راديو وتلفزيون البلد
غزة.. نزيفٌ لا تستره خيمة و”حبوبٌ” تؤجل المواجهة!
في خيمةٍ تتزاحم فيها الأنفاس، لم تكن الدورة الشهرية شأنًا خاصًا تستطيع “ميساء” (اسم مستعار) تدبيره بعيدًا عن أعين الآخرين.
كانت مساحة الحياة تضيق حولها كل يوم، فيما يتعذر العثور على فوط صحية، ويصبح الوصول إلى مكان آمن لتبديلها تحديًا إضافيًا في حياة النزوح.
في الثاني من آذار/ مارس 2025م، كانت “إسرائيل” قد أعادت إغلاق المعابر، مانعةً دخول المساعدات والسلع إلى قطاع غزة، في وقت كانت فيه الاحتياجات الأساسية تتزايد والإمدادات تتناقص.
لم يكن نقص الفوط بالنسبة إلى ميساء تفصيلًا يمكن تأجيله؛ فالدورة الشهرية لا تنتظر تحسن ظروف الحياة، ولا تمنح النساء خيار اختيار المكان والوقت المناسبين للتعامل معها.
اضطرت ميساء إلى تقطيع أجزاء من ملابس زوجها المهترئة، واستخدامها بدلًا من الفوط الصحية. وفي إحدى المرات، تروي ميساء: “نزفتُ كما لم أنزف من قبل. كنتُ أطبخ على الحطب، بينما يجلس زوجي وأفراد عائلته حولي. لم أفهم ما جرى إلا عندما وقف زوجي أمامي ليسترني بجسده، وطلب مني الذهاب لتغيير ملابسي”.
وتضيف: “تمنيتُ لو أن الأرض انشقت وابتلعتني. صرتُ أبكي وأرتجف قهرًا، وهناك قررتُ ألّا أعيش هذا الموقف مرة أخرى، مهما كلّفني الأمر”.
تزوجت ميساء أواخر عام 2024م، وعاشت في خيمة بين خيام عائلة زوجها. وبعد تلك الواقعة، بدأت تناول حبوب منع الحمل لتأخير الدورة الشهرية، من دون استشارة طبية، واستمرت في استخدامها نحو عام كامل، وفق إفادتها.
لاحقًا، لاحظت زيادة كبيرة في وزنها، واضطرابًا في الدورة، واحتباسًا للسوائل وتورمًا في أطرافها، إلى جانب ترقق شعر الرأس وظهور شعر خشن في منطقة الذقن وتراكم الدهون في البطن، ولما اصطحبتها حماتها إلى طبيب لتقييم مخاوف تتعلق بالإنجاب، أخبرها بأنها تعاني تكيسًا في المبايض وأنها تحتاج إلى تدخل جراحي ضروري.
تضيف: “لم يجزم الطبيب بأن الحبوب هي السبب، لكنه أخبرني أن عشرات النساء ممن تابع حالاتهن، يعانين تكيسًا في المبايض، وقد لجأن لحبوب منع الحمل لأجل السبب نفسه: منع الدورة الشهرية في ظل شح الفوط الصحية”.
وتفتح تجربة ميساء سؤالًا يتجاوز حالتها الفردية: كيف دفعت ظروف النزوح وشحّ مستلزمات الدورة الشهرية وانعدام الخصوصية بعض النساء في غزة إلى استخدام حبوب منع الحمل لتأخير الطمث أو إيقافه، أحيانًا لأشهر ومن دون استشارة طبية؟ وهل تقتصر الحكاية على شهادات متفرقة، أم أن وراءها ممارسة أوسع لم ترصدها الجهات الصحية؟
للإجابة، تتبّع تحقيق “نوى” تجارب نساء استخدمن الحبوب لهذا الغرض، واستطلع آراء عينة منهن، واستمع إلى أطباء وصيادلة، ووجّه أسئلة إلى الجهات الصحية والمؤسسات المعنية بشأن حجم الاستخدام وطبيعته ومضاعفاته.
