عامان مع المستشار د. أحمد يوسف… حين يغدو الجوار رسالة إنسانية ..المهندس عبد الله حجاج

عامان مع المستشار د. أحمد يوسف… حين يغدو الجوار رسالة إنسانية ..المهندس عبد الله حجاج

في زمنٍ تضيق فيه الأرض بما رحبت، وتُختبر فيه معادن الرجال، تتجلّى معاني الجوار الحقيقي، لا بوصفه مجرد قربٍ مكاني، بل كقيمةٍ إنسانيةٍ عميقة تُترجم إلى مواقف وأفعال.
كانت أواخرُ أبريل من عام 2024 واحدةً من تلك اللحظات الفارقة التي أعادت ترتيب الأولويات، وكشفت عن وجوهٍ مضيئة في عتمة الألم. في تلك الأيام الثقيلة، وجدتُ نفسي لاجئًا تقطعت بي السبل، أبحث عن مأوى، وعن دفءٍ إنساني يحميني من قسوة الخارج، وذلك بعد مرور ستة أشهر على حرب إبادة لم أشهد لها مثيلًا في حياتي. كنت قد انتقلت خلالها من غزة إلى خانيونس، وصولًا إلى رفح، وهناك—عند المستشار د. أحمد يوسف—بدأت حكاية عامين من الجوار الذي لا يُنسى.
لم يكن اللقاء الأول مجرد استقبالٍ عابر، بل كان احتضانًا صادقًا من رجلٍ أدرك معنى أن يكون الإنسان سندًا لأخيه في الشدة. فقد فتح لي المستشار د. أحمد يوسف باب منزله، لا كضيفٍ عابر، بل كفردٍ من العائلة. لم يسأل كثيرًا، ولم يتردد، وكأنما كان يعلم أن في مثل هذه اللحظات لا يحتاج الإنسان إلى أسئلة، بل إلى أفعال.
كان بيتًا عامرًا بالطمأنينة، وكانت ملامح أهله تنبض بالكرم والقبول.
في الأيام الأولى للحرب، كنت أحاول استيعاب التحول المفاجئ في حياتي، من حالة الاستقرار النسبي إلى اللجوء القسري، ومن الاستقلال إلى الاعتماد على الآخرين. لكن وصولي إلى بيت المستشار د. أحمد يوسف خفّف كثيرًا من وطأة هذه المشاعر. لم أشعر يومًا أنني عبء، بل كنت أُعامل بكل احترامٍ وتقدير.
كان الحديث اليومي، واللقاءات على مائدة الطعام، وتبادل القصص—كلها تفاصيل صغيرة، لكنها صنعت فرقًا كبيرًا في نفسي.
بعد نحو شهر، ومع استمرار الظروف الصعبة، قررنا الانتقال إلى منطقة المواصي، حيث يمتلك أخو المستشار أرضًا هناك. كان القرار يحمل في طياته تحديات جديدة، لكنه كان أيضًا فرصة لبداية مختلفة. لم يكن الانتقال سهلًا، خاصة في ظل الظروف الأمنية واللوجستية المعقدة، لكن روح التعاون التي جمعتنا جعلت كل شيء ممكنًا.
في المواصي تغيّرت ملامح الحياة، لكنها لم تفقد جوهرها. كانت الأرض هناك أكثر انفتاحًا، والهواء يحمل شيئًا من الحرية رغم كل القيود المحيطة. بدأنا نؤسس نمطًا جديدًا من العيش، قائمًا على البساطة والتكافل. كنا نتشارك في كل شيء: العمل، والطعام، وحتى الهموم. لم تكن الحياة مرفهة، لكنها كانت مليئة بالمعنى.
لم يكن المستشار د. أحمد يوسف مجرد مضيف، بل كان قائدًا في تفاصيل الحياة اليومية. كان حريصًا على أن يشعر الجميع بالأمان، رغم انعدام الاستقرار في الخارج. كان يُشجّع على الصبر، ويُذكّر دائمًا بأن هذه المحنة—مهما طالت—لا بد أن تنتهي. لم تكن كلماته مجرد تعزية، بل كانت مصدر قوةٍ حقيقي.
