«طوفان الترشّح» في مؤتمر حركة فتح الثامن رأي من داخل المؤتمر بقلم عيسى قراقع

«طوفان الترشّح» في مؤتمر حركة فتح الثامن رأي من داخل المؤتمر بقلم عيسى قراقع

«طوفان الترشّح» في مؤتمر حركة فتح الثامن لا يمكن قراءته فقط بوصفه تنافسًا على المناصب، بل بوصفه ظاهرة سياسية ونفسية وتنظيمية تعبّر عن تحولات عميقة داخل الحركة نفسها.

حين يترشّح هذا العدد الكبير للمواقع القيادية، فذلك يحمل أكثر من معنى في الوقت نفسه، بعضها إيجابي وبعضها يكشف أزمة كامنة.

أولًا، هناك معنى يرتبط بـ«الجوع إلى المشاركة».

الحركات التاريخية الطويلة العمر، خاصة حركات التحرر، تنتج أجيالًا واسعة ترى نفسها شريكة في التاريخ والتضحية والشرعية. كل مناضل يشعر أنه ساهم في بناء الرواية الوطنية، ولذلك يرى أن له حقًا أخلاقيًا في أن يكون حاضرًا في القيادة، لا مجرد تابع لها.
كأن الترشح هنا يصبح إعلانًا: «أنا موجود في ذاكرة الحركة، ولست هامشًا فيها».

لكن من جهة أخرى، كثرة المرشحين قد تعبّر عن أزمة ثقة بالبنية القيادية التقليدية فعندما يشعر الأفراد أن النظام الداخلي لم يعد قادرًا وحده على إنتاج النخب، يتحول الترشح الجماعي إلى محاولة لكسر الاحتكار الرمزي للقيادة.

الترشيح هنا ليس فقط رغبة في الفوز، بل احتجاج غير معلن على فكرة «القيادة المغلقة».

في فلسفة التنظيمات الثورية، يحدث هذا عادة عندما تنتقل الحركة من مرحلة «الرمز الواحد» إلى مرحلة «تعدد مراكز الشرعية».

المناضل القديم، والأسير، والمثقف، والقائد الميداني، والكوادر الشابة، جميعهم يريدون تعريف معنى الشرعية من جديد: هل الشرعية تأتي من التاريخ؟
أم من السجن؟
أم من الجماهير؟
أم من الكفاءة؟
أم من القدرة على إدارة السلطة؟
لذلك يصبح المؤتمر أشبه بساحة لإعادة تعريف الذات الجماعية للحركة.
هناك أيضًا بُعد نفسي عميق.

في زمن الانقسامات والحروب والتحولات الكبرى، يشعر كثيرون بالخوف من الغياب أو التهميش أو النسيان.

الترشح يصبح مقاومة رمزية للمحو.
وكأن كل مرشح يقول:«لن أخرج من الصورة الوطنية بصمت».

وفي الحالة الفلسطينية تحديدًا، فإن كثرة الترشح تحمل بعدًا وجوديًا.

لأن الفلسطيني يعيش دائمًا تحت تهديد الإلغاء: الأرض مهددة، الذاكرة مهددة، التمثيل السياسي مهدد.

لذلك فإن السعي نحو الموقع القيادي لا يكون دائمًا بحثًا عن سلطة بقدر ما هو محاولة لإثبات الحضور داخل التاريخ الفلسطيني نفسه.

لكن الظاهرة تحمل خطرًا أيضًا. إذا تحوّل الترشح إلى سباق أفراد لا مشروع جماعي، فإن الحركة تدخل ما يمكن تسميته «تضخم الأنا التنظيمية»، حيث يصبح كل شخص مشروع قيادة مستقلة، وتضعف الفكرة الجامعة.

عندها تتحول الحركة من «حركة تحرر» إلى «سوق شرعيات».

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: كم شخص ترشّح؟

بل:هل كان الترشح تعبيرًا عن حيوية ديمقراطية داخل حركة فتح، أم تعبيرًا عن قلق وجودي داخلها؟ ام استسهال الوصول للمواقع لأن الحركة فقدت معاييرها التنظيمية وحلت محلها العلاقات العامة؟

الفرق في كل ذلك يحمل مفارقات متناقضة،
فالحركة الحية تنتج كثرة مرشحين لأنها مليئة بالأفكار والطموحات.

أما الحركة القلقة فتنتج كثرة مرشحين لأن الجميع يخشى الفراغ القادم، وتطمح للتغيير والتجديد.

الحيوية في المؤتمر كانت عظيمة، استفتاء على الإصرار على حماية الحركة، وضخ دماء جديدة فيها، وتشعر أن كل مكونات الشعب الفلسطيني في المؤتمر، حوافز متوثبة تريد أن تطلق حصانها في الساحة، أن تتحرر من الجمود والشخصيات المعلبة.

 

أحدث الأخبار