وتكشف النتائج أن بعض النساء لجأن إلى الحبوب تحت ضغط ظروف النزوح، وأن عددًا منهن واصلن استخدامها لأشهر، فيما لم تتمكن الجهات التي تواصل معها التحقيق من تقديم بيانات مخصصة تحدد حجم هذه الممارسة أو ترصد مضاعفاتها.
لكن الشهادات والأعراض المبلغ عنها لا تكفي وحدها لإثبات أن الحبوب سببت المشكلات الصحية التي روتها النساء، كما لا تسمح الاستبانة المحدودة بتعميم النتائج على نساء القطاع كافة. ولا يعني ذلك استبعاد احتمال وجود علاقة بين استخدام الحبوب وبعض هذه الأعراض، إذ يتطلب تحديدها تقييمًا طبيًا يأخذ في الحسبان نوع الحبوب ومدة استخدامها والحالة الصحية لكل امرأة.
حين يمتد القرار إلى الابنة..
في تجربة أخرى، وجدت أم محمد، البالغة من العمر (55 عامًا)، نفسها أمام المشكلة ذاتها، لكن قرارها لم يقتصر على جسدها وحده. فقد نزحت من مدينة غزة، وعاشت مع 17 فردًا من عائلتها في خيمة، حيث ضاقت المساحة الخاصة، وشحّت مستلزمات النظافة، وأصبح تدبير الدورة الشهرية عبئًا على النساء والفتيات في الأسرة.
مع صعوبة الحصول على الفوط الصحية وانعدام الخصوصية، طلبت أم محمد من ابنتها غير المتزوجة، البالغة من العمر 20 عامًا، استخدام حبوب لتأخير الدورة أو إيقافها. واستخدمت زوجات أبنائها الحبوب أيضًا، فيما كانت أم محمد نفسها تتوقف عنها ثم تعود إليها مع تبدل ظروف النزوح، وفق إفادتها.
وتؤكد أنها عانت صداعًا شديدًا واحتباسًا للسوائل وآلامًا في الساقين. غير أن هذه الأعراض، كما في الحالات الأخرى، لا تثبت وحدها أن الحبوب سببتها، ولا سيما مع غياب معلومات سريرية تفصيلية عن أنواع المستحضرات والجرعات والحالة الصحية السابقة.
تكشف تجربة أم محمد بُعدًا آخر للمشكلة: حين يغيب الحد الأدنى من شروط النظافة والخصوصية، لا يبقى أثر الأزمة محصورًا في المرأة التي تواجه الدورة الشهرية، بل يمتد إلى قرارات أسرية تمس فتيات غير متزوجات أيضًا. كما توضح أن استخدام الحبوب لم يكن، في هذه الحالات، مرتبطًا حصرًا بمنع الحمل أو بتنظيم الأسرة بالمعنى الطبي المعتاد.
ولا تعني هذه الشهادات أن جميع النساء في غزة اتجهن إلى الحبوب، أو أن كل أسرة تعاملت مع المشكلة بالطريقة نفسها؛ لكنها توثق حالات لجأت فيها نساء إلى تغيير نمط استخدام دواء هرموني استجابةً لظروف النزوح.
من تنظيم الأسرة إلى هدف آخر..
تظهر الشهادات التي جمعها التحقيق أن دوافع الاستخدام تداخلت فيها كلفة الفوط الصحية، وصعوبة الوصول إلى المياه والمراحيض، وغياب الخصوصية، والخوف من النزيف في أماكن مكتظة، إلى جانب صعوبة الوصول إلى الرعاية الطبية.
“علياء” مثلًا (اسم مستعار)، استخدمت الحبوب نحو ستة أشهر من دون متابعة طبية، وقد حصلت عليها من صيدلية عبر قريب يعمل فيها. وعندما توقفت عن تناولها، عانت ألمًا وإرهاقًا ونزيفًا غزيرًا، قبل أن تعود إلى استخدامها مع استمرار النزوح. ولا تسمح المعلومات المتاحة بالجزم بأن التوقف عن الحبوب هو السبب الوحيد لهذه الأعراض، كما لا تتوافر تفاصيل كافية عن نوع المستحضر أو جرعته.