مرّت الأيام، وتحولت إلى شهور، ثم إلى عامٍ كامل، ثم عامين. خلال هذه الفترة، تغيّرت أشياء كثيرة، لكن شيئًا واحدًا بقي ثابتًا: قيمة الجوار التي عشتها بكل تفاصيلها. تعلمت أن الجوار ليس مجرد مشاركة مكان، بل مشاركة حياة؛ أن تفتح بيتك يعني أن تفتح قلبك، وأن تمنح من وقتك واهتمامك كما تمنح من طعامك ومأواك.
لم يكتفِ المستشار بتوفير المأوى لي ولزوجتي، بل وفّر لي فرصة عمل ضمن الجهد الإغاثي الذي كان يقوده في مخيمه—مخيم منتزه النخيل—الذي أسسه في محيط منزله في تل السلطان، ثم نقله إلى المواصي، وانتقلت معه جهوده الإنسانية في توفير المأوى، والطعام، والشراب، والملابس، والخيام، وغيرها.
أما الأهم من ذلك كله بالنسبة لي، فقد كان فتحه بابًا واسعًا من أبواب العلم، إذ أتاح لي شرف المشاركة في عدد من كتبه التي ألّفها خلال فترة الحرب، منها كتابه عن الحرب «ليالي الصدمة والذهول»، وكتابه الذي جمع فيه شهادات النازحين «حكايات لم تكتمل»، وأخيرًا كتابه الذي وثّق فيه سيرته «سنوات العمر».
لقد فتحت لي هذه التجربة آفاقًا جديدة في فهم التاريخ والسياسة والحياة، حتى خُيّل إليّ أن تاريخ القضية الفلسطينية، وتاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، باتا أمامي رأيَ العين، أراهما وأعايش تفاصيلهما يومًا بيوم.
الحياة مع المستشار د. أحمد يوسف كانت مدرسةً حقيقية، ودروسًا يومية. تعلمت خلالها كيف أكتب، وكيف أفكر، وكيف أقرأ، وكيف أتعلم. وأستطيع القول إن هذين العامين برفقة المستشار أعادا صياغة طريقة تفكيري تجاه الحياة.
خلال هذين العامين، شهدت مواقف لا تُنسى؛ لحظات فرحٍ صغيرة وسط الحزن، ومواقف تضامن تعكس أجمل ما في الإنسان. كنا نحتفل بأبسط الأشياء، ونجد في الضحكة المشتركة مقاومةً صامتة لكل ما حولنا من ألم. لقد كانت العلاقة التي نشأت في تلك الفترة أعمق من أي علاقة عادية، لأنها وُلدت في رحم المعاناة.
كما تعلمت من المستشار الكثير عن نفسي؛ أدركت أن الإنسان أقوى مما يظن، وأن القدرة على التكيف هي سر البقاء. لكن الأهم من ذلك كله، أنني أدركت قيمة وجود أشخاص مثل المستشار د. أحمد يوسف في حياتنا؛ أشخاص لا يترددون في العطاء، ولا ينتظرون مقابلًا، بل يرون في مساعدة الآخرين واجبًا إنسانيًا قبل أن يكون خيارًا.
واليوم، وبعد مرور عامين كاملين، أنظر إلى تلك التجربة بعينٍ مختلفة. لم تكن مجرد فترة صعبة مررت بها، بل كانت مدرسةً حقيقية في الإنسانية. علمتني أن الخير لا يزال موجودًا، وأن في كل أزمة فرصة لاكتشاف أجمل ما في الناس.
قد تنتهي الحروب، وقد تتغير الظروف، لكن الذكريات التي تُبنى على مواقف صادقة تبقى خالدة. سيبقى بيت المستشار د. أحمد يوسف في ذاكرتي رمزًا للأمان، وسيبقى اسمه مرتبطًا في وجداني بمعنى الجوار الحقيقي، والإنسانية الصادقة، والثقافة الواسعة.
لم يكونا عامين عابرين، بل رحلة إنسانية عميقة، تركت في نفسي أثرًا لا يُمحى. وفي عالمٍ يمتلئ بالتقلبات، تبقى مثل هذه التجارب هي ما يعيد إلينا الإيمان بالإنسان.

أحدث الأخبار