غزة / PNN / فداء القدرة لم يخطر ببال بدرية سعيد، 37 عاماً، حتى في أسوأ كوابيسها، أنها ستفقد حلماً انتظرته لسنوات بسبب نفاد بطارية هاتفها.
كانت بدرية تنتظر اللحظة التي تتمكن فيها من مغادرة غزة مع أطفالها الأربعة والالتحاق بزوجها، الذي غادر إلى أوروبا قبل خمس سنوات بحثاً عن مستقبل أفضل لعائلته. وبعد نحو عامين من الحرب، بدا أن ذلك اليوم أصبح أخيراً قريباً.
تم ترتيب رحلة سفر، وبدأت بدرية الاستعداد للمغادرة.
لكن في يوم الرحلة، نفدت بطارية هاتفها.
توجهت إلى نقطة لشحن الهاتف. وأثناء إغلاق هاتفها، حاول عدد من الأشخاص الاتصال بها لإبلاغها بالتعليمات المتعلقة بالمكان الذي يتعين عليها التوجه إليه، لكنها لم تتمكن من الرد.
وبحلول الوقت الذي علمت فيه بما حدث، كانت الرحلة قد غادرت بالفعل.
وقالت بدرية: "ظللت أفكر في اللحظة التي سأجتمع فيها أخيراً مع أطفالي وزوجي، ونغادر غزة إلى مكان أكثر أماناً واستقراراً، بعيداً عن الخوف والمعاناة التي نعيشها هنا".
وأضافت: "لم أتخيل أبداً أنني سأفقد تلك اللحظة لمجرد أن بطارية هاتفي نفدت. كانت أكبر صدمة بالنسبة لي. كدت أفقد صوابي".
ولا تزال بدرية في غزة مع أطفالها، بانتظار فرصة أخرى للمغادرة.
وتشكل تجربتها مثالاً على الكيفية التي تمتد بها أزمة الكهرباء إلى ما هو أبعد من مجرد العيش في الظلام. ففي غزة، يؤثر انقطاع الكهرباء وعدم انتظامها وارتفاع تكلفتها بشكل مباشر على قدرة الناس على العمل وحفظ الأغذية والدراسة.
يدير أحمد المفتي، 50 عاماً، محلاً لبيع المثلجات وغيرها من المنتجات المجمدة. ويعمل معه ابناه المتزوجان وشقيقان له، فيما يوفر دخل المحل مصدر رزق لخمس عائلات.
ويعتمد المحل على الكهرباء التي يوفرها مولد كهربائي خاص.
ووجد تقرير صادر عام 2025 عن غرفة تجارة وصناعة غزة أن تكلفة الكهرباء التي توفرها المولدات المحلية تراوحت بين 30 و35 شيكلاً لكل كيلوواط/ساعة، مقارنة بنحو 4 شواكل قبل الحرب. وأرجع التقرير ارتفاع التكلفة إلى ارتفاع أسعار الديزل ومحدودية توفره، إلى جانب نقص قطع الغيار والزيوت اللازمة للصيانة.
ويدفع أحمد نحو 30 شيكلاً مقابل كل كيلوواط/ساعة يستهلكها.
لكن حتى عندما يستطيع تحمل تكلفة الكهرباء، فإن الحصول عليها ليس مضموناً.
فقد تعطل المولد الذي يزود محله بالكهرباء، وبقي خارج الخدمة لنحو أسبوع، ما اضطره إلى إغلاق المحل.
وقال أحمد: "كنت سعيداً بعملي. لم يكن مجرد مصدر دخل بالنسبة لي، بل كان مصدراً للسعادة".
وأضاف: "كنت أقدم المثلجات للناس بفرح كبير. كنت أسعد عندما أرى الأطفال يتناولون المثلجات التي نصنعها. كان لدي كثير من الزبائن الذين يحبون منتجاتنا".
وتابع: "لقد فقدت كل تلك السعادة التي كنت أصنعها لنفسي وللآخرين، كما فقدت مصدر دخلي".
وبالنسبة إلى المحال التي تبيع الأغذية المجمدة، تخلق الكهرباء غير المستقرة خطراً إضافياً، إذ يمكن أن تفسد المنتجات سريعاً.
يبيع خالد عابدين اللحوم والأسماك المجمدة. وعندما تنقطع الكهرباء، يجد نفسه في سباق مع الوقت لبيع مخزونه قبل أن يذوب.
وقال خالد: "أقضي يومي قلقاً، وأحاول بيع أكبر كمية ممكنة من الأغذية المجمدة بأسرع وقت قبل أن يذوب الثلج".