أما “روضة” (اسم مستعار أيضًا)، وتبلغ من العمر 26 عامًا، فانتقلت من حي الشيخ رضوان إلى خان يونس جنوبي القطاع، واستخدمت الحبوب ستة أو سبعة أشهر -حسب تقديرها- بسبب نقص المياه وانعدام الخصوصية. وكانت تحصل عليها من مراكز صحية حكومية أو من الصيدليات عندما لا تجدها في المراكز.
أبلغت “روضة” عن صداع مستمر وآلام في الظهر والساقين واليدين، من دون أن يتوافر تشخيص طبي يحدد أسباب هذه الأعراض.
وتختلف التجارب أيضًا في علاقتها بالحالة الاجتماعية. فقد قالت إحدى النساء إن فتيات غير متزوجات في محيطها لم يستخدمن الحبوب، وإنها كانت تعرف مستخدمات متزوجات، فيما أفادت صيدلانية -فضت ذكر اسمها- بأن بعض غير المتزوجات طلبن الحبوب لهذا الغرض.
وهذا التباين يمنع تعميم نمط واحد على جميع النساء والفتيات، ويؤكد أن دوافع الاستخدام وظروفه تختلف من حالة إلى أخرى.
وفي حالة أخرى، لجأت امرأة إلى الحبوب بعد معاناة نزيف استمر شهرين، ثم اضطرت إلى قطع مسافة طويلة للوصول إلى نقطة طبية وصفت لها الدواء. وعندما نفدت الحبوب وتأخرت في تناولها، عاد النزيف بحسب روايتها.
استبانة محدودة
للانتقال من الشهادات الفردية إلى مؤشر أوسع، وزعت معدتا التحقيق استبانة إلكترونية عبر واتساب وماسنجر على 250 امرأة، وردّت عليها 98 امرأة، بنسبة استجابة بلغت 39.2%. وأجابت 97 مشاركة عن سؤال استخدام الحبوب لتأخير الدورة الشهرية أو إيقافها خلال الحرب.
من بين هؤلاء، قالت 39 امرأة إنهن استخدمن الحبوب لهذا الغرض، أي 40.2% من مجيبات السؤال. ومن بين المستخدمات، أفادت 26 امرأة، أي 66.7%، بأنهن واصلن الاستخدام ستة أشهر أو أكثر.
وأظهرت الإجابات أن دوافع الاستخدام لم تقتصر على سبب واحد:
- ذكرت 28 امرأة من أصل 39، أي 71.8%، انعدام الخصوصية أو صعوبة استخدام المراحيض المشتركة.
- أشارت 25 امرأة، أي 64.1%، إلى الخوف من الحمل أو صعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية.
- ذكرت 24 امرأة، أي 61.5%، نقص المياه ومستلزمات النظافة وارتفاع أسعار الفوط الصحية.
وفيما يتعلق بمصادر الحبوب، قالت 16 مشاركة إنهن حصلن عليها من نقاط طبية ميدانية، و11 من صيدليات من دون وصفة طبية، وسبع من عيادات الأونروا، فيما ذكرت أخريات أقارب أو عيادات حكومية.
وأفادت 19 مشاركة بأنهن لم يستطعن الوصول إلى طبيب بعد ظهور أعراض لديهن. وذكرت 15 امرأة أنهن كنّ لا يزلن يستخدمن الحبوب وقت الإجابة عن الاستبانة.
أما الأعراض التي أبلغت عنها المشاركات، فتضمنت الصداع وآلام الظهر والساقين لدى 19 امرأة، واحتباس السوائل أو تغيرات في الوزن والمزاج لدى 10 نساء، والإرهاق لدى 9. وبعد التوقف عن الاستخدام، أفادت 18 مشاركة بألم أو إرهاق أو نزيف غزير.
هذه الأرقام تصف إجابات المشاركات، ولا تمثل تشخيصات طبية أو دليلًا على أن الحبوب سببت الأعراض. كما أن الاستبانة إلكترونية وغير عشوائية، ولا تمثل بالضرورة نساء غزة عمومًا، لذا لا يجوز استخدام نسبة 40.2% لتقدير انتشار الظاهرة في القطاع.
