في زمن الأزمات... لماذا نخطئ في قراءة الأحداث؟ جمال خالد الفاضي

في زمن الأزمات... لماذا نخطئ في قراءة الأحداث؟ جمال خالد الفاضي

المقال الثالث من سلسلة كيف نفكر سياسيًا؟؛ وهي سلسلة تحاول، في زمن الأزمات، أن تعيد التفكير في الطريقة التي نقرأ بها السياسة، ونبني بها مواقفنا وأحكامنا.

ليس الخطأ في قراءة الأحداث دليلًا دائمًا على نقص المعرفة. فكثيرًا ما نملك الوقائع نفسها، ونقرأ الأخبار نفسها، ونستمع إلى التحليلات نفسها، ثم نصل إلى نتائج خاطئة. المشكلة، في أحيان كثيرة، ليست في نقص المعلومات، بل في الطريقة التي نرتب بها هذه المعلومات، وفي السؤال الذي نبدأ منه، وفي السياق الذي نضع الحدث داخله. فالحدث السياسي لا يولد من فراغ. هو عادة نتيجة لسلسلة طويلة من القرارات، والمصالح، والتوازنات، والمخاوف، والفرص، والقيود. لكننا، تحت ضغط اللحظة، نميل إلى التعامل معه كأنه بدأ اليوم. نقرأ نهايته وننسى مقدماته، ونناقش نتائجه دون أن نفهم المسار الذي أوصل إليها.

وهنا يقع الخطأ الأول: قراءة الحدث معزولًا عن سياقه. فالحرب لا تبدأ يوم إطلاق الرصاصة الأولى، والأزمة لا تبدأ لحظة إعلانها، والقرار السياسي لا يُفهم فقط من نصه، بل من البيئة التي دفعته إلى الظهور. ومن يقرأ السياسة من نقطة واحدة في الزمن، غالبًا ما يرى جزءًا من الصورة ويظنه الصورة كلها.

أما الخطأ الثاني، فهو الخلط بين ما نعرفه وما نفترضه. ففي الأزمات، تظهر معلومات كثيرة غير مكتملة، وتسري الشائعات، وتتسع مساحة التوقعات. ومع ذلك، سرعان ما تتحول بعض الافتراضات إلى حقائق في وعينا لمجرد أنها تكررت كثيرًا أو لأنها جاءت من مصدر نثق به. وبعد فترة، لا نعود نتذكر أين انتهت المعلومة وأين بدأ الاستنتاج. وهنا يصبح التفكير السياسي أكثر صعوبة؛ لأننا نبني أحكامًا كبيرة على مقدمات لم نتأكد أصلًا من صحتها.

والخطأ الثالث هو القراءة من زاوية طرف واحد. فكل فاعل سياسي يرى الواقع من موقعه، وفق مصالحه وإمكاناته وقيوده. لذلك لا يكفي أن نعرف ماذا يريد طرف ما، بل علينا أن نفهم كيف يرى خصمه المشهد أيضًا. فما يبدو عقلانيًا من جهة، قد يبدو تهديدًا وجوديًا من جهة أخرى. وما نراه نحن فرصة، قد يراه الآخر مخاطرة لا يمكن قبولها. ولهذا، فإن قراءة السياسة تتطلب أحيانًا أن نحاول النظر إلى المشهد بعيون لا نتفق معها. ليس لنبرر موقف الآخر، بل لنفهم منطقه.

أما الخطأ الرابع، فهو الخلط بين النتيجة والنية. فنحن كثيرًا ما نحكم على القرار من خلال ما قال صاحبه إنه يريد تحقيقه، لا من خلال ما حققه فعلًا. لكن السياسة لا تُقاس بالنوايا وحدها. قد تكون النية صادقة والنتيجة كارثية، وقد يكون القرار مبررًا في لحظته لكنه يقود لاحقًا إلى نتائج لم تكن في الحسبان. وهنا تظهر ضرورة الفصل بين سؤالين مختلفين: لماذا اتُخذ القرار؟ وماذا أنتج القرار؟الأول يساعدنا على الفهم، والثاني يسمح لنا بالتقييم. ولا يجوز أن نخلط بينهما.

أما الخطأ الخامس، وربما الأخطر، فهو الاستعجال في إصدار الأحكام. نحن نعيش في زمن لا يمنح الحدث فرصة كي يكتمل قبل أن تبدأ محاكمته. بعد دقائق من أي تطور كبير، تبدأ التفسيرات النهائية: انتصر هذا، انهزم ذاك، انتهى المشروع، تغيرت المنطقة، بدأ عصر جديد. لكن كثيرًا من الأحداث السياسية لا تكشف معناها الحقيقي لحظة وقوعها. فما يبدو انتصارًا اليوم قد يتحول إلى عبء غدًا، وما يبدو خسارة آنية قد ينتج مكاسب بعيدة المدى. ولذلك، فإن أحد أصعب أشكال التفكير السياسي هو مقاومة إغراء الحكم المبكر.

أحيانًا يكون أكثر المواقف عقلانية أن نقول ببساطة: لا نعرف بعد.وهذه العبارة ليست ضعفًا في التحليل، بل قد تكون دليلًا على نضجه. لأن السياسة لا تكافئ دائمًا من يجيب أولًا، بل من يطرح السؤال الصحيح، ويمنح الوقائع وقتًا كافيًا لكي تكشف دلالاتها.

ومن هنا، فإن قراءة الحدث السياسي تحتاج إلى أكثر من متابعة الأخبار. تحتاج إلى سياق، وتمييز بين الحقيقة والافتراض، ومحاولة لفهم منطق الأطراف المختلفة، وفصل بين النيات والنتائج، وقدرة على تأجيل الحكم عندما لا تكون الصورة مكتملة. ولعل المشكلة أن هذه المهارات تصبح أصعب تحديدًا في لحظات الأزمات، أي في اللحظة التي نحتاج إليها فيها أكثر من أي وقت آخر. لهذا، عندما يقع الحدث القادم، ربما ينبغي ألا نسارع إلى السؤال: من انتصر ومن خسر؟ بل أن نسأل أولًا: ما الذي سبق هذا الحدث؟ ما الذي نعرفه فعلًا؟ وما الذي ما زلنا نفترضه؟ وهل نملك ما يكفي من الصورة لكي نحكم؟

 

أحدث الأخبار