وأضاف: "إذا حدث ذلك، أضطر أحياناً إلى بيعها بنصف السعر، بخسارة، حتى لا تفسد".
وبالنسبة لخالد، غيّر نقص الكهرباء طريقة إدارة عمله. فلم يعد يفكر فقط في الزبائن والمبيعات، بل أصبح عليه أيضاً أن يحسب الوقت المتبقي قبل أن تفقد منتجاته قيمتها.
أما بالنسبة لمهند أبو سَل، 28 عاماً، فالمشكلة أكثر ارتباطاً بدخله اليومي.
مهند حلاق تعلم المهنة من عائلته. ولديه طفل صغير، ويعتمد على دخله اليومي لتلبية الاحتياجات الأساسية لأسرته.
وعندما يتوقف المولد الذي يزود محله بالكهرباء، يتوقف دخله معه.
وقال مهند: "قد يأتي زبون إلى المحل وأتمكن من العمل، أو قد يأتي ويغادر. دخلي اليومي يعتمد على توفر الكهرباء".
وبالنسبة لشهد صابر، وهي طالبة في كلية الطب، أصبحت الكهرباء تكلفة إضافية لمواصلة تعليمها.
تحتاج شهد إلى الكهرباء والإنترنت لحضور المحاضرات الجامعية عبر الإنترنت. وعندما لا تتمكن من الدراسة في المنزل، تتوجه إلى أماكن توفر الكهرباء وخدمة الإنترنت للطلاب والأشخاص الذين يعملون عبر الإنترنت.
وتدفع خمسة شواكل مقابل كل ساعة. ويعني الدراسة لمدة ساعتين أو ثلاث ساعات يومياً إنفاق ما بين 10 و15 شيكلاً لمجرد حضور محاضراتها.
وقالت شهد: "أصبح الذهاب إلى مكان للدراسة والعمل في ظل هذه الظروف الصعبة تكلفة إضافية وعبئاً مالياً".
ويأتي الاعتماد على المولدات في إطار أزمة طاقة أوسع نطاقاً.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، لا تزال غزة من دون كهرباء منتظمة من شبكة الكهرباء منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، ما جعل الخدمات الأساسية تعتمد بشكل كبير على المولدات وإمدادات الوقود. وقد أثرت أزمة الوقود على المستشفيات والمخابز ومنشآت المياه والصرف الصحي.
وفي 10 سبتمبر/أيلول، أفادت وكالة رويترز بأن غزة لا تزال تعتمد بشكل كبير على المولدات، في وقت تجعل فيه أزمات نقص زيوت المحركات وقطع الغيار والوقود تشغيلها أكثر صعوبة. وتمتد آثار النقص إلى المستشفيات والمنازل والحياة اليومية.
وتستخدم بعض البدائل للتخفيف من الأزمة. ففي يوليو/تموز، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بتوزيع مصابيح تعمل بالطاقة الشمسية على 7,200 أسرة في 26 موقعاً للنازحين في غزة.
لكن المصباح يمكن أن يوفر الضوء من دون أن يحل كل المشكلات التي يسببها انقطاع الكهرباء.
فهو لا يستطيع منع الأغذية المجمدة من التلف، أو تشغيل معدات الحلاق، أو توفير الإنترنت اللازم لحضور محاضرة عبر الإنترنت، أو إبقاء الهاتف مشحوناً لاستقبال مكالمة عاجلة.
بالنسبة لبدرية، كانت النتيجة رحلة فاتتها وفرصة أخرى مؤجلة للقاء زوجها.
وبالنسبة لأحمد، كان الثمن أسبوعاً كاملاً من دون عمل.
أما خالد، فيعيش يومياً خطر خسارة مخزونه.
وبالنسبة لمهند، قد يعني توقف المولد يوماً بلا دخل.
أما شهد، فأصبحت الكهرباء تكلفة إضافية يتعين عليها دفعها لمجرد مواصلة تعليمها.
في غزة، لم تعد الكهرباء مجرد مسألة تتعلق بما إذا كان المصباح سيضيء أم لا.
فقد تحدد ما إذا كان متجر سيفتح أبوابه، وما إذا كان الطعام سيبقى مجمداً، وما إذا كان طالب سيتمكن من حضور محاضرته، أو ما إذا كان هاتف سيتلقى المكالمة التي قد تحدد ما سيحدث بعد ذلك.
قد تعود الكهرباء بعد انقطاعها.
لكن الفرصة التي تضيع خلال تلك الساعات قد لا تعود.
وبالنسبة لبدرية، كانت تلك الفرصة رحلة إلى خارج غزة.
ولا تزال تنتظر فرصة أخرى