ومع ذلك، تقدم النتائج مؤشرًا يستحق التوقف عنده: بين النساء اللواتي شاركن في الاستبانة، لم يكن الاستخدام في عدد من الحالات تجربة قصيرة، بل امتد لأشهر، فيما أفادت مشاركات بصعوبة الحصول على تقييم طبي عند ظهور الأعراض.
وتكشف الإجابات المفتوحة جانبًا اقتصاديًا مباشرًا، فقد لفتت إحدى المشاركات، وهي أم لفتاتين في المدرسة، إلى أن سعر عبوة الفوط بلغ 35 شيكلًا، وأنها استخدمت الحبوب لتوفير المال وشراء ما يكفي ابنتيها.
وقالت مشاركة غير متزوجة تعيش في خيمة “إن المرور أمام الرجال للوصول إلى المرحاض والانتظار في طوابير طويلة كانا كافيين لدفعها إلى تأخير الدورة حتى تتغير الظروف”.
هكذا، لا يظهر استخدام الحبوب في الشهادات باعتباره قرارًا طبيًا مستقلًا عن الواقع المحيط، بل استجابةً لضغوط تتفاوت بين انعدام الخصوصية وكلفة المستلزمات وصعوبة الوصول إلى الرعاية.
أزمة تتجاوز الفوط الصحية..
ولا يمكن فهم هذه التجارب بمعزل عن حجم الاحتياجات المتعلقة بصحة الدورة الشهرية في غزة. ففي خطة الاستجابة لإدارة صحة الدورة الشهرية في القطاع، الصادرة في حزيران/ يونيو 2024م عن صندوق الأمم المتحدة للسكان ومجموعة العمل المعنية بالعنف القائم على النوع الاجتماعي، قُدّر عدد النساء والفتيات في سن الحيض بنحو 691,300 امرأة وفتاة، مع احتياج شهري مقدّر بنحو 10,369,500 فوطة صحية، وفق معيار 15 فوطة لكل امرأة أو فتاة شهريًا.
ولا يقتصر الاحتياج على توفير الفوط، فالخطة نفسها تشير إلى نقص المستلزمات، وصعوبة شرائها من الأسواق المتبقية، ونقص المياه النظيفة والمراحيض العاملة وأماكن الغسل والتخلص من النفايات.
وتؤكد أن التعامل الآمن والكريم مع الدورة الشهرية يتطلب مواد مناسبة، ومياهًا وصابونًا، ومكانًا خاصًا ونظيفًا لتبديل المستلزمات.
وفي تقرير نشره صندوق الأمم المتحدة للسكان في الثاني من حزيران/ يونيو 2025، ربطت المنظمة بين الحصار الذي بدأ في آذار/ مارس من ذلك العام ونفاد مستلزمات النظافة، بما فيها الفوط الصحية، مشيرة إلى أن تضرر البنية التحتية للمياه والصرف الصحي ونقص المياه جعلا إدارة الدورة الشهرية أكثر صعوبة على النساء والفتيات بغزة.
هذه الخلفية لا تثبت أن نقص الفوط أدى إلى استخدام الحبوب على نطاق واسع، لكنها تضع شهادات النساء في سياق إنساني موثق، فالمشكلة لا تتعلق بتفضيل وسيلة على أخرى في ظروف طبيعية، بل بمحاولة تدبير احتياج جسدي متكرر وسط نقص المستلزمات والمياه والمرافق الآمنة.
ماذا تقول المعايير الطبية عن الحبوب؟
حبوب منع الحمل ليست نوعًا واحدًا. وتوضح منظمة الصحة العالمية أن هناك حبوبًا مركبة تحتوي على الإستروجين والبروجستين، وأخرى تحتوي على البروجستين وحده. ويختلف التقييم الطبي لملاءمتها باختلاف الحالة الصحية لكل امرأة.
