مدار نيوز \
يتم قطاع غزة عاماً كاملاً منذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار الذي وُقع في مدينة شرم الشيخ المصرية في أكتوبر 2025، إلا أن الواقع الميداني لا يزال يعكس صورة مغايرة تماماً لما نصت عليه التفاهمات. فبدلاً من الاستقرار، يواجه الفلسطينيون نمطاً من الحرب المستمرة وإدارة الأزمة التي أبقت الوضع الأمني والإنساني في حالة من الهشاشة القصوى.
وأفادت مصادر رسمية بأن الخروقات الإسرائيلية للاتفاق لم تتوقف، حيث سُجل أكثر من 5147 خرقاً خلال العام المنصرم، شملت عمليات قصف مدفعي واستهدافات جوية وعمليات برية محدودة. هذه الاعتداءات أدت إلى ارتقاء 1445 شهيداً وإصابة أكثر من 5000 آخرين منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ، مما يفرغ التهدئة من مضمونها الفعلي.
وعلى الصعيد الإنساني، يعيش نحو 1.5 مليون نازح في ظروف قاسية داخل الخيام ومراكز الإيواء التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة. ومع اقتراب فصل الشتاء، تتزايد المخاوف من كارثة جديدة، حيث تشير البيانات إلى أن 60% من الخيام الموجودة في القطاع باتت مهترئة وغير صالحة للاستخدام، مما يهدد حياة الآلاف من العائلات.
وفيما يخص المساعدات، كشفت مصادر في المكتب الإعلامي الحكومي عن عرقلة متعمدة لدخول القوافل الإغاثية، حيث لم يسمح الاحتلال إلا بدخول 35% فقط من عدد الشاحنات المتفق عليه. هذا النقص الحاد أدى إلى تفاقم أزمة الغذاء والدواء، وعطل عمليات إعادة الإعمار التي كان من المفترض أن تبدأ فور توقف العمليات العسكرية الواسعة.
القطاع الصحي بدوره يترنح تحت وطأة الحصار، حيث يواجه 12 ألف مريض سرطان خطر الموت المحقق نتيجة فقدان العلاج الإشعاعي ومنعهم من السفر. وتؤكد التقارير الطبية أن القيود المفروضة على المعابر حالت دون مغادرة آلاف الجرحى والمرضى الذين يحتاجون لتدخلات جراحية عاجلة غير متوفرة في مستشفيات غزة المنهكة.
وأظهرت إحصائيات وزارة الصحة لعام 2025 أرقاماً مفزعة، حيث سجلت أكثر من 24 ألف حالة وفاة، كان الاستهداف الإسرائيلي المباشر سبباً في 70% منها. كما سجلت المحافظات الشمالية ومدينة غزة أعلى نسب الوفيات، مما يعكس تركز العمليات العسكرية والخروقات في المناطق المكتظة بالسكان رغم وجود اتفاق التهدئة.
وفي شهادات لمواطنين من القطاع، أعرب المختار أبو أحمد جويد عن خيبة أمل السكان الذين وجدوا أنفسهم في حلقة مفرغة من الوعود دون تحقيق تقدم ملموس. وأكد جويد أن المطلب الأساسي للناس هو السلام الحقيقي الذي يضمن العودة إلى المناطق المهجرة وفتح المعابر بشكل كامل لإنهاء الاعتماد الكلي على المساعدات الإغاثية.
الاتفاق بقي على الورق ولم يحقق الأمن، والمواطنون يريدون العيش دون خوف من القصف المستمر وفتح المعابر لإنقاذ ما تبقى من حياتهم.
من جانبه، أشار المواطن محمد الدرباشي من خان يونس إلى أن قطاع البناء، الذي يعد المحرك الأساسي للاقتصاد المحلي، لا يزال مشلولاً بسبب منع إدخال المواد الأساسية. واعتبر الدرباشي أن تحريك عجلة الاقتصاد هو السبيل الوحيد لانتشال آلاف الأسر من براثن الفقر والبطالة التي تفشت بشكل غير مسبوق بعد الحرب.
أما النازحون في مخيمات الوسطى، فيصفون تجربة النزوح المتكرر بأنها استنزاف نفسي وجسدي لا ينتهي، حيث يطالب شوقي فسيفس بإجراءات ملموسة على الأرض بدلاً من الشعارات. ويرى فسيفس أن العودة إلى الديار هي الحق الطبيعي الذي يجب أن يكفله أي اتفاق دولي، بعيداً عن سياسة المماطلة التي يتبعها الاحتلال.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الاحتلال لا يزال يسيطر على مفاصل الحركة في القطاع، حيث سُمح لعدد محدود جداً من المسافرين بالمغادرة مقارنة بالترتيبات الأصلية. هذا التضييق شمل أيضاً الكوادر الطبية والطلاب والحالات الإنسانية، مما حول قطاع غزة إلى سجن كبير رغم الإعلان الرسمي عن وقف إطلاق النار.
وحذرت جهات حقوقية من انهيار المباني المتصدعة التي خلفتها الحرب، حيث يوجد أكثر من 255 مبنى آيلاً للسقوط يهدد حياة القاطنين حولها. وتفتقر طواقم الدفاع المدني للمعدات اللازمة لإزالة الركام أو تدعيم هذه المنشآت، نتيجة منع الاحتلال إدخال الآليات الثقيلة والمعدات الفنية اللازمة.
وفيما يخص وفيات الأطفال، سجل التقرير الصحي ارتفاعاً مقلقاً في معدلات الوفاة بين الأطفال دون سن الخامسة، لتصل إلى 33.4 حالة لكل ألف مولود. ويعزو الخبراء هذا الارتفاع إلى سوء التغذية، وتلوث المياه، ونقص التطعيمات الأساسية، بالإضافة إلى البيئة غير الصحية في مخيمات النزوح المكتظة.
وبلغت الحصيلة الإجمالية لضحايا العدوان منذ أكتوبر 2023 أرقاماً غير مسبوقة في التاريخ الحديث، حيث تجاوز عدد الشهداء 74 ألفاً، أغلبهم من النساء والأطفال. هذه الأرقام تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه فشل تثبيت وقف إطلاق النار وحماية المدنيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ختاماً، يطالب المكتب الإعلامي الحكومي والمنظمات الأممية بضرورة التدخل العاجل للضغط على سلطات الاحتلال لتنفيذ بنود اتفاق شرم الشيخ. ويشدد الفلسطينيون على أن أي تهدئة لا تضمن فتح المعابر وإعادة الإعمار وحرية الحركة تظل اتفاقاً منقوصاً يخدم أهداف الاحتلال في إطالة أمد المعاناة الإنسانية.






