ثمة ما هو أكثر قسوة من الموت نفسه: أن يصبح الموت عادياً. في غزة ما زال الناس يُقتلون، وما زالت البيوت تُقصف، وما زالت العائلات تفقد أبناءها، وما زال الأطفال ينامون ولا يعرفون إن كان سيستيقظوا، وأمهاتنا تنتظر خبراً تخشى أن يأتي، وأباءنا يبحثون بين الأسماء والصور عمن تبقى من عائلتهم. فمشهد الموت لم يتوقف، لكن شيئاً آخر تغير خارج غزة: لم يعد المشهد يهز العالم كما كان.
في البدايات، كانت صورة واحدة قادرة على أن تثير عاصفة من الغضب. كان سقوط عشرات الضحايا خبراً عاجلاً، وكانت المجازر تستدعي بيانات ومواقف ومظاهرات وأسئلة. أما اليوم، فتمر أعداد القتلى على الشريط الإخباري كما تمر أخبار الطقس والأسواق والرياضة. عشرون هنا، وثلاثون هناك، وعائلة كاملة في مكان آخر، ثم ينتقل المذيع إلى الخبر التالي. وكأن المأساة حين تطول تفقد قدرتها على إيلام الآخرين. وهنا تكمن واحدة من أكثر مآسي غزة قسوة: ليست فقط في استمرار الموت، بل في اعتياد العالم عليه.
لقد حدث شيء خطير في علاقتنا بالمشهد. كثرة الصور لم تعد تنتج مزيداً من الغضب، بل أنتجت شيئاً من التبلد. تكرار الموت لم يضاعف الصدمة، بل استهلكها. والمشهد الذي كان مستحيلاً في بدايته أصبح جزءاً من يوميات الأخبار. وهذه ليست إدانة للإنسان العادي وحده. فالإنسان يمتلك قدرة محدودة على احتمال الألم المستمر، وقد يدفعه العجز أمام مأساة لا تنتهي إلى الانسحاب النفسي منها. لكن المشكلة تصبح سياسية وأخلاقية عندما ينتقل هذا الاعتياد من الأفراد إلى الحكومات والمؤسسات والإعلام، وحين يصبح استمرار سقوط الضحايا أمراً يمكن للنظام الدولي أن يتعايش معه.
هنا يصبح السؤال أكثر قسوة: متى أصبح الفلسطيني قابلاً لهذا القدر من الموت دون أن يتوقف العالم؟ ليس المقصود أن العالم لم يرَ. لقد رأى أكثر مما ينبغي لكي يعرف. الصور وصلت، والأسماء نُشرت، والتقارير كُتبت، والشهادات قُدمت، والمشاهد دخلت ملايين البيوت. لم تعد المشكلة نقصاً في المعلومات، بل ما الذي يحدث للضمير عندما يعرف كل هذا ثم يواصل حياته كأن شيئاً لم يكن؟ ربما نجحت الحرب الطويلة في إنتاج أخطر أشكال التطبيع: تطبيعنا مع الموت ذاته. فحين يُقتل الإنسان مرة، تكون المأساة في فقدانه. أما حين يتحول موته إلى رقم، فإنه يُقتل مرة ثانية؛ يُقتل اسمه، وحكايته، ووجهه، والأشياء الصغيرة التي كان يحبها، والمستقبل الذي كان ينتظره.
نقول: سقط اليوم عشرات الشهداء. لكن من هم؟ كان بينهم من ينتظر التخرج، ومن كان يعد ابنه بأنه سيعود، ومن كانت تحلم ببيت جديد، ومن حفظ موعد دوائه، ومن كان يحب القهوة صباحاً، ومن تشاجر مع أخيه ثم لم يجد الوقت ليصالحه، ومن كان لديه موعد وحلم وخوف وحياة كاملة. ومن كان احضر آلعاب أطفاله للمرة الأخيرة. كل رقم في نشرة الأخبار كان عالماً. لكن الأرقام لا تبكي.الأرقام لا تخبرنا أن طفلاً كان له سرير ولعبة وصديق، وأن أماً كانت ترتب ثياب أبنائها، وأن رجلاً كان يفكر في الغد قبل أن يأتي الصاروخ ويلغي الغد كله.