وتذكر المنظمة أن بعض المستخدمات قد يلاحظن تغيرات في نمط النزيف أو انقطاع الدورة، أو الصداع والدوار والغثيان وتغيرات المزاج. كما أن بعض المخاطر النادرة، مثل الجلطات الدموية والسكتة الدماغية والنوبة القلبية، ترتبط بنوع الحبوب وعوامل الخطر الصحية، ولا يجوز افتراض وقوعها لمجرد استخدام الحبوب.
وتبرز أهمية التقييم الطبي خصوصًا لدى النساء المصابات بارتفاع ضغط الدم أو اللواتي لديهن عوامل خطر أخرى؛ فملاءمة الحبوب المركبة المحتوية على الإستروجين تختلف بحسب شدة الحالة، فيما لا تحمل الحبوب المحتوية على البروجستين وحده المخاطر المرتبطة بالإستروجين نفسها. لذلك لا يصح اعتبار جميع الحبوب متساوية في المخاطر أو ملائمة الاستخدام لكل امرأة.
وتروي “يسرى”، البالغة من العمر (37 عامًا)، أنها استخدمت للمرة الأولى حبوبًا مركبة لتأخير الدورة الشهرية أثناء إقامتها في خيمة، من دون استشارة طبية، رغم إصابتها بارتفاع ضغط الدم. وبعد فترة من الاستخدام، شعرت بخفقان شديد، ونقلها زوجها إلى المستشفى. وتوضح أن الطبيب أخبرها بأن ضغطها ارتفع بشدة وربط ذلك باستخدام الحبوب.
لكن لا تتوافر في المعلومات التي قدمتها يسرى تفاصيل السجل الطبي أو قياسات الضغط أو تقييم الطبيب المكتوب؛ لذلك لا يمكن الجزم بأن الحبوب كانت السبب الوحيد للخفقان أو ارتفاع الضغط، ولا يمكن تأكيد أن حياتها كانت مهددة بسكتة دماغية أو نوبة قلبية من دون توثيق طبي. وتظل قصتها، في حدود ما أمكن جمعه، شهادة على استخدام دواء هرموني من دون تقييم مسبق لدى امرأة لديها حالة صحية تستدعي الانتباه.
وفي مقابلة مع معدّتي التحقيق، أكد طبيب النساء والتوليد في مستشفى القدس الدولي، إياد العطار، أنه لاحظ بين نساء استخدمن الحبوب لفترات طويلة دون استشارة أو متابعة اضطرابات في الدورة، وزيادة في الوزن واحتباسًا للسوائل، إلى جانب حالات نزيف استدعت تدخلًا طبيًا وأخذ عينات للفحص. كما أشار إلى أهمية الانتباه إلى التاريخ المرضي، ولا سيما ارتفاع ضغط الدم، قبل اختيار الوسيلة.
وتحدث العطار عن حالات لاحظ فيها تأخرًا في الحمل بعد الحرب، وعن نساء شُخّصن بتكيس المبايض أو ظهرت لديهن تغيرات جسدية أخرى. غير أن هذه الملاحظات السريرية لا تثبت أن الحبوب تسببت في تكيس المبايض أو العقم، كما أن تأخر الحمل قد يرتبط بعوامل متعددة.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الخصوبة تعود سريعًا بعد التوقف عن حبوب منع الحمل، وأن الحبوب لا تسبب العقم.
وقدّر العطار أن نحو 30% من الحالات التي تعامل معها كانت لديها مشكلات مرتبطة باستخدام وسائل منع الحمل، لكنه لم يقدم للتحقيق عدد الحالات الإجمالي أو منهجية احتساب النسبة، ولذلك لا يمكن التعامل مع هذا التقدير بوصفه نسبة انتشار بين النساء في غزة أو بين مستخدمات الحبوب لتأخير الدورة.
وتشدد هذه المعطيات على ضرورة التمييز بين ثلاثة أمور: أعراض ترويها النساء، وملاحظات طبيب على حالات عالجها، وعلاقة سببية تثبتها الأدلة الطبية، ولا يجوز دمجها في استنتاج واحد بأن الاستخدام المطوّل تسبب في جميع المشكلات الصحية المذكورة.
