مدار نيوز \
صدر حديثاً عن دار الجامعة الأنطونية كتاب جديد بعنوان «شغَفٌ وشغب»، يضم مجموعة من الدراسات والشهادات حول مسيرة المؤرخ والمفكر اللبناني البارز فواز طرابلسي. ويأتي هذا الإصدار ضمن برنامج «اسم علَم» الذي تشرف عليه الأكاديمية باسكال لحود، ويهدف إلى تكريم القامات الفكرية والفلسفية التي تركت بصمة واضحة في المشهد الثقافي العربي.
وصفت باسكال لحود في تقديمها للكتاب طرابلسي بأنه أحد أبرز المثقفين العرب المعاصرين وصناع سياسة المعارضة اليسارية في لبنان. وأشارت إلى أنه لم يكتفِ بالعمل السياسي التقليدي، بل سعى بعمق لفهم التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي شكلت تاريخ المنطقة، مما جعله يستحق لقب المثقف الشمولي بامتياز.
وُلد فواز طرابلسي في بيروت عام 1941 لعائلة تعود جذورها إلى منطقة مشغرة في البقاع الغربي، ونشأ في بيئة أدبية بكونه حفيد الشاعر عيسى إسكندر المعلوف. بدأت ملامح وعيه السياسي تتشكل مبكراً مع وقوع نكبة فلسطين عام 1948، وهو الحدث الذي طبع مسيرته النضالية التي انطلقت فعلياً من الحركة الطلابية في ستينيات القرن الماضي.
تنقل طرابلسي في محطات سياسية عديدة، حيث بدأ مسيرته في حزب البعث قبل أن ينتقل إلى رحاب الفكر الاشتراكي والماركسي اللينيني. ساهم بشكل فعال في تأسيس تجربة «لبنان الاشتراكي»، ثم انخرط في قيادة منظمة العمل الشيوعي، حيث كان فاعلاً في نشاط الحركة الوطنية اللبنانية خلال فترات الصراع المحتدم.
بعد سنوات من العمل الحزبي الميداني، قرر طرابلسي التفرغ للبحث الأكاديمي في باريس، حيث تخصص في التاريخ الحديث. أثمرت هذه المرحلة سلسلة من المؤلفات والترجمات الهامة التي تناولت تاريخ لبنان الاقتصادي والاجتماعي، بالإضافة إلى تأسيسه لمجلات فكرية رائدة مثل مجلة «بدايات» التي تعنى بقضايا التجديد الثقافي.
تضمن الكتاب مداخلة للمفكر المغربي عبدالإله بلقزيز، وصف فيها طرابلسي بأنه نموذج للمثقف الملتزم بقضايا الشعوب العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وأكد بلقزيز أن كتابات طرابلسي، ولا سيما «زمن اليسار الجديد»، تعد وثيقة تاريخية لا غنى عنها لفهم التحولات السياسية في لبنان وسوريا وفلسطين والعراق.
استعرض بلقزيز كيف أثرت نكبة فلسطين واغتصاب الأرض ولجوء الشعب الفلسطيني إلى لبنان في تكوين وجدان طرابلسي. وأوضح أن هزيمة عام 1967 مثلت نقطة تحول كبرى في فكره، حيث اعتبرها دليلاً على فشل الأنظمة العربية البورجوازية، مما دفعه للبحث عن بدائل ثورية أكثر جذرية في إطار اليسار الجديد.
قدم طرابلسي مراجعات نقدية جريئة لمسيرة الحركة الوطنية، حيث انتقد انزلاق بعض القوى من تأييد القضية الفلسطينية كمدخل للإصلاح إلى الاعتماد المفرط على السلاح. وفي الوقت ذاته، حمّل طرابلسي «الجبهة اللبنانية» المسؤولية الكبرى في تحويل النزاع السياسي إلى صراع عسكري مسلح بسبب تصلب مواقفها تجاه الوجود الفدائي والإصلاح.
من جانبه، قدم الكاتب العراقي فخري كريم شهادة حول دور طرابلسي في دعم المناضلين العرب والشيوعيين الذين اضطروا للعيش في المنفى. ووصفه بأنه كان حلقة وصل مميزة بين القوى الوطنية اللبنانية والمناضلين العراقيين، محتفياً به كمؤرخ لم يسجن نفسه في الماضي وماركسي ظل يراجع أفكاره باستمرار.
اعتبر المتخصص الاقتصادي كمال حمدان أن طرابلسي يمثل نموذجاً للمثقف النقدي الذي رفض الجمود العقائدي. وأكد حمدان أن إسهامات طرابلسي في تجديد الفكر اليساري العربي اعتمدت على منهج علمي مادي يكشف المصالح الحقيقية للأطراف المتصارعة بعيداً عن الشعارات الأيديولوجية الجاهزة والمختزلة للواقع.
تناول الباحث الفلسطيني سليم تماري إسهامات طرابلسي في سوسيولوجيا الثقافة، مشيراً إلى قدرته الفائقة على ربط الفن بالاقتصاد والسياسة. واستشهد تماري بدراسات طرابلسي حول الثقافة الشعبية ودور المرأة في صناعة الحرير، وكيفية ارتباط رقصة «الدبكة» بالطقوس الزراعية في بلاد الشام وتوازنات القوى الريفية.
تطرقت باسكال لحود في دراستها ضمن الكتاب إلى شغف طرابلسي بفن فيروز والأخوين رحباني، حيث حلل مسرحهم من منظور واقعي وتاريخي. ورأى طرابلسي أن مسرحية «جبال الصوان» كانت رداً فنياً على هزيمة عام 1967، بينما مثلت مسرحيات أخرى انعكاساً لمشاريع بناء الدولة والصراعات الأيديولوجية في لبنان.
يرى طرابلسي أن مسرح الرحابنة قدم نماذج رمزية للواقع اللبناني، تحولت بمرور الوقت من البحث عن تسويات ومسامحة متبادلة إلى التشكيك في أيديولوجية المصالحة نفسها. ويعكس هذا التحليل قدرة المفكر المحتفى به على استنطاق الفن وتحويله إلى أداة لفهم الصراعات الاجتماعية والسياسية العميقة التي تعصف بالمنطقة.
يختتم الكتاب بالتأكيد على أن فواز طرابلسي يظل صوتاً نقدياً حراً، استطاع عبر عقود من الكتابة والنضال أن يجمع بين «الشغف» بالمعرفة والفن و«الشغب» السياسي ضد الواقع المتردي. وتعد هذه المجموعة من الشهادات تكريماً لمسيرة طويلة من الالتزام بقضايا التحرر والعدالة الاجتماعية في الوطن العربي.






