في واحدة من أكثر اللحظات قسوة في التاريخ الفلسطيني المعاصر، تقف حركة فتح أمام اختبار لا يشبه ما سبقه. ليس فقط لأن المشهد الفلسطيني يعيش حالة مأساوية غير مسبوقة، بل لأن الحركة التي قادت المشروع الوطني لعقود تبدو اليوم أمام سؤال وجودي: كيف تستعيد دورها، لا كيف تبرر تراجعه؟ هذا السؤال لا يُطرح من موقع الخصومة، بل من موقع الحرص على حركة لم تكن يومًا مجرد تنظيم سياسي، بل حالة وطنية جامعة، شكّلت وجدان الفلسطينيين، وعبّرت عن طموحهم في الحرية والاستقلال.
المؤتمر العام القادم لا يأتي كاستحقاق تنظيمي عادي، بل كمرآة مكثفة لكل التناقضات التي راكمتها الحركة خلال السنوات الماضية. لحظة تُسائل فيها فتح نفسها قبل أن يُسائلها الآخرون: أين تراجعت؟ ولماذا؟ وكيف يمكن استعادة المبادرة في زمن لم يعد يحتمل الانتظار؟ حيث تلوح في الأفق مخاوف حقيقية من أن يتحول المؤتمر إلى مجرد محطة لإعادة إنتاج الواقع ذاته، بوجوه جديدة وأدوات قديمة.
المشكلة في فتح لم تكن يومًا في قلة الكوادر أو في ضعف حضورهاالتاريخي، فتاريخها حاضر وثقيل، بل في غياب الحسم السياسي. فمنذ سنوات، تعيش الحركة حالة من التعليق بين دورين: حركة تحرر وطني من جهة، وسلطة سياسية محكومة بقيود الواقع من جهة أخرى. هذا التردد لم يُنتج توازنًا، بل شللاً تدريجيًا أفقدها القدرة على المبادرة، وجعلها تبدو وكأنها تدير الأزمة بدل أن تواجهها.
في هذا السياق، يصبح السؤال أكثر حدة: ماذا يمكن أن ينتجه المؤتمر فعليًا؟ الخشية ليست من فشله، بل من أن ينجح شكليًا، وأن يخرج بصورة منظمة، وخطاب مألوف، وترتيبات داخلية محسوبة، دون أن يقترب من جوهر الأزمة. فالقراءة الواقعية تشير إلى احتمال أن تذهب الأمور نحو إعادة تدوير النخبة القيادية، مع إدخال محدود لوجوه جديدة لا تملك القدرة على تغيير قواعد اللعبة. وربما أمام خطاب سياسي يعيد التأكيد على الثوابت دون أن يقدم أدوات جديدة لتحقيقها. وتوسيع شكلي في التمثيل، يقابله استمرار في مركزية القرار. والأخطر من ذلك، غياب أي مساءلة حقيقية للمرحلة السابقة، بما فيها الأداء السياسي خلال واحدة من أخطر الفترات التي مرت بها القضية الفلسطينية، وهذا يعني ان المؤتمر، في هذه الحالة، لن يفعل اكثر من أضافة طبقة جديدة من الترتيب إلى أزمة قديمة، دون أن يمسّها. لكن، ورغم هذا التشخيص القاتم، لا تزال هناك فرصة، وإن كانت ضيقة، لتحول حقيقي، إذا ما توفرت الإرادة.
أول ما تحتاجه فتح اليوم هو استعادة وضوح مشروعها السياسي. لم يعد كافيًا التمسك بخيارات تقليدية دون أدوات واقعية لتنفيذها. المطلوب إما إعادة بناء هذا المشروع على أسس جديدة، أو الاعتراف بالحاجة إلى تصور بديل واضح. فالاستمرار في المنطقة الرمادية لم يعد حيادًا، بل عجزًا.
ثانيًا، لا بد من فك الالتباس بين الحركة والسلطة. فتح التي قادت مشروع التحرر لا يمكن أن تختزل نفسها في إدارة واقع قائم، بل عليها أن تعيد تقديم نفسها كقوة مبادرة، لا مجرد إطار إداري. لذا يشكل موضوع إعادة الاعتبار للحركة كإطار وطني مستقل في قراره، ليست ترفًا تنظيميًا، بل شرطًا لاستعادة دورها.
ثالثًا، التجديد الحقيقي لا يُقاس بتبذل الأسماء أو بعدد الوجوه الجديدة، بل بقدرتها على الفعل والتأثير. وهذا يتطلب آليات ديمقراطية فعلية، تتيح وصول الكفاءة لا الولاء، وتفتح المجال للنقد بدل إقصائه. بدون ذلك، سيبقى كل حديث عن الإصلاح مجرد خطاب.
أما على المستوى الأهم، فإن فتح مطالبة باستعادة علاقتها مع الشارع الفلسطيني. فالحركة التي كانت يومًا قريبة من تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين، مطالبة اليوم بأن تعود إلى هذا الموقع. ليس عبر الخطاب فقط، بل عبر الحضور، والفعل، والقدرة على ملامسة الواقع كما هو.
في النهاية، لا يقف المؤتمر القادم عند حدود كونه حدثًا داخليًا لحركة سياسية، بل يتجاوز ذلك ليكون مؤشرًا على مستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية برمتها، وفرصة لإعادة طرح السؤال الأهم: أي فتح نريد؟ فتح التي صنعت حضورها من تفاعلها مع شعبها، أم فتح التي أنهكها الانكفاء؟ ولنتذكر جميعاً، ان المؤتمر القادم ليس فرصة للخطابة، أو حدثاً تنظيمياً عابراً، بل لحظة حاسمة بين خيارين: إما إعادة تأسيس حقيقي يعيد لفتح دورها ومكانتها وهذا هو المرجو، أو تثبيت حالة العجز بشكل أكثر تنظيمًا وأناقة . وهنا، لا بد من القول الحكم، في زمن الإبادة، لا تُقاس الحركات بما تقوله، بل بما تجرؤ على تغييره. وفتح اليوم لا تحتاج إلى مؤتمر ناجح شكليًا، بل إلى صدمة داخلية تعيد تعريفها. وما دون ذلك، لن يكون سوى تأجيل لأزمة أكبر قادمة.
