مدار نيوز \
أظهر تحليل جديد لبيانات تجربة سريرية أن عقار “رينتوسيرتيب” التجريبي، الذي طوّرته شركة “إنسيليكو ميديسين” باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لعلاج التليف الرئوي مجهول السبب، ارتبط بانخفاض في مؤشرات تقدّر العمر البيولوجي للمرضى، لكن الباحثين يؤكدون أن النتائج الأولية لا تثبت أن العقار يعكس الشيخوخة أو يبطئها فعليًا.
ونُشرت الدراسة في دورية “Nature Biotechnology” في 7 أيلول/سبتمبر 2026، واعتمدت على إعادة تحليل عينات دم جُمعت خلال تجربة سريرية من المرحلة الثانية “2a”، كانت نتائجها الأساسية قد نُشرت في دورية “Nature Medicine” في حزيران/يونيو 2025.
وكانت التجربة الأصلية قد شملت 71 مريضًا بالتليف الرئوي مجهول السبب في 21 مركزًا بالصين، ووزعت المشاركين عشوائيًا على ثلاث جرعات مختلفة من “رينتوسيرتيب” أو علاج وهمي لمدة 12 أسبوعًا. ووجدت الدراسة آنذاك إشارات إلى تحسن وظائف الرئة لدى بعض متلقي العقار، ولا سيما في المجموعة التي تناولت 60 مليغرامًا مرة واحدة يوميًا.
وفي التحليل الجديد، وافق 43 مشاركًا على فحص عينات مصل الدم، لكن أحدهم استُبعد لعدم توافر قياس في نهاية التجربة، لتستند النتائج النهائية إلى بيانات 42 مريضًا، بلغ متوسط أعمارهم 67.1 عامًا.
وقاس الباحثون مستويات 2841 بروتينًا في الدم، ثم حللوا البيانات باستخدام ستة نماذج حسابية تعرف بـ”ساعات الشيخوخة البروتينية”، وهي أدوات إحصائية تستخدم أنماط البروتينات لتقدير جوانب مرتبطة بالعمر البيولوجي أو مخاطر الوفاة.
وتضمنت النماذج المستخدمة ساعات طُورت لدى مجموعات بحثية مختلفة، بينها نماذج للتنبؤ بالعمر الزمني وأخرى صُممت لقياس مؤشرات مرتبطة بمخاطر الوفاة. وأظهرت الساعات الست اتجاهًا عامًا نحو انخفاض العمر البيولوجي المتوقع لدى متلقي العقار مقارنة بمجموعة العلاج الوهمي.
وكانت الإشارة الأوضح بعد أربعة أسابيع من بدء العلاج. وأظهرت بعض النماذج انخفاضًا يناهز ثلاث إلى أربع سنوات في العمر البيولوجي المتوقع، بينما بلغ التغير نحو ست سنوات في أحد النماذج. ومع ذلك، لم تكن جميع المقارنات ذات دلالة إحصائية؛ فمن أصل 54 مقارنة بين الجرعات ونقاط القياس المختلفة، حققت 21 مقارنة معيار الدلالة الذي اعتمده الباحثون.
ولم تقِس الدراسة العمر البيولوجي بصورة مباشرة، بل اعتمدت على تغيرات في بروتينات الدم تُدخل في نماذج حسابية لإنتاج تقديرات للعمر. كما أن هذه الساعات تختلف في الأهداف والبيانات التي دُربت عليها، ولذلك لا تعني قراءة عمر أقل بالضرورة أن جسم المريض أصبح أصغر سنًا بالمقدار نفسه.
وتبرز مشكلة منهجية إضافية في أن المشاركين جميعًا كانوا مصابين بالتليف الرئوي مجهول السبب، وهو مرض شديد يرتبط بتغيرات واسعة في بروتينات الدم. ومن ثم قد يؤدي تحسن المرض نفسه إلى جعل المؤشرات البروتينية تبدو “أصغر سنًا” من دون أن يعني ذلك بالضرورة إبطاء عملية الشيخوخة في الجسم.
وأقر الباحثون بأن ساعات الشيخوخة البروتينية لا تستطيع بمفردها الفصل بصورة نهائية بين أثر العقار في التليف الرئوي وأي تأثير محتمل في العمليات البيولوجية المرتبطة بالتقدم في السن.
وحاول الفريق اختبار هذه الفرضية بمقارنة التحسن في وظائف الرئة بالتغير في تقديرات العمر البيولوجي. ووجد أن الجرعة التي سجلت أفضل تحسن في السعة الحيوية القسرية للرئة لم تكن نفسها التي أظهرت أقوى انخفاض في مؤشرات العمر، كما فسرت تغيرات وظائف الرئة جزءًا محدودًا من الاختلاف في قراءات الساعات. إلا أن الباحثين أكدوا أن ذلك لا يكفي لإثبات وجود تأثير مستقل مضاد للشيخوخة.
وقال أستاذ علم الشيخوخة في كلية الطب بجامعة هارفارد فاديم غلاديشيف، وهو أحد الباحثين المشاركين في الدراسة، إن النتائج تقدم دليلًا على إمكانية خفض العمر البيولوجي المتوقع الذي تقيسه هذه النماذج، لكنه أشار إلى أن حجم العينة الصغير وعدم اختبار العقار على أشخاص أصحاء يجعلان النتائج بعيدة عن الحسم.
وتواجه الدراسة قيودًا إضافية، أبرزها اقتصار التحليل على 42 شخصًا، وقصر فترة المتابعة على 12 أسبوعًا، إضافة إلى أن جميع المشاركين كانوا مرضى بالتليف الرئوي ومن مجموعة سكانية متجانسة نسبيًا في الصين، ما يمنع تعميم النتائج على الأصحاء أو على مجموعات سكانية أخرى.
كما أن شركة “إنسيليكو ميديسين”، المطورة للعقار، كانت راعية التجربة، ويعمل عدد من مؤلفي الدراستين لديها، وهي علاقة أفصح عنها الباحثون في الأوراق العلمية المنشورة.
وكان “رينتوسيرتيب”، المعروف سابقًا باسم “ISM001-055″، قد طُور لاستهداف بروتين “TNIK”، بعدما استخدمت الشركة أنظمة ذكاء اصطناعي في تحديد الهدف الدوائي وتصميم الجزيء المرشح للتأثير فيه.
ولا تقدم النتائج حتى الآن دليلًا على أن العقار يطيل العمر أو يؤخر أمراض الشيخوخة لدى البشر، كما أنها لا تجعله علاجًا للشيخوخة. وما أظهرته الدراسة هو أن تناول العقار لدى مجموعة صغيرة من مرضى التليف الرئوي ترافق مع تغيرات في بروتينات الدم فسرتها ستة نماذج حسابية بوصفها انخفاضًا في العمر البيولوجي المتوقع.
وسيحتاج إثبات أي تأثير مستقل للعقار في الشيخوخة إلى تجارب أكبر وأطول أمدًا، تشمل مجموعات لا تعاني التليف الرئوي، حتى يمكن الفصل بين تحسن المرض الأساسي وبين أي تأثير محتمل في العمليات المرتبطة بالتقدم في العمر.




