إسبانيا/سما- ينتظر ملايين الأوروبيين اليوم مشهدًا فلكيًا نادرًا: كسوف كلي للشمس يحجب نورها تمامًا ويخيّم الظلام على نهار واضح. وهذا الحدث هو الأول من نوعه الذي تشهده القارة الأوروبية منذ عام 2006، مما يجعله لحظة استثنائية يترقبها هواة الفلك والعلماء على حد سواء.
يبدأ مسار الظل الناجم عن تقدّم القمر أمام الشمس من أقصى شمال روسيا في المناطق القطبية النائية، حيث يظهر قرابة الساعة 17:00 بتوقيت غرينتش، ثم ينطلق عبر غرينلاند وآيسلندا. بعد ذلك ينحدر الكسوف الكلي نحو إسبانيا، التي تمثل أفضل موقع لمتابعة الظاهرة، حيث يعبر الظل البلاد قطريًا من الساحل الأطلسي الشمالي إلى البحر المتوسط، قبل أن يتلاشى قرابة الساعة 18:30 بتوقيت غرينتش.
وبينما يقتصر الكسوف الكلي على مسار محدد، فإن معظم أنحاء أوروبا وكندا وشمال الولايات المتحدة وشمال غرب إفريقيا ستشهد كسوفًا جزئيًا للشمس. وسيحرص هواة المراقبة الفلكية على البحث عن مواقع توفر رؤية واضحة للشمس عند الغروب، متمنين تبدّد السحب أو الدخان التي قد تعيق المشاهدة.
ويعود افتتان الإنسان بظاهرة الكسوف إلى قرون بعيدة، حيث فسّر البعض عبر التاريخ هذا الظلام المفاجئ في وضح النهار بأنه نذير شؤم أو تجلٍّ كوني أو دليل على قوة الآلهة. أما في العصر الحديث، فيسعى محبو الظواهر الفلكية إلى عيش هذا الحدث الاستثنائي عندما يتحول النهار لفترة وجيزة إلى شفق، وتقع الحيوانات في صمت وترقب بينما يمرّ القمر بين الأرض والشمس مباشرة.
وتعيش إسبانيا حالة من "حمّى الكسوف" في أيام الانتظار هذه، إذ توقعت وكالة الأرصاد الجوية الإسبانية سماءً صافية في معظم أنحاء البلاد، باستثناء بعض المناطق في الشمال والشرق. وتعوّل الحكومة على الجاذبية الاقتصادية للحدث لتحقيق دفعة قوية للاقتصاد، خاصة في المناطق الريفية الشمالية التي تعاني من تراجع أعداد السكان.
وتوقّعت وزارة الاقتصاد الإسبانية أن يحقّق الكسوف مساهمة صافية في الاقتصاد تبلغ 347 مليون يورو (حوالي 400 مليون دولار)، مع استقطاب أكثر من 446 ألف سائح إضافي إلى المناطق الواقعة على مسار الحدث. ووصفت وزيرة العلوم الإسبانية ديانا مورانت الحدث بقولها لإذاعة "آر إن إي" العامة: "إنه أشبه بعيد ميلاد لا يأتي إلا مرة كل مئة عام".
وعالمة الفلك البريطانية لوسي غرين، التي تعرّف نفسها بأنها "مطاردة للكسوفات"، استعدّت لمتابعة الظاهرة من على متن قارب قبالة جزيرة مايوركا الإسبانية. وأكدت لوكالة فرانس برس أهمية الحدث قائلة: "الناس يُصبحون مدمنين على هذا الحدث لأنه تجربة مؤثرة للغاية".
من جانبها، ستستفيد المجتمعات العلمية من هذه الظاهرة النادرة لدراسة الغلاف الجوي للشمس وطبقتها الخارجية، في سياق جهودها لفهم أسرار الرياح الشمسية والمجال المغناطيسي للنجم الأقرب إلى الأرض. وتمثّل هذه اللحظة فرصة ذهبية للباحثين لجمع بيانات قيّمة عن الشمس وخصائصها.
اقرأ أيضًا:
