يُصيب ذهان ما بعد الولادة امرأة إلى امرأتين من كل ألف خلال الأيام أو الأسابيع الأولى بعد الولادة، وهو اضطراب نفسي حاد وخطير يسبب فقدان الاتصال بالواقع، ويُعتبر حالة طبية طارئة تستدعي علاجاً فورياً نظراً لاحتمال تعريض الأم أو الرضيع للخطر، بحسب خدمات الصحة الوطنية البريطانية.
يختلف ذهان ما بعد الولادة عن اكتئاب ما بعد الولادة من حيث الأعراض والخطورة. فاكتئاب ما بعد الولادة أكثر شيوعاً ويظهر في صورة حزن مستمر وفقدان الاهتمام والقلق والإرهاق والشعور بالذنب. أما ذهان ما بعد الولادة فهو اضطراب نادر يتضمن هلاوس سمعية أو بصرية، وأوهام، وارتباك شديد في التفكير، وتقلبات حادة في المزاج.
تشاركت نساء تجاربهن مع هذا الاضطراب. تروي إحداهن أنها كانت تسمع أصواتاً تستحثها على إيذاء طفلها في المطبخ، وأن تلك الأصوات كادت تسيطر عليها بالكامل. أخرى وصفت معاناتها بـ"أصعب تجربة"، حيث شعرت أنها فقدت صوابها من شدة التعب والإرهاق والألم الجسدي بعد الولادة المتعسّرة.
توضح أخصائية علم النفس الإكلينيكي ديما حداد أن الأعراض الأولى قد لا تبدأ بهلاوس أو أوهام مباشرة، بل تسبقها علامات إنذارية قد تبدو للبعض مجرد إرهاق عادي بعد الولادة، مثل اضطراب شديد في النوم أو انعدام النوم لعدة ليالٍ، وارتباك واضح في التفكير، وتقلبات حادة في المزاج، وازدياد الشك والارتياب، وكلام غير مترابط أو سلوك غير معتاد.
مع تطور الحالة قد تبدأ الأم بسماع أصوات غير موجودة أو ببناء معتقدات خاطئة وثابتة لا تتوافق مع الواقع، مثل اعتقادها أن طفلها في خطر غير حقيقي أو أن لديها مهمة استثنائية يجب تنفيذها. كشفت دراسة على 108 نساء أُصبن باضطرابات نفسية حادة بعد الولادة أن 53 في المئة منهن كان لديهن أوهام مرتبطة بالرضيع، مثل اعتقادهن أن الطفل شيطان أو أنه طفل شخص آخر.
تؤكد حداد أن من المهم إدراك أن الأم لا تختار هذه الأعراض، وأنها تمرّ باضطراب نفسي حاد يؤثر في إدراكها للواقع، لذلك لا يفيد لومها أو محاولة إقناعها بالقوة بأن أفكارها غير صحيحة. دور الأسرة يتمثل في الحفاظ على سلامة الأم والرضيع، وعدم تركها بمفردها عند ظهور أعراض ذهانية، والتواصل الفوري مع الطبيب النفسي أو قسم الطوارئ.
هناك مؤشرات واضحة تستدعي التعامل مع حالة الأم باعتبارها طارئة، خصوصاً عند ظهور أعراض ذهانية مثل سماع أصوات أو رؤية أشياء غير موجودة، أو وجود معتقدات غير واقعية وثابتة، أو فقدان القدرة على التمييز بين الواقع والخيال. كما تشمل علامات الخطر الحديث عن إيذاء النفس أو الرضيع، والهياج الشديد، والسلوك الاندفاعي أو العدواني.
قد تتطلب بعض الحالات إدخال الأم إلى المستشفى لضمان سلامتها وسلامة طفلها، والبدء بالعلاج الدوائي والمتابعة المكثفة، لا سيما عند وجود أفكار لإيذاء النفس أو الطفل، أو هلاوس آمرة تأمر بإيذاء الرضيع، أو ضلالات تتعلق به، أو هياج شديد. لكن إدخال الأم إلى المستشفى لا يعني بالضرورة فصلها عن طفلها؛ فبعض البلدان توفر وحدات أم وطفل حيث تتلقى الأم العلاج النفسي مع بقاء الطفل معها في بيئة آمنة، مما قد يقلل من خطر اضطراب العلاقة بينهما.
لا يوجد سبب واحد لذهان ما بعد الولادة، بل ينتج غالباً عن تفاعل عوامل بيولوجية ووراثية ونفسية. يُعد اضطراب ثنائي القطب والتاريخ السابق لذهان ما بعد الولادة والتاريخ العائلي للاضطرابات الذهانية من أبرز عوامل الخطورة. قد تسهم التغيرات الهرمونية والمسجد الأقصى المباركان الشديد من النوم في تحفيز الحالة، لكن لا يمكن الوقاية من جميع الحالات، وتجب المتابعة الدقيقة قبل الولادة وبعدها.
يبقى التعامل مع الأم بداعمة وهادئة ضرورياً، مع الالتزام بالخطة العلاجية التي يضعها الفريق الطبي. وبعد الخروج من المستشفى، يُوصى بوضع خطة علاج وإدارة مخاطر مخصصة لضمان سلامة الأم والطفل والعمل على استعادة الثقة والعلاقة بينهما.
