دراسة: الإعلام العبري أداة ضغط نفسي لإدارة الإدراك قبل إدارة المعركة

دراسة: الإعلام العبري أداة ضغط نفسي لإدارة الإدراك قبل إدارة المعركة

2026 Aug,15

لم تعد الحروب الحديثة تُحسم وحدها على الميدان؛ بل أصبحت المعركة على الوعي والإدراك موازية للصراع العسكري. تبرز الصحافة العبرية في جزء من تغطياتها بوصفها طرفًا فاعلًا في منظومة واسعة تهدف إلى إدارة الإدراك وصناعة التوقعات وتوجيه السلوك، حيث تتحول الأخبار من مجرد نقل للوقائع إلى أداة ضغط نفسي ورسالة سياسية.

بحسب دراسة تتناول هذه الظاهرة، فإن القضية لا تتعلق بصدق الخبر أو كذبه، بقدر ما تتعلق بطريقة صياغته وما يُراد للجمهور أن يركز عليه أو يتجاهله. تسعى هذه التغطيات إلى صناعة بيئة إدراكية يشعر فيها الخصم بتضاؤل خياراته، وأن الزمن يعمل ضده، وأن الصراع أقرب إلى الحتمية منه إلى القرار السياسي.

لا تمارس هذه الوظيفة دائمًا عبر خطاب مباشر وحاد، بل قد تأتي في صورة تحليل عسكري ظاهره الرصانة، أو تسريب استخباري، أو معلومات منسوبة إلى مسؤولين غير مسمّين، أو قراءة لتحركات الحاملات. تكمن خطورة هذه الحرب الإعلامية في أنها لا تقدم ذاتها بوصفها دعاية، بل ترتدي ثوب التحليل والخبرة والمعلومة الاستخبارية.

تركز الدراسة على ما تسميه "التحكم في الانتباه" كقاعدة أساسية. من يستطيع تحديد الموضوع الذي يركز عليه الجمهور يستطيع، إلى حد بعيد، التأثير في النتائج التي يصل إليها. حين ينشغل الجمهور بحركات الأساطيل والأسلحة والمهل الزمنية، قد لا يلتفت بنفس الدرجة إلى كلفة الحرب الفعلية واحتمالات فشلها والتناقضات السياسية المحيطة بها.

تبرز أيضًا قاعدة "التوقيت كأداة ضغط"، حيث ركزت المقالات على محطات محددة—رمضان والمواعيد السياسية والمهل الزمنية—باعتبارها نقاط تتحول فيها الضغوط النفسية إلى عامل مؤثر في حسابات الطرف الآخر. الرسالة المرسلة ليست أن الحرب ممكنة فحسب، بل أن الوقت ينفد، وأن عدم اتخاذ قرار الآن قد يعني استيقاظًا على واقع جديد.

بالمقابل، لا تقتصر الحرب النفسية على تخويف الخصم؛ فهي تعمل أيضًا على طمأنة الجمهور الداخلي. ظهرت مقالات قللت من حجم التهديدات الخارجية مقابل تضخيم القدرات العسكرية، بحيث يتلقى الجمهور رسالة أن التكنولوجيا ستحسم المعركة، في حين يتلقى الخصم ما يوحي بأن القوة المقابلة هائلة وكلفة المواجهة ستكون فادحة.

تشير الدراسة إلى ظاهرة "التماسك السردي المفرط". حين تُجمع التحركات العسكرية والتصريحات السياسية والتسريبات الاستخبارية في رواية واحدة منسجمة بقوة، يشعر القارئ بأن كل شيء يتحرك وفقًا لسيناريو محدد سلفًا. هذا الإحكام السردي يحذف احتمالات البديل والخطأ والمفاجأة، وهي عناصر دائمة في السياسة والحرب.

تلعب المصادر المجهولة دورًا حاسمًا في بناء هذه السلطة المعرفية. عبارات مثل "مسؤول عسكري رفيع" أو "تقديرات أمنية" تمنح الرواية سلطة لا يستطيع القارئ التحقق منها. وهكذا يتحول المجهول إلى مصدر يقين، وتصبح المعلومة غير القابلة للفحص أكثر تأثيرًا من المعلومة التي يمكن مساءلتها.

تؤكد الدراسة أن ذلك لا يعني أن كل ما تنشره الصحافة العبرية تضليل محض. لكن المطلوب ليس رفضها بالجملة، بل قراءة بنيتها ووظيفتها وسياقها ومصادرها وتوقيتها، والتمييز بين الخبر بوصفه معلومة والخبر بوصفه عملية تأثير نفسي.

يكمن الهدف النفسي للحرب الحديثة في دفع الخصم إلى تدمير خياراته بنفسه. يكفي أن يقتنع بأن الهجوم حتمي حتى يعيد حساباته، وأن يعتقد أن ميزان القوى مختل ساحقًا حتى يدخل المفاوضات من موقع أضعف. من هنا، فإن فلسفة الحرب النفسية لا تقتضي دائمًا إطلاق النار؛ يكفي أحيانًا أن تجعل الخصم يتصرف كما لو أن النار قد بدأت فعلًا.

لا تكون مواجهة هذا النوع من الحرب بالرد الصاخب ولا بإعادة إنتاج الدعاية في الاتجاه المعاكس، بل ببناء وعي نقدي يقرأ الخبر في سياقه، يفحص مصدره، يتساءل عن توقيته، يفكك لغته، ويميز بين المعلومة والتسريب وبين التحليل والتوجيه. حين تنجح الدعاية في احتلال العقل قبل احتلال الأرض، تكون قد قطعت نصف الطريق نحو تحقيق أهدافها.

أحدث الأخبار