود ، والتخطيط الاستباقي ، وربط التنمية بالمخاطر والمناخ.
وتشارك دولة فلسطين في هذه الأطر الدولية ، بما يوفر فرصة للاستفادة من الخبرات والمعايير والممارسات الدولية وتكييفها مع الواقع الفلسطيني.
الخلاصة
إن الحاجة إلى قانون وطني لإدارة مخاطر الكوارث والأزمات لا ترتبط فقط بوجود فراغ أو قصور تشريعي، وإنما تنبع من ضرورة الانتقال من إدارة الأزمة عند وقوعها إلى إدارة المخاطر قبل وقوعها.
ويفترض بهذا القانون أن يوفر آلية واضحة لتكامل الأدوار بين جميع الشركاء على المستويين الوطني والمحلي ، سواء في الفترات التي تخلو من الكوارث أو أثناء وقوعها ، من خلال ..
التنسيق ، وتحديد المسؤوليات ، وتبادل المعلومات ، والاستعداد المشترك ، وتوفير الموارد ، والمساءلة ، والعمل ضمن منظومة وطنية واحدة .
فالهدف النهائي ليس إنشاء وزارة إضافية ، وإنما بناء نظام وطني قادر على معرفة المخاطر ، والاستعداد لها ، والحد منها ، وإدارتها بكفاءة عندما تتحول إلى أزمات أو كوارث.
بعد التعرف على البيئة القانونية والتشريعية والتي آمل أن تكون محط اهتمام القانونيين ، في الاجزاء القادمة سيتم عرض الاطار العلمي المفاهيمي لدورة إدارة مخاطر الكوارث والازمات بتفصيل شامل ، فادارة المخاطر تتسم بانها ذات نهج شامله وحلقية.

أحدث الأخبار