حين تتداخل الضغوط النفسية مع الاستخدام
إلى جانب الأعراض الجسدية، أبلغت نساء عن تغيرات في المزاج والإرهاق، فيما ذكرت ربا، البالغة من العمر (40 عامًا)، أنها عانت اكتئابًا شديدًا بالتزامن مع انقضاء ثلاثة أشهر من استخدام حبوب منع الحمل لإيقاف الدورة الشهرية خلال فترة انقطاع الفوط الصحية، “وما زلتُ أعاني آثاره حتى اليوم” تعقب. لكن المعلومات المتاحة لا تثبت أن الحبوب تسببت في اكتئابها، ولا تسمح بفصل أثرها المحتمل عن آثار الحرب والنزوح والتجارب الصادمة.
وتوضح الأخصائية النفسية هيام خلف الله، العاملة لدى جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، أن الضغوط الممتدة المرتبطة بالحرب والنزوح يمكن أن تؤثر في النوم وتنظيم الانفعالات والقدرة على التعامل مع التوتر، وأن الاستجابة النفسية تختلف من امرأة إلى أخرى. “كما أن بعض مستخدمات الهرمونات قد يلاحظن تغيرات في المزاج، لكن تحديد أسباب الأعراض النفسية يحتاج إلى تقييم فردي، ولا يصح نسبتها تلقائيًا إلى الحبوب وحدها” تقول.
وتضيف خلف الله: “فهم هذه التجارب في سياقها يساعد النساء على طلب الدعم من دون تحميل أنفسهن مسؤولية ما يمررن به أو التعامل مع معاناتهن باعتبارها ضعفًا شخصيًا”.
في هذه الحالات، لا يمكن اختزال التجربة النفسية في عامل واحد. فالمرأة التي تعيش في خيمة، وتفتقر إلى الخصوصية والمياه، وتواجه القلق اليومي بشأن الغذاء والأمان وأطفالها، تعيش ظروفًا قد تؤثر في صحتها النفسية بصرف النظر عن استخدام الأدويةـ ولهذا فإن أي تقييم للأعراض يحتاج إلى النظر في مجمل ظروفها الصحية والاجتماعية.
من يصرف الحبوب؟ وما الذي تسجله المؤسسات؟
في إفادات للصيادلة جمعها التحقيق، روى صاحب صيدلية في مخيم الشاطئ، ويدعى محمد شقورة، أنه شاهد نساء متزوجات وغير متزوجات يشترين حبوبًا لمنع الحمل أو لتأخير الدورة من دون وصفة طبية. كما تحدثت الصيدلانية لمى ياسين عن طلب بعض النساء غير المتزوجات حبوبًا تحتوي على البروجستين لهذا الغرض، فيما قال الصيدلي خالد زقوت: “إن الطلب على هذه الحبوب بدا أكبر مما كان عليه قبل الحرب، وإن بعض النساء والفتيات كنّ يحصلن عليها دون استشارة طبية”.
وتبقى هذه الإفادات شهادات مهنية عن الحالات التي تعامل معها أصحابها، وليست إحصاءً شاملًا لحركة صرف الأدوية في القطاع، كما أن التحقيق لم يحصل على بيانات كمية مستقلة تسمح بقياس التغير في الطلب أو تحديد عدد المستخدمات.
قانونيًا، تنص المادة 66 من قانون الصحة العامة الفلسطيني رقم 20 لسنة 2004 على حظر صرف العقاقير التي تستوجب وصفة طبية من دون وصفة صادرة عن طبيب، وتترك تحديد هذه العقاقير للنظام ذي الصلة.
لكن لا يمكن الاستناد إلى هذه المادة وحدها للقول إن كل أنواع حبوب منع الحمل تتطلب وصفة طبية، أو إن كل عملية بيع وردت في الشهادات تمثل مخالفة، إذ يلزم التحقق من تصنيف كل مستحضر والضوابط المطبقة عليه قبل إطلاق حكم قانوني على حالة بعينها.
