أفادت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، عن انه بعد خمسة أشهر من إخلاء الحي المالي في دبي بسبب تهديد الطائرات الإيرانية المسيرة، عادت المكاتب الشاهقة التي تضم آلاف المصرفيين ومديري الأصول الدوليين إلى الازدحام.
وتبحر المراكب الشراعية التقليدية مجدداً في مياه الخليج الفيروزية لنقل البضائع من موانئ دبي إلى إيران.
وفي مطار دبي، استؤنفت بهدوء أولى الرحلات الجوية الإيرانية منذ الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد طهران، بينما بدأت السلطات الإماراتية بالسماح بعودة نحو 20 ألف إيراني من حاملي الإقامة في الإمارات العربية المتحدة، والذين كانوا خارج البلاد عند اندلاع الحرب.
كل ذلك يُشير إلى سعي الإمارات وإيران لتهدئة التوترات، حتى في ظل استمرار الصراع من حولهما، حيث تسعى الإمارات للعودة إلى شيء من الحياة الطبيعية بعد أكبر أزمة تشهدها منذ استقلالها عام 1971.
وقالت الصحيفة اللندنية، بأن رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان كلّف 3 من إخوته بقيادة تحركات تهدف إلى خفض التصعيد مع إيران، في ظل انتقال أبو ظبي تدريجيًا من مرحلة التوتر الحاد إلى مقاربة أكثر براغماتية تقوم على الحوار وحماية المصالح الاقتصادية والأمنية.
ونقلت الصحيفة عن أشخاص مطّلعين أن المهمة أُسندت إلى نائب رئيس الدولة منصور بن زايد، ووزير الخارجية عبد الله بن زايد، ومستشار الأمن القومي طحنون بن زايد، الذي وصفه التقرير بأنه أحد أبرز الداعمين داخل القيادة الإماراتية لاعتماد نهج عملي في التعامل مع طهران.
وبحسب التقرير، تعمل الشخصيات الثلاث على إدارة قنوات التواصل السياسي والأمني مع الجانب الإيراني، بالتوازي مع تحركات ترمي إلى استعادة النشاط التجاري والرحلات الجوية وتهيئة الظروف أمام تعاون اقتصادي أوسع، في حال تثبيت التهدئة بصورة نهائية وتخفيف العقوبات المفروضة على إيران.
وظهرت إحدى أبرز إشارات هذا المسار خلال الاتصال الهاتفي الذي أجراه منصور بن زايد مع رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، حيث تناول الجانبان التطورات الإقليمية والجهود المبذولة لخفض التصعيد. وشكّل الاتصال خطوة لافتة في ظل التوتر الذي خيّم على العلاقات بين البلدين خلال الحرب.
كما أجرى عبد الله بن زايد اتصالًا مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي، في إطار إعادة فتح قنوات التواصل الدبلوماسي المباشر بين أبو ظبي وطهران، فيما تولّى طحنون بن زايد جانبًا من الاتصالات الأمنية والسياسية المرتبطة بترتيبات المرحلة الجديدة.
ونقلت "فايننشال تايمز" عن مسؤول إماراتي قوله، إن الحرب مثّلت "اختبارًا واقعيًا للجميع"، موضحًا أن أبو ظبي انتقلت من التشدد خلال المرحلة الأولى إلى نهج أكثر مرونة، يقوم على مراجعة القرارات وتعديلها وفق التطورات الميدانية والسياسية.
ويستند التوجه الإماراتي الجديد إلى إدراك متزايد بأن الموقع الجغرافي لدول الخليج يجعلها الأكثر تأثرًا بأي مواجهة طويلة مع إيران، سواء من خلال التهديدات الأمنية أو تعطّل الملاحة في مضيق هرمز أو انعكاس التوتر على حركة الطيران والتجارة والاستثمار.
وفي الجانب الاقتصادي، تحظى العلاقات مع إيران بأهمية خاصة بالنسبة إلى دبي، التي تُعد منذ عقود مركزًا رئيسيًا للتجارة الإيرانية وإعادة تصدير البضائع، إلى جانب وجود جالية إيرانية كبيرة وشبكة واسعة من رجال الأعمال والشركات المرتبطة بالسوق الإيرانية.
وكانت تقارير قد تحدثت في حزيران عن تفاهمات مالية محتملة بين الإمارات وإيران، إلا أن وزارة الخارجية الإماراتية نفت بشكل قاطع الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة أو تحويل مبالغ مالية إلى طهران، مؤكدة أن السياسة الإماراتية تركز على خفض التوتر وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
وبالتوازي مع المسار السياسي، استؤنفت الرحلات الجوية بين إيران والإمارات في 1 تموز، بعد إصدار سلطات الطيران في البلدين التصاريح اللازمة، في خطوة عكست بداية عودة الحركة الطبيعية بين الجانبين بعد مرحلة الاضطراب التي رافقت الحرب.
ويشير التقرير إلى أن الإماراتيين يبدون اهتمامًا باستكشاف فرص استثمارية مستقبلية داخل إيران، ولا سيما في قطاعات الطاقة والموانئ والخدمات اللوجستية، شرط انتهاء المواجهة بصورة نهائية وتوافر بيئة قانونية ومالية تسمح بهذه الاستثمارات.
ولا يعني هذا الانفتاح، بحسب "فايننشال تايمز"، أن أبو ظبي تخلّت عن حذرها الأمني، إذ تواصل تعزيز قدراتها الدفاعية والعمل على حماية منشآت الطاقة والموانئ والبنية التحتية الرقمية، إلى جانب تطوير مراكز البيانات المرتبطة بطموحاتها في مجال الذكاء الاصطناعي.
وتحاول الإمارات، من خلال هذا المسار، تحقيق توازن بين حماية شراكاتها الأمنية والدولية من جهة، ومنع تحول التوتر مع إيران إلى تهديد دائم لاستقرارها الاقتصادي من جهة أخرى، في منطقة لا تزال تقف بين هدنة هشة واحتمال تجدّد المواجهة.
