سأبدأ بسؤال بسيط في ظاهره، لكنه في تقديري أكبر بكثير من أن يُعامل باعتباره تفصيلًا بروتوكوليًا: إذا كان الرئيس محمود عباس قد جعل من الدفاع عن الشرعية الفلسطينية عنوانًا مركزيًا في مواجهة محاولات تجاوز القيادة الفلسطينية أو تهميشها، وإذا كان منع الولايات المتحدة له من الحصول على تأشيرة للمشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة قد قُوبل فلسطينيًا باعتباره إجراءً يستهدف التمثيل الفلسطيني ومكانته، فلماذا لم يستثمر الرئيس وجوده في القاهرة للقاء اللجنة الوطنية لإدارة غزة؟السؤال ليس عن صورة تذكارية كان يمكن التقاطها، ولا عن اجتماع آخر يضاف إلى جدول زيارة رسمية مزدحم. السؤال أكبر من ذلك بكثير: من يمثل غزة سياسيًا في اليوم التالي؟ ومن ستكون المرجعية السياسية لمن سيديرها؟ وإلى أي نظام سياسي ستعود غزة التي نؤكد كل يوم أنها جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية؟
كان الرئيس عباس في القاهرة فبل نحو أسبوعين، في زيارة رسمية التقى خلالها الرئيس السيسي، ومدير المخابرات، وشخصيات إعلامية مصرية. وفي البيانات الرسمية المنشورة عن الزيارة، حضرت غزة بقوة: حربها، معاناتها، إعادة إعمارها، مستقبلها، وضرورة عودتها إلى إطار الدولة الفلسطينية. لكن ما لم يظهر في البرنامج المعلن هو لقاء الرئيس باللجنة الوطنية لإدارة غزة. وهنا تبدأ المفارقة. فاللجنة لم تعد مجرد فكرة مطروحة للنقاش، ولا اقتراحًا ينتظر توافقًا فلسطينيًا أو عربيًا. قرار مجلس الأمن 2803 أقر إطارًا انتقاليًا لغزة يتضمن لجنة فلسطينية تكنوقراطية تتولى الإدارة اليومية والخدمات المدنية، تحت إشراف مجلس السلام، إلى أن تستكمل السلطة الفلسطينية برنامج إصلاحها وتتمكن من استعادة السيطرة على غزة.
إذن، لم يكن السؤال: هل توجد لجنة يمكن للرئيس أن يلتقيها؟ بل: لماذا لم يحدث اللقاء؟ كان يمكن للقاء واحد، ولو لنصف ساعة، أن يكون سياسيًا أهم من اجتماعات كثيرة عقدت خلال الزيارة. كان يمكن للرئيس أن يجلس مع أعضاء اللجنة ويبعث، بالصورة قبل البيان، برسالة إلى الفلسطينيين والعالم: هؤلاء فلسطينيون يتولون مهمة انتقالية في غزة، لكن غزة ليست كيانًا منفصلًا، وهذه المرحلة ليست تأسيسًا لنظام سياسي جديد في القطاع، وإنما ينبغي أن تكون طريقًا نحو إعادة توحيد المؤسسات الفلسطينية. كان يمكن للصورة وحدها أن تحمل ثلاث رسائل شديدة الوضوح: إلى أهل غزة: أنكم لستم خارج النظام السياسي الفلسطيني. وإلى اللجنة: أن مهمتكم انتقالية، وليست تأسيس مرجعية سياسية بديلة. وإلى العالم: أن أي ترتيب انتقالي لغزة ينبغي أن تكون نهايته وحدة الأرض والنظام السياسي الفلسطيني. لكن الصورة لم تأتِ. وهنا يصبح من حق الفلسطيني أن يسأل: إذا كنا نريد فعلًا عودة غزة إلى الشرعية الفلسطينية، فلماذا لا تتحرك الشرعية نفسها باتجاه غزة وكل مؤسسة فلسطينية ستشارك في إدارة مستقبلها؟