وحين نختزل كل هؤلاء في حصيلة يومية، نفقد شيئاً أساسياً في فهم المأساة: نحن لا نتحدث عن أعداد تتناقص، بل عن حيوات كانت موجودة ثم لم تعد. ولعل الأخطر أن الاعتياد لا يصيب المتلقي البعيد فقط. حتى نحن أصبحنا نخشى على أنفسنا من هذا التبلد. نفتح الهاتف، نرى صور القتلى، نحزن للحظات، ثم ننتقل إلى رسالة أخرى أو خبر آخر أو تفاصيل حياتنا اليومية. ليس لأننا أقل إنسانية، بل ربما لأن القلب نفسه أنهكته كل هذه الخسارات.
لكن غزة لا تستطيع أن تنتقل إلى الخبر التالي. العالم يستطيع أن يغلق الشاشة، أما أهل غزة فيبقون داخلها. وهذه ربما هي المسافة الأكثر ظلماً في الحكاية كلها: بالنسبة إلى العالم، غزة خبر طويل؛ وبالنسبة إلى أهلها، هي الحياة كلها. ومع مرور الوقت، تراجعت حتى اللغة التي كانت ترافق المأساة. خفتت الإدانات، وتراجعت المظاهرات، وانشغلت العواصم بأزماتها وانتخاباتها وحروبها ومصالحها. وما كان يُقدَّم باعتباره حالة استثنائية أصبح بنداً معتاداً في جدول الأخبار الدولية. وهنا لا يكون الصمت مجرد غياب للكلمات. الصمت الطويل أمام الموت يمنحه مساحة للاستمرار. فالمأساة التي لا تثير كلفة سياسية على من يصنعها تصبح أسهل في التكرار، والضحايا الذين لا يعود موتهم يثير غضباً يتحولون، في حسابات القوة، إلى خسائر يمكن للعالم احتمالها. وهذا هو السؤال الذي يجب أن يقلقنا جميعاً: ماذا يعني أن يصل العالم إلى مرحلة يستطيع فيها مشاهدة كل هذا ولا يتغير شيء؟ ربما لا تكمن أزمة غزة اليوم فقط في عجز العالم عن وقف الحرب، بل في أن العالم تعلم كيف يعيش معها. تعلم أن يرى الجنازات ثم يذهب إلى أعماله. أن يشاهد الأطفال تحت الركام ثم ينتقل إلى خبر آخر. أن يسمع عدد الضحايا دون أن يسأل عن أسمائهم. وأن يضع المأساة في خانة النزاعات المزمنة التي تستمر لأنها استمرت طويلاً.
وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مأساة إنسانية: أن تفقد قدرتها على إزعاج العالم. لذلك ربما لم تعد معركة غزة فقط من أجل البقاء، بل أيضاً من أجل استعادة إنسانية ضحاياها من الأرقام. أن نقول إن الذي مات لم يكن واحداً من 75 ألفاً، بل كان إنساناً واحداً لا يتكرر. وإن الطفل الذي رحل لم يكن جزءاً من إحصائية، بل حياة كاملة كان ينبغي أن تُعاش.
نحتاج أن نعيد للضحايا أسماءهم، وللصور معناها، وللموت ثقله الأخلاقي. لأن أخطر انتصار يمكن أن يحققه العنف ليس فقط أن يقتل الإنسان، بل أن يجعل موته عادياً. وغزة اليوم لا تسأل العالم فقط: لماذا لم توقفوا موتنا؟ ربما تسأله سؤالاً أشد مرارة: متى اعتدتم موتنا إلى هذا الحد؟ في غزة ما زال الموت مستمراً، لكن العالم لم يعد يقف طويلاً أمامه. شهيد جديد، عائلة جديدة، بيت جديد، رقم جديد على الشريط الإخباري... ثم تستمر الحياة. تستمر في كل مكان تقريباً. إلا هناك. في غزة، حيث لم تصبح الإبادة أقل قسوة، بل أصبح العالم أقل إحساساً بها.
