غزة/سما- تجلس أم خالد طافش في غرفة بمدرسة خليل الوزير بقطاع غزة منذ أكثر من عام، عاجزة عن مغادرة مكانها بعد فقدان الكرسي المتحرك الذي كان وحيدتها للحركة والتواصل بالعالم الخارجي. تعاني المرأة الستينية من السمنة المفرطة والمشاكل الصحية المزمنة، بينما حملت الحرب والنزوح طبقات إضافية من المعاناة جعلتها سجينة المكان الضيق الذي تأوي إليه.
لطالما عاشت أم خالد مع تحديات صحية قاسية تعود جذورها إلى عقود مضت. تقول إنها تعاني السمنة المفرطة منذ أكثر من ثلاثين عاماً، منذ كانت في منتصف العشرينيات، إلى جانب مشاكل في الغدد أثّرت بعمق على جودة حياتها. وصل وزنها في فترة ما إلى حوالي 162 كيلوغراماً، ما جعل جسدها يحتاج إلى الدعم والمساعدة المستمرة للقيام بأبسط متطلبات الحياة اليومية.
لكن الحرب أضافت معاناة جديدة إلى محنتها. أثناء عمليات النزوح المتكررة والتنقل بين أماكن الإيواء، فقدت أم خالد الكرسي المتحرك الذي كان يمنحها نافذة صغيرة للعالم. عاشت فترة في مدرسة أخرى قبل أن تعود إلى غزة، إلا أن الكرسي لم يعد معها. منذ تلك اللحظة، حُوصرت في المكان الواحد، غير قادرة على الحركة أو الخروج. تقول بحسرة: "من سنة وشهرين وأنا قاعدة في نفس المكان، لا بشوف بشر".
تعتمد أم خالد بالكامل على أفراد أسرتها في البقاء على قيد الحياة. لديها خمسة أبناء، ثلاثة أولاد وبنتان، أحدهم في الجنوب والآخر يعيش معها. يتولى ابنها غير المتزوج مسؤولية رعايتها الأساسية، يساعدها في الاستحمام والنظافة الشخصية وكل جوانب حياتها اليومية. لكن هذه المهمة ليست يسيرة، خاصة في ظل ظروف النزوح والحرب والافتقار إلى البنية التحتية والمستلزمات الطبية.
تعاني أم خالد من مضاعفات صحية ناتجة عن بقاءها في وضعية واحدة لفترات طويلة بلا حركة كافية. تواجه مشاكل جلدية متكررة في مناطق مختلفة من جسدها، خاصة أسفل الجسم والمنطقة تحت الصدر، تستلزم عناية مستمرة وتنظيفاً منتظماً وكريمات ومساحيق للعناية بالجلد. احتياجاتها الأساسية للنظافة والعناية الشخصية، التي تبدو عادية في الظروف العادية، تصبح معقدة جداً في ظل أزمة النزوح وغياب الخدمات والموارد.
حلم أم خالد بسيط لكنه بات بعيد المنال: أن تخطو خطوات خارج غرفتها، أن ترى الشمس، أن تلتقي بالناس وجهاً لوجه، أن تشعر بأن العالم ما يزال موجوداً. تقول: "كانت نفسي أطلع، أروح وأجي وأشوف الناس برة"، لكن واقعها الحالي يحبسها في مكان واحد. كرسي متحرك واحد قد يكون بالنسبة إليها أكثر من قطعة معدات طبية، قد يكون بوابتها الوحيدة لاستعادة قدر من الاستقلالية وعودتها إلى الحياة خارج جدران غرفتها الضيقة.