لكن المسألة، في الحقيقة، أعمق من لقاء غاب عن جدول زيارة رسمية. ما يجري في غزة اليوم قد يعيد تعريف علاقة غزة بالنظام السياسي الفلسطيني كله. فطوال ما يقرب من عقدين، كانت المشكلة الفلسطينية تُختصر في الانقسام بين فتح وحماس، وبين سلطة في الضفة وسلطة أمر واقع في غزة. أما اليوم فنحن أمام احتمال مختلف وأكثر تعقيدًا: إدارة فلسطينية محلية تعمل داخل هندسة دولية للمرحلة الانتقالية، بينما تبقى المؤسسة السياسية الفلسطينية التي تقول إنها صاحبة الشرعية خارج دائرة الإدارة الفعلية. وهنا يتغير سؤالنا من: من سيدير غزة؟ إلى:من يملك المرجعية السياسية لمن سيدير غزة؟ وهذه، في تقديري، واحدة من أهم معارك اليوم التالي. فاللجنة ليست بالضرورة خصمًا للشرعية الفلسطينية، كما أنها ليست بالضرورة بديلًا عنها. ويمكن أن تكون جسرًا يعيد غزة تدريجيًا إلى وحدة المؤسسات الفلسطينية. لكن الجسور لا تؤدي بالضرورة إلى المكان الذي نريده إذا لم نكن نحن جزءًا من تحديد اتجاهها. ولهذا كان اللقاء مهمًا. ليس لأن مصافحة الرئيس لأعضاء اللجنة ستغير قرارًا دوليًا أو تعيد تشكيل ترتيبات غزة بين ليلة وضحاها، وإنما لأن السياسة تبدأ أحيانًا من تثبيت المرجعيات قبل أن تتحول الترتيبات المؤقتة إلى وقائع يصعب تغييرها. كان يمكن للرئيس أن يقول بالفعل، لا بالبيان فقط: هذه لجنة فلسطينية انتقالية، وغزة جزء من الدولة الفلسطينية، ونهاية المرحلة الانتقالية يجب أن تكون عودة المؤسسات الفلسطينية الموحدة إلى القطاع.
وهنا تظهر مفارقة أخرى أكثر أهمية: إذا كانت القيادة الفلسطينية تخشى أن يصنع الآخرون بدائل عنها، فإن مواجهة البدائل لا تكون فقط برفضها، وإنما بملء الفراغ الذي يسمح لها بالظهور أصلًا. فالسياسة لا تعرف الفراغ. حين تغيب أنت، يحضر آخرون. وحين لا تضع تصورك لليوم التالي، سيضع الآخرون تصورهم. وحين لا تبادر إلى ربط الترتيبات الانتقالية بمؤسساتك، فقد تكتشف بعد فترة أن المؤقت أصبح واقعًا، وأن الواقع بدأ ينتج شرعيته الخاصة. وهنا نصل إلى قضية ربما تكون أعمق من اللجنة ومن اللقاء ومن زيارة القاهرة كلها: الفرق بين الشرعية والفاعلية. يمكن أن تمتلك الاعتراف، ولا تمتلك المبادرة. ويمكن أن تكون الممثل المعترف به، بينما يصنع الآخرون الوقائع من حولك. ويمكن أن تدافع عن شرعيتك في الأمم المتحدة، في الوقت الذي تتشكل فيه على الأرض ترتيبات لمستقبل جزء من شعبك وأرضك دون أن تكون أنت الطرف الأكثر تأثيرًا فيها.
وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يقلقنا. فالشرعية ليست لقبًا سياسيًا نرفعه عندما يحاول الآخرون تجاوزنا، ولا مجرد اعتراف دولي نستند إليه في المحافل الدولية. الشرعية مسؤولية أيضًا. مسؤولية أن تكون حاضرًا حيث يُصنع المستقبل. وأن تبادر قبل أن تضطر إلى الاعتراض. وأن تقدم البديل قبل أن يصنع الآخرون بدائلهم. وأن تحول الاعتراف السياسي بك إلى قدرة سياسية على التأثير. ولهذا فإن غياب اللقاء في القاهرة لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره اجتماعًا لم يحدث. إنه يفتح سؤالًا أكبر عن الاستراتيجية الفلسطينية نفسها: هل لدى القيادة الفلسطينية تصور عملي ومعلن لكيفية الانتقال من إدارة غزة المؤقتة إلى وحدة النظام السياسي الفلسطيني؟
كيف ستنتقل غزة من اللجنة إلى السلطة الفلسطينية؟ ما العلاقة السياسية والمؤسسية بين الطرفين خلال المرحلة الانتقالية؟ من يضمن ألا تتحول الإدارة المؤقتة إلى صيغة طويلة الأمد؟ وكيف ستمنع القيادة أن يصبح التعامل الدولي المباشر مع مؤسسات غزة الجديدة بديلًا تدريجيًا عن المرجعية السياسية الفلسطينية الواحدة؟
هذه ليست أسئلة نظرية. فحتى أحدث تقييم أممي في سبتمبر 2026 يصف مجلس السلام باعتباره إدارة انتقالية، واللجنة الوطنية باعتبارها لجنة تكنوقراطية فلسطينية مكلفة بالحكم المدني والخدمات خلال المرحلة الانتقالية، مع وجود وظيفة اتصال معلنة بين السلطة الفلسطينية ومكتب الممثل السامي لغزة. كما يشير التقرير إلى أن اللجنة، حتى ذلك الوقت، لم تدخل القطاع بعد لتتولى مهام الحكم فعليًا. أي أن المشهد لم يُحسم بعد. وهذا بالتحديد ما يجعل السؤال أكثر إلحاحًا، لا أقل. فما دام المستقبل لم يُغلق بعد، فإن المجال لا يزال مفتوحًا للمبادرة الفلسطينية.ومن هنا يصعب الاكتفاء بالقول إن غزة جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية. لا يكفي أن نقول إننا نرفض فصل غزة عن الضفة. ولا يكفي أن نكرر أننا أصحاب الشرعية. ولا يكفي أن نطالب العالم بألا يتجاوزنا.لأن السؤال الذي سيحكم المستقبل لن يكون فقط: من يمتلك الشرعية؟ بل أيضًا: من استخدم شرعيته ليصنع الوقائع؟
ومن حق الرئيس عباس أن يعترض على أي محاولة لتجاوز منظمة التحرير أو السلطة الفلسطينية، وأن يرفض أي ترتيبات يمكن أن تقود إلى فصل غزة عن بقية الأرض الفلسطينية. لكن من حق الفلسطيني أيضًا أن يسأل قيادته: ماذا فعلتم أنتم حتى لا يحدث ذلك؟ كان لقاء اللجنة في القاهرة فرصة صغيرة في الشكل، كبيرة في الدلالة، لتقديم جزء من الإجابة. لكن الفرصة مرت. ولهذا فإن السؤال الذي بدأنا به يعود في النهاية بصورة أكثر إزعاجًا: إذا كانت غزة جزءًا لا يتجزأ من الشرعية الفلسطينية، وكان الرئيس الفلسطيني موجودًا في القاهرة، وكانت اللجنة المكلفة بإدارة غزة تعمل من القاهرة، وكان مستقبل القطاع واحدًا من أهم الملفات المطروحة، فلماذا لم يجلس الطرفان إلى طاولة واحدة؟ ربما توجد أسباب لم تُعلن. وربما توجد حسابات سياسية لا نعرفها. ولهذا لا أريد أن أفترض الإجابة.
لكن من حقي، كفلسطيني، أن أسمعها. لأن الفلسطيني الذي دفع ثمن الانقسام، ثم دفع ثمن الحرب والدمار والتهجير، لم يعد بحاجة إلى مزيد من الشعارات التي تقول له إن غزة ستعود إلى حضن الشرعية. هو بحاجة إلى أن يرى كيف ستعود. وبحاجة إلى أن يرى الشرعية تتحرك نحو غزة، لا أن تنتظر غزة حتى تعود إليها. فالخطر الحقيقي ليس فقط أن يأخذ أحد منا غزة. الخطر أن يُعاد تشكيل مستقبل غزة أمام أعيننا، ثم نكتشف متأخرين أننا كنا نملك الشرعية... لكن الآخرين كانوا يملكون المبادرة. وعندها لن يكون السؤال: من يمثل غزة؟ بل سيكون السؤال الأكثر قسوة: إذا كنا نريد غزة فعلًا، فلماذا نترك الآخرين يرسمون الطريق إلى مستقبلها؟