وفي ردها على أسئلة التحقيق، قالت الدكتورة خلود حمد، المسؤولة عن صحة الأم والطفل والمشرفة على اللجنة العلمية لبرنامج الصحة الإنجابية في وزارة الصحة بغزة: “إن الحبوب تُصرف ضمن خدمات تنظيم الأسرة للنساء المتزوجات في مراكز الرعاية الأولية بعد تقييم الملاءمة الطبية، وإن البرنامج لا يصرفها بغرض تأخير الدورة أو إيقافها”.
وأوضحت أن سجلات تنظيم الأسرة لا تصنف الاستخدام بحسب الغرض من تناول الدواء، ولذلك لا تتوافر لدى الوزارة بيانات رسمية مخصصة عن هذه الممارسة أو مضاعفاتها.
وفي سياق رد نقابة الصيادلة، قال نائب النقيب في غزة سامح أبو حبل: “النقابة لا تملك دراسات عن حجم الطلب على الحبوب خلال الحرب، والأمر يحتاج إلى دراسة تشمل النساء والصيادلة معًا”.
وأشار إلى أن مؤسسات دولية وفرت بعض المستحضرات في مراكز معينة، من دون توافر أرقام دقيقة لديه عن الكميات أو عدد المستفيدات، لافتًا إلى وجود قوائم لدى الإدارة العامة للصيدلة بشأن الأدوية التي تدخل القطاع ونواقصها.
من جهتها، قالت مديرة الإعلام في مكتب “الأونروا” الإقليمي في غزة، ميلينا شاهين: “الوكالة لا تملك البيانات المطلوبة عن كميات حبوب منع الحمل التي وُفرت أو صُرفت خلال الحرب”، وأحالت الاستفسار إلى صندوق الأمم المتحدة للسكان.
وأكد صندوق الأمم المتحدة للسكان، وفق الرد الذي تلقته معدتا التحقيق، عدم توافر بيانات محددة عن استخدام الهرمونات لتأخير الدورة أو إيقافها في غزة، موضحًا أن أنظمة تنظيم الأسرة لا تتتبع بالضرورة الأدوية التي تحصل عليها النساء من الصيدليات أو مصادر أخرى، ولا الغرض من استخدامها.
كما لم تتلقَّ برامج الصندوق تقارير محددة عن استخدام هرموني غير خاضع للإشراف بغرض إيقاف الدورة أو عن مضاعفات مرتبطة به.
غير أن غياب التقارير لا يعني غياب الحالات، كما أن عدم وجود بيانات مخصصة لا يثبت وحده وقوع تقصير متعمد. وما يمكن استخلاصه من الردود هو أن الجهات التي تواصلت معها معدتا التحقيق لم تقدم بيانات تمكّن من تحديد حجم هذه الممارسة أو قياس مضاعفاتها على مستوى القطاع.
فجوة الرصد.. ما الذي لا نعرفه؟
تجمع الشهادات والاستبانة وإفادات الصيادلة خيوطًا متقاطعة حول استخدام بعض النساء حبوب منع الحمل لتأخير الدورة أو إيقافها في ظروف النزوح. لكنها لا تجيب عن أسئلة أساسية على رأسها: كم امرأة استخدمت الحبوب لهذا الغرض؟ وما الأنواع التي تناولتها؟ وكم استمر الاستخدام؟ وكم منهن خضعن لتقييم طبي؟ وما الأعراض التي شُخّصت سريريًا، وما الذي يمكن نسبته إلى الدواء أو إلى عوامل أخرى؟
لا توفر الاستبانة غير العشوائية إجابات تمثيلية عن هذه الأسئلة، ولا تتضمن ردود الجهات الصحية التي حصل عليها التحقيق بيانات مخصصة تحسمها، كما أن سجلات صرف الأدوية، حتى لو توافرت، قد تكشف أنواع المستحضرات وكمياتها، لكنها لن تحدد بالضرورة ما إذا كانت النساء استخدمنها لمنع الحمل أو لتأخير الدورة.
