قصر ترنت بارك.. سجن فخم خدع فيه ضباط نازيون فأفشوا أسرارًا غيّرت الحرب

قصر ترنت بارك.. سجن فخم خدع فيه ضباط نازيون فأفشوا أسرارًا غيّرت الحرب

2026 Aug,14

لندن/سما- بعد افتتاحه متحفًا للجمهور مؤخرًا، كشف قصر ترنت بارك الفخم شمال لندن سرًا استخباراتيًا بريطانيًا أساسيًا في الحرب العالمية الثانية؛ إذ استُخدم كمركز تنصت على الضباط الألمان البارزين المحتجزين فيه، الذين أفشوا معلومات حساسة ظنًا منهم أنهم في بيئة آمنة.

استولت الحكومة البريطانية على القصر بعد اندلاع الحرب في سبتمبر/أيلول 1939، واختاره توماس كندريك، أحد كبار مسؤولي الاستخبارات البريطانية، مقرًا لمركز الخدمات المشتركة للاستجواب التفصيلي. ورّث السياسي والجامع الفني السير فيليب ساسون القصر عام 1912، وأعاد تصميمه بأسلوب جورجي جديد أنيق قبل وفاته عام 1939.

جهّزت الاستخبارات البريطانية القصر بشبكة تنصت محكمة؛ فأخفت ميكروفونات في أحواض النباتات والتركيبات الإضاءية وطاولات البلياردو وحتى الأشجار، وربطتها بأسلاك مخفية خلف الجدران وتحت ألواح الأرضية، تصلها بغرف التنصت في القبو المعروفة بـ "غرف إم".

كان الضباط الألمان، معظمهم من الطبقة العليا والأرستقراطية، يسكنون الطوابق العليا الفخمة وينعمون بخدمات فاخرة منها خادم عسكري خاص لكل جنرال، ومكتبة، ودروس لغة إنجليزية، بل ورحلات إلى المدينة أحيانًا. شعورهم بالاستحقاق وثقتهم بأمان المكان جعلهم فريسة سهلة لخطة التنصت البريطانية.

كُلّف الضابط البريطاني الشاب دور اللورد الاسكتلندي المزيف "أبيرفيلدي" بزيارة الأسرى واستدراجهم للحديث عن أسرارهم، بينما كان متنصّتون في الطابق السفلي يسجلون كل كلمة. رغم تحذير الضباط الألمان مسبقًا من احتمال التنصت عليهم، إلا أنهم اعتقدوا بغرور أن ذلك لا يحدث في قصر ترنت بارك.

مع تقدم الحرب، اكتشفت الاستخبارات البريطانية أن متنصّتيها البريطانيين يجدون صعوبة في التقاط المصطلحات المتخصصة والعبارات العامية الألمانية، فجنّدت لاجئين يهود يتحدثون الألمانية من ألمانيا والنمسا وتشيكوسلوفاكيا. كان إرنست ليدرير، جد الممثلة هيلين ليدرير، أحد هؤلاء المجندين، وقد فرّ من تشيكوسلوفاكيا عام 1939 وعمل في ترنت بارك حتى وفاته.

نجم عن التنصت على المحادثات اكتشافات استخباراتية حاسمة غيّرت مسار الحرب. في عام 1941، كشفت محادثة مسجلة عن نظام ملاحة ألماني يُدعى "الساق المعوجة" يتيح للقاذفات الليلية استهداف مصانع الذخائر البريطانية بدقة، فتمكّن محللو الشفرات البريطانيون من تزويد الاستخبارات الجوية بمعلومات لتشويش الإشارات.

الأهم من ذلك، أفضى التنصت إلى كشف برنامج ألمانيا السري للأسلحة "في"؛ بما يتضمنه من تطوير "أسلحة انتقامية" موجهة ضد مدن الحلفاء. كشفت محادثات مسجلة عن صاروخ يصل مداه إلى 15 كيلومترًا وآخر "في2"، أول صاروخ باليستي بعيد المدى في العالم بمدى 300 كيلومتر.

بفضل هذه المعلومات، قصفت بريطانيا المنشأة البحثية الرئيسية للصواريخ الألمانية في بينيمونده على ساحل بحر البلطيق في أغسطس/آب 1943. تأخّر إطلاق صواريخ "في1" على لندن حتى 13 يونيو/حزيران 1944، بعد أسبوع من عمليات إنزال يوم النصر؛ فلو أُطلقت قبل ذلك، ربما لم تتم عمليات النورماندي. لم يسقط أول صاروخ "في2" على لندن إلا في 8 سبتمبر/أيلول 1944.

حصل فريق ترنت بارك أيضًا على معلومات عن حجم الفظائع التي ارتكبها نظام هتلر، وهي معلومات لم تكن معروفة على نطاق واسع آنذاك. سمع بعض المتنصّتين اليهود، منهم إريك مارك الذي قُتل والداه بالغاز في معسكر تريبلينكا عام 1943، الألمان يتباهون بجرائمهم مباشرة.

لم تُستخدم هذه المعلومات الاستخباراتية عن الفظائع في محاكمات جرائم الحرب؛ إذ كان استخدامها سيكشف عن طرق الحصول عليها، وكانت الحكومة البريطانية قلقة آنذاك من التهديد الروسي الوشيك وحروب باردة محتملة. ظلّ القصر موقعًا للتنصت حتى أُغلق في نوفمبر/تشرين الثاني 1945.

أحدث الأخبار