دخلت المنطقة والإقليم مرحلة هي الأكثر تعقيدًا، إذ لم يعد ما يجري في الإقليم مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف غير متكافئة، بل تحوّل إلى ما يمكن توصيفه بـ”إدارة الصراع بدل حسمه”.
وبدأت المنطقة تجد نفسها أمام نمط جديد من الحروب، لا تُقاس فيه النتائج بعدد الأهداف المدمّرة أو القيادات التي يتم اغتيالها، بل بقدرة كل طرف على الصمود، والتكيّف، وإطالة أمد المواجهة دون الانهيار. وفي قلب هذا المشهد، تبدو إسرائيل – رغم تفوقها العسكري والتكنولوجي – عالقة في مفارقة قاسية: تربح المعارك، لكنها تفشل في إنهاء الحرب.
هذا التناقض لم يعد مجرد قراءة خارجية، بل بات جزءًا من النقاش داخل الدوائر الإسرائيلية نفسها. فخطاب بنيامين نتنياهو الذي يؤكد أن “الحرب طويلة وتتطلب نفسًا استراتيجيًا طويلًا” يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الحسم لم يعد سريعًا كما في الحروب السابقة. في المقابل، يقدم خطاب دونالد ترامب تصورًا يقوم على “الردع بالقوة القصوى”، أي محاولة كسر الخصم بدل استنزافه تدريجيًا، وهو ما يعمّق التباين داخل الرؤية الغربية نفسها لمفهوم الحسم.
ضمن هذا السياق، يمكن فهم بعض الطروحات الإسرائيلية الأكثر حدّة، ومنها ما يطرحه جدعون بن زئيفي، الأستاذ في جامعة تل أبيب، أنّ “إسرائيل لن تنعم بالسلام ما دامت إيران موجودة”، باعتبارها – وفق هذا الطرح – العقدة المركزية في بنية الصراع الإقليمي.
وهذا الطرح يكشف عن تحوّل مهم في انتقال التفكير من صراعات حدودية إلى تصور صراع بنيوي على شكل النظام الإقليمي نفسه، حيث يصبح الخصم ليس مجرد طرف عسكري بل عنصرًا معطِّلًا لمشروع تصور الاستقرار الكامل في المنطقة.
غير أن هذا التصور لا يقتصر على الجانب الإسرائيلي. ففي نقاشات السياسة الأمريكية أيضًا، تتبلور مقاربات نقدية لمسار التصعيد. ففي ندوة نظّمها برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، اعتبر السيناتور الأمريكي الديمقراطي كريس ميرفي في قراءة شديدة التحفظ تجاه الانخراط العسكري الأمريكي ضد إيران، أنّ انخراط الولايات المتحدة في حرب مفتوحة مع إيران يمثل “خطأً استراتيجيًا جسيمًا”، مؤكدًا أن التجارب التاريخية تثبت أن القصف لا يحقق أهدافًا سياسية طويلة المدى. واعتبر أن المسار العسكري لن يؤدي إلى تفكيك البرنامج النووي الإيراني، بل قد يدفع طهران إلى مزيد من الإصرار على تطويره، وإلى تعزيز تحالفاتها مع قوى مثل الصين وروسيا. كما نبّه إلى أن استمرار التصعيد في مضيق هرمز سيحمل تداعيات اقتصادية عالمية واسعة.
هذه القراءة تضيف بُعدًا مهمًا للنقاش: فالحرب على إيران – أو حولها – لا تُهدد فقط ميزان القوى الإقليمي، بل تفتح أيضًا بابًا واسعًا لإعادة تشكيل التحالفات الدولية، بما يجعل فكرة “الحسم السريع” أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
لقد بنت إسرائيل استراتيجيتها لعقود على فرضيات الحسم السريع، ونقل المعركة إلى أرض العدو، والإنذار المبكر.. والتفوق الناري والاستخباري، غير أنّ هذه الفرضية تتآكل اليوم أمام خصومها الذين أعادوا تعريف قواعد الاشتباك. المقاومة المسلحة في المنطقة لم تعد تعتمد على بنى هرمية تقليدية يمكن شلّها بضربة قاصمة، بل تحوّلت إلى شبكات مرنة، قادرة على امتصاص الصدمات وإعادة إنتاج نفسها.
في هذا الإطار، برزت التكنولوجيا منخفضة الكلفة وعالية التأثير، خصوصًا الطائرات المسيّرة، كعامل حاسم في إعادة تشكيل موازين القوة. فهي لا تعوّض الفجوة العسكرية فقط، بل تُنتج نمطًا جديدًا من الاستنزاف اليومي، يجعل التفوق التقليدي أقل حسمًا وأكثر كلفة.
في جنوب لبنان، تتجلى هذه التحولات بوضوح. فالمواجهة لم تعد حربًا كلاسيكية، بل حرب استنزاف طويلة النفس، تقوم على ضربات محسوبة وتراكم تدريجي للمواجهة. وفي هذا النوع من الحروب، لا يصبح السؤال: من ينتصر؟ بل: من يصمد أطول؟
هذا التحول يفسّر الفجوة المتزايدة بين الإنجاز التكتيكي والهدف الاستراتيجي. فإسرائيل تنجح في تنفيذ عمليات دقيقة واغتيالات نوعية، لكنها لا تقترب من إنهاء التهديد. الصواريخ مستمرة، والمسيّرات تتطور، والجبهات تبقى مفتوحة. ومع كل جولة تصعيد، يتعزز واقع جديد: الاستنزاف أصبح بديلاً فعليًا للحسم.
أما الحديث عن نقل المواجهة إلى “العمق الإيراني”، فيكشف حدود التفكير التقليدي في الحسم. فإيران ليست مجرد طرف، بل مركز ثقل في شبكة إقليمية متعددة الجبهات. وبالتالي فإنّ التصعيد المباشر معها لا يُنتج تفكيكًا للمشهد، بل قد يؤدي إلى توسيع رقعة الحرب بدل تقليصها، وبما ينتج عنها أيضًا من تداعيات مختلفة.
وفي الضفة الغربية والقدس، يتخذ الصراع منحى آخر، لكنه لا يقل خطورة. فاستثمار الانشغال الدولي بالحرب الإقليمية لتكريس وقائع ميدانية جديدة قد يبدو مكسبًا تكتيكيًا، لكنه يحمل في داخله بذور انفجار مستقبلي، لأن غياب الأفق السياسي يجعل التراكم الأمني قابلًا للتحول إلى مواجهة واسعة.
ولا يمكن فصل هذا كله عن حالة الضبابية السياسية التي تحكم المشهد الدولي، سواء عبر تعثر المفاوضات أو تذبذب المواقف الغربية أو احتمالات التغيير في الإدارة الأمريكية. هذه الضبابية لا توقف الصراع، بل تجعله أكثر سيولة وأقل قابلية للضبط.
في النهاية، نحن أمام تحول بنيوي في طبيعة الحروب في الشرق الأوسط. لم يعد الهدف تحقيق نصر نهائي، بل منع الخصم من تحقيق نصره. ولم تعد القوة تُقاس فقط بما تملكه من سلاح، بل بقدرتها على إدارة الزمن كأداة صراع.
وهنا تبرز المعضلة المركزية: كيف يمكن لقوة متفوقة عسكريًا أن تنتصر في حرب لم تعد تُصمم للحسم، بل للاستنزاف المتبادل الطويل؟
ربما لم يعد السؤال الحقيقي: من ينتصر؟ بل: من يتكيّف أسرع مع قواعد لعبة تتجاوز حدود القوة العسكرية التقليدية؟
*كاتب فلسطيني