مدار نيوز \
من سنان شقديح- أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ترشيح الدبلوماسي المخضرم دونالد بلوم لمنصب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، وهو المنصب الذي يُعد العقل التنفيذي الرئيسي للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط والمسؤول المباشر عن إدارة العلاقات مع الدول العربية وإسرائيل وتركيا وإيران والملفات الإقليمية المرتبطة بها.
ويأتي ترشيح بلوم في وقت ما تزال فيه الولايات المتحدة تعاني من فراغ غير مسبوق في عدد من أهم مواقعها الدبلوماسية في الشرق الأوسط، بما يشمل سفاراتها في السعودية والإمارات وقطر والعراق والكويت، وسط تساؤلات متزايدة حول أسباب هذا التأخير وانعكاساته على النفوذ الأميركي في المنطقة.
وليس بلوم اسماً سياسياً معروفاً لدى الرأي العام، لكنه يُعد من أكثر الدبلوماسيين الأميركيين خبرة في الملف الفلسطيني. وخلال مسيرته المهنية الممتدة لأكثر من ثلاثة عقود، شغل عدداً من المناصب الحساسة داخل وزارة الخارجية الأميركية، من بينها مسؤول ملف فلسطين وإسرائيل، ومدير مكتب شؤون فلسطين، والقنصل العام الأميركي في القدس بين عامي 2015 و2018، ثم سفيراً للولايات المتحدة في تونس ولاحقاً في باكستان.
ويتحدث بلوم اللغة العربية، وعمل لسنوات طويلة في ملفات الشرق الأوسط، ما يجعله من القلة داخل المؤسسة الأميركية الذين يمتلكون معرفة مباشرة وميدانية بالمجتمع الفلسطيني. وخلال فترة عمله في القدس كان مسؤولاً عن إدارة العلاقة الأميركية مع الفلسطينيين قبل إغلاق القنصلية الأميركية المستقلة في المدينة، كما شارك في الاتصالات السياسية التي رافقت محاولات إدارة ترامب الأولى إطلاق مسار تفاوضي جديد.
ورغم خبرته الطويلة في الملف الفلسطيني الإسرائيلي، لا يُعرف عن بلوم تبنيه مواقف سياسية علنية تجاه الحرب على غزة أو الاستيطان أو الاعتراف بالدولة الفلسطينية، إذ ينتمي إلى فئة الدبلوماسيين المهنيين الذين يعكسون سياسات الإدارات الأميركية أكثر مما يصنعونها. ولهذا يُنظر إليه داخل أروقة السياسة الخارجية الأميركية باعتباره رجل مؤسسة وخبيراً تقنياً في إدارة الملفات الإقليمية، وليس شخصية أيديولوجية أو سياسية صدامية.
ورغم الإعلان عن ترشيحه، فإن إدارة ترامب لم تقدم حتى الآن أسماء لشغل عدد من أهم المناصب الدبلوماسية الأميركية في المنطقة. فما تزال السفارات الأميركية في السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والعراق والكويت من دون سفراء معتمدين، إضافة إلى عشرات المواقع الدبلوماسية الأخرى حول العالم. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من مئة منصب سفير أميركي ما زالت شاغرة منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، وهو رقم يثير قلقاً متزايداً داخل أوساط السياسة الخارجية الأميركية.
وهناك عدة أسباب محتملة لهذا التأخير في ملء أهم المواقع الدبلوماسية الأميركية في الشرق الأوسط، ترتبط بطبيعة إدارة ترامب نفسها، التي أظهرت منذ ولايته الأولى ميلاً للاعتماد على الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس بدلاً من البيروقراطية الدبلوماسية التقليدية. ففي ملفات الشرق الأوسط الحساسة، اعتمد ترامب مراراً على مبعوثين خاصين ومستشارين مقربين لإدارة الاتصالات والمفاوضات، متجاوزاً أحياناً القنوات الدبلوماسية التقليدية التي يقودها السفراء ووزارة الخارجية.
