مدار نيوز \
في الحروب الكبرى تتساقط الكثير من الشعارات، وتبقى الوقائع وحدها القادرة على الحكم على أداء المؤسسات والأفراد. وفي قطاع غزة، حيث تعرضت البنية التحتية والاقتصاد والمؤسسات المدنية لأكبر عملية تدمير شهدها القطاع في تاريخه الحديث، برز سؤال جوهري: من بقي إلى جانب الناس عندما انهارت معظم مقومات الحياة؟
من بين المؤسسات التي وجدت نفسها في قلب هذه المعركة اليومية كان بنك فلسطين، أكبر بنك عامل في قطاع غزة، والذي واصل تقديم خدماته المصرفية والمالية منذ الأيام الأولى للحرب، رغم القصف المباشر الذي طال فروعه ومرافقه، ورغم المخاطر التي أحاطت بموظفيه والعاملين فيه.
فبينما توقفت قطاعات كاملة عن العمل، وتضررت المؤسسات الاقتصادية والخدماتية، استمر البنك في تشغيل خدماته الأساسية، وتطوير أدواته الرقمية، بما مكّن المواطنين من الوصول إلى أموالهم، واستلام رواتبهم، وتنفيذ التحويلات المالية، وشراء احتياجاتهم الأساسية في ظروف استثنائية وغير مسبوقة.
العمل تحت النار
لم تكن المهمة سهلة. فقد واجه القطاع المصرفي في غزة تحديات غير مسبوقة تمثلت في تضرر البنية التحتية، وانقطاع الاتصالات والكهرباء، وتراجع حركة النقد، إضافة إلى فقدان كميات من السيولة النقدية والصناديق الآمنة نتيجة التدمير والسرقات التي طالت بعض المنشآت المصرفية خلال الحرب.
ورغم ذلك، حافظ بنك فلسطين على استمرارية العمل عبر توسيع نطاق الخدمات الإلكترونية والرقمية، وتعزيز حلول الدفع الإلكتروني، بما ساهم في إبقاء جزء من الدورة الاقتصادية قائماً، وساعد المؤسسات الدولية والإغاثية على تنفيذ برامجها وتحويلاتها المالية داخل القطاع.
وفي الوقت الذي كانت فيه المؤسسات الإنسانية الدولية تبحث عن قنوات آمنة وموثوقة لتنفيذ برامجها الإغاثية، ظل البنك أحد أهم الشرايين المالية التي ساعدت على استمرار تدفق المساعدات والخدمات الأساسية للمواطنين.
ثمن العطاء
لم يكن استمرار العمل مجرد قرار إداري أو اقتصادي، بل دفع البنك ثمناً بشرياً باهظاً خلال الحرب. فقد خسر عدداً من موظفيه الذين استشهدوا خلال فترة العدوان، بينما واصل زملاؤهم أداء واجباتهم المهنية في ظروف أمنية ومعيشية قاسية، ليصبح العمل المصرفي بالنسبة لهم جزءاً من معركة الصمود اليومية التي يخوضها سكان القطاع.
وفي غزة، حيث أصبحت أبسط الخدمات تحدياً يومياً، تحولت المحافظة على الخدمة المصرفية إلى جزء من منظومة الصمود المجتمعي والاقتصادي.
الإغاثة والتنمية
لم يقتصر دور البنك على الجانب المصرفي فقط، بل امتد إلى الجانب الإنساني والاجتماعي.
فخلال السنوات الثلاث الأخيرة، قدم بنك فلسطين عشرات المبادرات والبرامج الإغاثية والإنسانية لدعم الأسر المتضررة من الحرب، شملت المساعدات الغذائية، والوجبات الساخنة، والملابس الشتوية، والدعم النفسي والاجتماعي للأطفال والنساء، إضافة إلى المساعدات الإنسانية الطارئة للأسر الأكثر احتياجاً.
وتشير المعطيات المعلنة إلى أن قيمة مساهمات البنك وبرامجه الإنسانية خلال هذه الفترة تجاوزت 15 مليون دولار، في إطار مسؤوليته الاجتماعية واستجابته للاحتياجات المتزايدة التي فرضتها الحرب والأوضاع الإنسانية المتدهورة في قطاع غزة.
إطلاق مبادرة “نور” لرعاية الأطفال الأيتام
ومن أبرز المبادرات التي أطلقها بنك فلسطين خلال الحرب كانت برنامج “نور” لرعاية أيتام غزة، والذي أُسس بالشراكة بين مجموعة بنك فلسطين ومؤسسة التعاون، بهدف توفير رعاية شاملة للأطفال الذين فقدوا ذويهم خلال الحرب. ويستهدف البرنامج نحو 20 ألف طفل يتيم، من خلال منظومة متكاملة تشمل التعليم والرعاية الصحية والدعم النفسي والاجتماعي والحماية الاجتماعية، وصولاً إلى مرحلة الاعتماد على الذات عند بلوغ سن الرشد.
ووفق المعلومات المعلنة، التزمت مجموعة بنك فلسطين بتقديم مساهمة سنوية بقيمة مليوني دولار لدعم البرنامج، فيما يسعى المشروع على المدى الطويل إلى توفير رعاية مستدامة للأيتام حتى سن الثامنة عشرة ضمن برنامج يمتد لسنوات طويلة.
بين البيانات والواقع
وفي المقابل، شهدت الأشهر الأخيرة تصاعد حملات الاتهام والتشكيك التي استهدفت مؤسسات وطنية تعمل داخل القطاع، في الوقت الذي كانت فيه تلك المؤسسات تواجه تحديات يومية على الأرض.
المفارقة أن بعض الجهات التي تبنت خطاباً نقدياً حاداً من خارج غزة، أعلنت لاحقاً تقليص أو إغلاق عملياتها الميدانية داخل القطاع، بينما استمرت مؤسسات وطنية أخرى، رغم الخسائر والمخاطر، في تقديم خدماتها بشكل يومي للمواطنين.
وهنا تبرز المفارقة التي لا تحتاج إلى كثير من الجدل ففي أوقات الأزمات الكبرى لا تُقاس المواقف بعدد البيانات المنشورة، بل بمدى القدرة على البقاء والعمل وخدمة الناس عندما تصبح الظروف مستحيلة.
الدرس الذي تكشفه غزة
تكشف تجربة الحرب على غزة حقيقة بسيطة لكنها عميقة بأن المؤسسات تُختبر في الميدان لا في الخطابات. فالذين بقوا بين الناس، وواصلوا تقديم الخدمات، ودفعوا أثماناً بشرية ومادية للحفاظ على الحد الأدنى من الحياة، هم من يملكون الحق في الحديث عن المسؤولية والالتزام. وبينما كان البنك يمارس أعماله تحت الضغوط، وضمن منظومة مصرفية دولية تتضمن قيوداً كبيرة لامتثاله لها، ويبذل جهوداً لإغاثة الناس مع موظفيه خلال الحرب، كان من يوجهون الانتقادات يصدرون البيانات من عواصم أوروبية ويكيلون الاتهامات وينشرون الشائعات والبيانات المضللة. لقد أثبتت غزة مرة أخرى قدرتها على الصمود بالصالح من اهلها، والجريء من مؤسساتها.
كان الاجدر بمن يطلقون الاتهامات على مؤسسات تخدم الناس تحت القصف، أن يبتعد عن الضباب قليلاً ليرى الصورة كاملة، لا أن يهاجم من خلف جدار صفحات أطلقها بأسماء متعددة إثارة للفتنة في أرض لا زالت تئن تحت وطأة القهر والظلم.