وهنا تكمن الفجوة التي يبرزها التحقيق: استخدامٌ موثق في شهادات فردية وعينة محدودة، في ظروف إنسانية دفعت بعض النساء إلى البحث عن وسيلة لتفادي مشقة الدورة الشهرية، من دون وجود بيانات كافية تسمح بقياس الظاهرة أو تقييم نتائجها الصحية على مستوى القطاع.
لا يعني ذلك أن حبوب منع الحمل خطرة بطبيعتها، ولا أن استخدامها لتأخير الدورة يؤدي حتمًا إلى مضاعفات، فالقرار الطبي يتوقف على نوع المستحضر وحالة المرأة الصحية، وتؤكد الإرشادات الطبية ضرورة تقييم الملاءمة الفردية.
لكن حين تحصل النساء على الحبوب ويستخدمنها لأشهر دون استشارة، ويصعب عليهن الوصول إلى الطبيب عند ظهور الأعراض، تصبح معرفة ما تناولنه وكيف استخدمنه وما طرأ على صحتهن أكثر إلحاحًا.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تحميل النساء مسؤولية الاختيار في ظروف لم تتوافر فيها بدائل مناسبة، فإدارة الدورة الشهرية تتطلب أكثر من عبوة فوط.. تحتاج إلى ماء نظيف، وصابون، ومراحيض آمنة، ومساحة خاصة، وإمدادات منتظمة، ومعلومات صحية موثوقة، وإمكانية الوصول إلى مقدمي الرعاية.
بالنسبة إلى ميساء، بدأت الحكاية بمشهد نزيف في خيمة أمام أفراد العائلة. وبالنسبة إلى أم محمد، امتدت المشكلة من تدبير دورتها إلى قرار طلبت من ابنتها اتخاذه أيضًا، وبين التجربتين، تكشف الحالات التي جمعها التحقيق كيف يمكن لاحتياج جسدي طبيعي أن يتحول، تحت ضغط النزوح والفقر وغياب الخصوصية، إلى قرار دوائي تتخذه بعض النساء من دون معرفة كافية بملاءمته لهن.
ما تكشفه الأدلة ليس أن جميع النساء في غزة اتجهن إلى الحبوب، ولا أن الحبوب تسببت في كل الأعراض التي أبلغت عنها المشاركات، بل إن بعض النساء استخدمنها لهذا الغرض، وبعضهن واصلن الاستخدام أشهرًا، فيما لم تتمكن الجهات التي تواصل معها التحقيق من تقديم بيانات تحدد حجم هذه الممارسة أو مضاعفاتها.
وفي أزمة تُقاس فيها الاحتياجات الإنسانية بالغذاء والماء والدواء، تظل صحة الدورة الشهرية جزءًا من الحد الأدنى للكرامة والرعاية.
أما أن تضطر امرأة إلى استخدام دواء هرموني لتفادي النزيف في خيمة، أو إلى تقاسم هذا القرار مع ابنتها بسبب نقص الفوط وانعدام الخصوصية، فذلك يكشف أن الأزمة لا تقف عند نقص المستلزمات، بل تمتد إلى الخيارات الصحية التي تصبح متاحة للنساء حين تحرمهن الظروف من أبسط شروط التعامل الآمن مع أجسادهن.
تنويه: تم اعداد هذا التحقيق الاستقصائي بدعم من الاتحاد الأوروبي ضمن مشروع Engage تنفيذ جمعية فلسطينيات بالشراكة مع جامعة النجاح الوطنية. ولا يعكس محتوى هذا التحقيق بأي شكل من الاشكال وجهة نظر الاتحاد الأوروبي.
مقالات الرأي عبر موقعنا الإخباري تمثل كُتابها، ولا تعبر بالضرورة عن أفكار وتوجهات المؤسسة. نوفر هذه المساحة كمنبر حر يتيح للجميع التعبير عن أفكارهم وآرائهم، بإحترام وبما لا يتعارض مع القيم والمصالح العامة للشعب الفلسطيني.
ظهرت المقالة غزة.. نزيفٌ لا تستره خيمة و”حبوبٌ” تؤجل المواجهة! أولاً على راديو وتلفزيون البلد.










