لغرب ليس هوية واحدة: كيف فضحت 7 أكتوبر هشاشة السرديات الكبرى..

لغرب ليس هوية واحدة: كيف فضحت 7 أكتوبر هشاشة السرديات الكبرى..

أصعب ما يجري اليوم هو صناعة الجهل الممنهج وتوظيفه سياسيًا.  أولًا، إنّ اليهود جماعات بشرية تاريخية متعدّدة،  ليست هي الحضارة الغربية، بل جزء من مكوّناتها، وهذا الجزء نفسه خاضع لتحوّلات وسياقات تاريخية وفلسفية سبقت وجوده في أوروبا الحديثة. وعليه، فاليهود في هذا السياق نتيجة من نتائج تشكّل الغرب بقدر ما هم مساهمون فيه، وليسوا سببًا أحاديًا له.
ثانيًا، من المعيب علميًا وأخلاقيًا تصنيع جهل متعمّد بقصد أو بغير قصد يقوم على تصوير جماعات دينية أو إثنية وكأنها كتلة مهيمنة تستفرد بالقرار الغربي أو تشكّل أساس الحضارة الغربية. هذا الطرح ليس سوى اختزال منهجي وإسقاطات مسيّسة تفتقر إلى الدقة، بل تنزلق أحيانًا إلى إعادة إنتاج سرديات إقصائية.
الأخطر من ذلك هو أن يتحوّل نقد “المركزية الغربية” إلى مركزية بديلة قائمة على أصل إثني (يهودي مثلًا)، بما يعيد إنتاج منطق الهيمنة ذاته ولكن بأدوات مختلفة. وهذا، في جوهره، تحريف معرفي يناقض الأسس العلمية في دراسة الحضارات.
ثالثًا، الجماعات اليهودية ليست كيانًا واحدًا متجانسًا؛ فهي تعيش انقسامات فكرية وسياسية عميقة، وتشمل تيارات معارضة للصهيونية، وأخرى منخرطة في نقد سياسات إسرائيل، خصوصًا في سياق الحروب على غزة أو التوترات الإقليمية. وقد عبّر عن هذا الاتجاه عدد من المفكرين، من أبرزهم حنة آرندت التي قدّمت نقدًا مبكرًا لبعض مآلات المشروع الصهيوني.
رابعًا، بعد هجوم 7 أكتوبر 2023، شهد الغرب تحوّلات ملحوظة في النقاش العام؛ إذ بدأت قطاعات من الرأي العام والنخب الثقافية والسياسية بمراجعة العلاقة بين الدين والسياسة، وكذلك نقد استخدام القوة في السياسة الدولية. وقد ظهرت هذه المراجعات في:
* اتساع الاحتجاجات الطلابية والجامعية
* تنامي النقد داخل الإعلام
* تصاعد النقاشات حول أخلاقيات السياسة الخارجية
*كذلك فكرة الهولوكوست يعاد نقدها في المؤسسات الغربية علىىاعتبتر انة اليهود ليسوا فقط ضحية النازية إنما هناك ضحية أخرى هم الفلسطينيون وهذا تحول كبير في تاريخ الذاكرة الجماعات اليهودية . كذلك فكرة اسطرة الردع الاسرائيلي الذي لا يقهر. اليوم تم تعرية هذه الرواية.
كما صدرت مواقف نقدية من مؤسسات دينية، بينها تصريحات للبابا الفاتيكان كل من  فرنسيس لاوي الرابع عشر، التي شددت على ضرورة ضبط استخدام القوة واحترام القيم الإنسانية اولا في النزاعات عبر تعزيز ثقافة الضمير الكوني.
خامسًا، لا يمكن اختزال اليهود كهوية دينية أو ثقافية في الأيديولوجيا الصهيونية، إذ إنّ مواقف اليهود من هذه الأيديولوجيا متباينة، ولا يوجد إجماع ديني أو فكري حولها. كما أنّ ربط الغرب بأصل إثني واحد يفضي إلى تصور مضلل، يوحي بأن الحضارة الغربية قائمة على هيمنة إثنية، وهو تعميم غير علمي يتجاهل تعددية مصادر هذه الحضارة.
سادسًا، الغرب ليس كيانًا واحدًا صلبًا، بل بنية معقّدة من الدول والمجتمعات والمؤسسات، تتصارع داخلها رؤى ومصالح مختلفة. وما يُقدَّم أحيانًا كسردية موحّدة ليس إلا تعبيرًا مؤقتًا عن توازن مصالح، سرعان ما يتصدّع تحت ضغط الواقع.
ختاما، لم يثبت 7 أكتوبر أن الغرب تحكمه هوية واحدة، بل كشف العكس:
كشف أن ما يبدو تماسكًا هو في حقيقته توازن مصالح، وأن ما يُقدَّم كسردية موحّدة هو في الواقع ساحة صراع مفتوحة داخل الغرب نفسه تتجلى في الاحتجاجات، والانقسامات السياسية، والضغوط الشعبية، وإعادة تقييم المصالح الاستراتيجية، خصوصًا ما يتعلق بأمن الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كاتبة لبنانية

أحدث الأخبار