كما ترتبط بعض أسباب التأخير بالحسابات السياسية الداخلية، إذ يحتاج اختيار السفراء إلى موافقة مجلس الشيوخ. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، يسعى البيت الأبيض إلى تجنب معارك تصديق طويلة قد تتعقد إذا تغيرت موازين القوى داخل الكونغرس، فيما فضلت الإدارة تأجيل عدد من الترشيحات لانشغالها بملفات أخرى تعتبرها أكثر إلحاحاً.
ويرى الكاتب أن أحد التفسيرات المحتملة لهذا التأخير يتعلق بالدور المتنامي لجاريد كوشنر وشبكة العلاقات الاقتصادية والسياسية التي بناها في الخليج العربي. فاستمرار شغور سفارات رئيسية مثل السعودية والإمارات وقطر، وفق هذا الطرح، يمنح مساحة أكبر لإدارة هذه الملفات عبر قنوات غير رسمية يقودها كوشنر، الذي أسس شركة “أفينيتي بارتنرز” الاستثمارية، والتي حصلت على مليارات الدولارات من صناديق الثروة السيادية الخليجية، أبرزها استثمار بقيمة ملياري دولار من صندوق الاستثمارات العامة السعودي، إضافة إلى استثمارات من مؤسسات مالية مرتبطة بالإمارات وقطر.
وخلال سنوات قليلة تحولت الشركة إلى منصة استثمارية ضخمة تعتمد بصورة كبيرة على رؤوس الأموال الخليجية. وبذلك لم يعد دور كوشنر، وفق منتقديه، مقتصراً على الترويج السياسي للرئيس ترامب في ملفات الشرق الأوسط، بل بات مرتبطاً بمصالح اقتصادية مباشرة مع حكومات خليجية.
ومن هذا المنطلق، يرى أصحاب هذا الرأي أن إبقاء سفارات الخليج شاغرة يمنح كوشنر مرونة أكبر لإدارة العلاقات السياسية والاقتصادية بعيداً عن الرقابة المؤسسية التقليدية التي يمثلها السفراء ووزارة الخارجية. إلا أن هذا الربط بين شغور السفارات والمصالح الاقتصادية الخاصة يبقى محل نقاش سياسي ولم تقدّم الإدارة الأميركية تفسيراً رسمياً يؤيده.
ويأتي استمرار هذا الفراغ في توقيت يشهد فيه الشرق الأوسط حرباً مفتوحة في غزة، وتوتراً متصاعداً مع إيران، وإعادة تشكيل للتحالفات السياسية والأمنية في المنطقة. وفي مثل هذه الظروف يلعب السفراء دوراً أساسياً في نقل الرسائل السياسية وبناء العلاقات مع الحكومات المحلية وتقديم التقديرات اليومية لصناع القرار في واشنطن.
ويرى مراقبون أن الاعتماد على مبعوثين مؤقتين أو قنوات اتصال غير رسمية قد يضعف قدرة الولايات المتحدة على التأثير في التطورات الإقليمية، خصوصاً في دول تُعد حليفة رئيسية لواشنطن مثل السعودية والإمارات وقطر.
وكمحصلة، يحمل ترشيح دونالد بلوم رسالة مزدوجة. فمن جهة، تدرك إدارة ترامب أنها لا تستطيع إدارة الشرق الأوسط من دون خبرات مهنية متراكمة داخل وزارة الخارجية، ولذلك اختارت أحد أكثر الدبلوماسيين الأميركيين خبرة في الملف الفلسطيني الإسرائيلي لتولي أهم منصب إقليمي في الوزارة. لكن من جهة أخرى، فإن استمرار شغور أهم السفارات الأميركية في المنطقة يطرح سؤالاً أكبر من اسم المرشح نفسه: هل ما تزال الدبلوماسية التقليدية هي التي تدير سياسة واشنطن في الشرق الأوسط، أم أن مركز الثقل انتقل تدريجياً إلى شبكة من المستثمرين والمبعوثين والمستشارين والمصالح الاقتصادية المرتبطة مباشرة بالبيت الأبيض؟
وبينما يستعد دونالد بلوم لتولي مسؤولية رسم وتنفيذ السياسة الأميركية في الشرق الأوسط من واشنطن، يبقى السؤال مفتوحاً حول من يدير فعلياً العلاقات مع العواصم الخليجية التي ما تزال، حتى اليوم، من دون سفراء أميركيين معتمدين.








