طواحين الضوء من ركام الحرب.. نازحون في غزة يبتكرون حلولاً بديلة لمواجهة العتمة

طواحين الضوء من ركام الحرب.. نازحون في غزة يبتكرون حلولاً بديلة لمواجهة العتمة

مدار نيوز \

في ظل الحصار المطبق وغياب أدنى مقومات الحياة الأساسية، يحاول النازحون في مخيمات منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة ابتكار وسائل بديلة لإنتاج الطاقة. يعتمد هؤلاء المبتكرون على ما تبقى من حطام المنازل التي دمرها جيش الاحتلال ومخلفات الورش والمزارع لصناعة طواحين هوائية بدائية تولد الكهرباء.

تأتي هذه المبادرات الفردية لمواجهة الظلام الدامس الذي يلف خيام النزوح، حيث يسعى السكان لتوفير قدر بسيط من التيار الكهربائي لإضاءة خيامهم وشحن هواتفهم وبطارياتهم. تعكس هذه المحاولات حجم المعاناة الإنسانية وقدرة الفلسطينيين على التكيف مع انهيار البنية التحتية للطاقة نتيجة العدوان المستمر.

بإمكانات محدودة للغاية، نجح النازحون في تحويل قطع من الدراجات الهوائية والسيارات والبراميل البلاستيكية ومحركات السكوتر إلى توربينات هوائية فعالة. تستفيد هذه الأجهزة من حركة الرياح في المناطق الساحلية لإنتاج طاقة كهربائية، في ظل صعوبة الحصول على الوقود أو المعدات الكهربائية التقليدية.

يقول النازح صالح بن حسن، الذي هُجر من رفح إلى مواصي خان يونس إن الحاجة الملحة للكهرباء هي ما دفعتهم للتفكير في هذه الوسائل البديلة. وأوضح أنهم خاضوا تجارب عديدة لم تنجح في البداية، حتى تمكنوا بمساعدة المهندس أبو أيمن من إنجاز أول توربين هوائي يعمل بكفاءة.

أكد بن حسن أن الكهرباء لم تعد ترفاً بل ضرورة قصوى لتلبية الاحتياجات الصحية للأطفال وشحن الهواتف التي تمثل وسيلة التواصل الوحيدة. وقد وفر هذا الابتكار على النازحين عناء السير لمسافات طويلة بحثاً عن نقاط شحن، فضلاً عن تخفيف الأعباء المالية الكبيرة التي كانت ترهقهم.

يأمل القائمون على المشروع أن تنتشر هذه التجربة في كافة مخيمات النزوح كحل عملي يعتمد على الموارد المتاحة والرياح دون تكاليف باهظة. وأشاروا إلى أن منطقة المواصي تفتقر تماماً للبنية التحتية الكهربائية، حيث لا توجد أعمدة أو شبكات تغذية، مما جعل الابتكار المحلي ضرورة حتمية.

من جانبه، أوضح المهندس كمال محمد الدباري أن الوصول إلى النموذج الحالي استغرق قرابة شهر من العمل المتواصل والمحاولات المتكررة. الدباري الذي نزح من منطقة الشوكة في رفح، استخدم خبرته الهندسية لتحويل مخلفات الورش المدمرة إلى مصدر للطاقة يخدم جيرانه في المخيم.

أشار الدباري إلى أن المشروع تطلب نحو 12 محاولة فاشلة قبل الوصول إلى النتيجة النهائية بسبب نقص الأدوات وقطع الغيار الأساسية. كما لفت إلى الارتفاع الجنوني في أسعار المواد البسيطة، حيث وصل سعر سيخ اللحام الواحد إلى مبالغ طائلة في ظل تدمير قوات الاحتلال لمعظم الورش والمخارط.

كانت كل مرحلة من مراحل التصنيع تتطلب تعديلات فنية دقيقة، بين تركيب التوربين واختباره ثم إنزاله لإعادة الضبط مرة أخرى. واليوم، ينجح هذا التوربين البدائي في توفير الإنارة لنحو 12 خيمة، مما يمنح العائلات النازحة بصيصاً من الأمل في مساحة تفتقر لأي مصدر منتظم للطاقة.

استذكر المهندس الدباري تجربته السابقة في رفح قبل تدمير منزله، حيث كان يمتلك مولداً أكثر تطوراً يشغل الأجهزة المنزلية والتلفاز. وأكد أن الظروف الحالية قاسية جداً بسبب فقدان المواد الخام وتدمير الورش، لكن الحاجة الماسة للكهرباء لم تترك له خياراً سوى إعادة المحاولة من الصفر.

بدوره، يرى النازح إسماعيل بن حسن أن التوربين الهوائي أحدث فارقاً ملموساً في حياة سكان المخيم الذين باتوا يقصدونه لشحن أجهزتهم. واعتبر أن هذه الفكرة، رغم بساطتها التقنية، تمثل حلاً جماعياً يخدم عشرات الأسر ويخفف من وطأة الحصار الخانق المفروض على القطاع.

تتزامن هذه الابتكارات مع دمار واسع ألحقه جيش الاحتلال بقطاع الطاقة، حيث تشير الإحصاءات الرسمية إلى تدمير آلاف الكيلومترات من الشبكات والمحولات. وقد حُرم القطاع من مليارات الكيلوواط/ساعة من الكهرباء، وخرجت معظم المولدات عن الخدمة نتيجة الاستهداف المباشر أو نقص الزيوت.

تُقدر الخسائر الأولية في قطاع الكهرباء بنحو ملياري دولار، مما أثر بشكل كارثي على المستشفيات ومرافق المياه والصرف الصحي. وبحسب تقارير دولية، فإن نحو 80% من أصول توليد وتوزيع الكهرباء في غزة تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي، مما يتطلب مبالغ ضخمة لإعادة الإعمار.

تظل تجربة النازحين في مواصي خان يونس شاهداً حياً على إرادة البقاء في مواجهة سياسات التجهيل والعتمة التي يفرضها الاحتلال. إن تحويل الأنقاض إلى أدوات للحياة يؤكد أن الشعب الفلسطيني قادر على انتزاع حقوقه الأساسية وابتكار حلوله الخاصة حتى في أحلك الظروف الإنسانية.

أحدث الأخبار