حين يُغنَّى الاقتلاع ..وصال أبو عليا

حين يُغنَّى الاقتلاع ..وصال أبو عليا

2026 Oct,23

ما الذي يحدث حين تُغنّى الأرض بأصواتٍ غير أصوات أهلها، وحين يرتفع الفرح فوق أشجارٍ حُرم أصحابها من الوصول إليها؟

في ترمسعيا، كانت فتيات من التلال يرقصن ويغنين (ترمسعيّا يَمّا) بين أشجار الزيتون، على أرضٍ سُلبت من أصحابها. مشهد تختلط فيه الأغنية بالمفارقة، ويصبح فيه اسم المكان سؤالا عن أصحابه، وعن الذاكرة التي لا تُرى، وعن الفرق بين من يقف فوق الأرض ومن تنبض الأرض في جذوره.

في حقولنا، لم تعد الأغاني تتعالى كما كانت. غابت أصوات النساء التي كانت ترافق القطاف، واختلطت ضحكات الأطفال بصفارات الإسعاف وصوت الرصاص. صار الوصول إلى شجرة دروب مخاطرة، وصار الفلاح الذي يحمل أدوات القطاف مضطراً إلى الدفاع عن حقه في الوصول إلى ثمرة زرعها، وأرض ورثها، وحياة لم يطلب منها سوى أن تستمر.

كأنّ الاقتلاع لا يريد أن ينتزع الأرض وحدها، بل يريد أن ينتزع منها حكايتها أيضا؛ أن يُبعد الإنسان عن شجرته، ثم يترك المكان يتحدث بصوت آخر، وكأن الذين غرسوا جذوره لم يكونوا هنا يوماً.

تبكيني الأشجار حين أراها تنكسر، لا أراها أغصاناً محطمة فحسب، إنما كائنات تُعاقَب لأنها تجذرت في مكانها، تشبه الفلسطيني الذي لا يحمل إلى أرضه سوى أدوات القطاف، فيجد نفسه أمام مستوطن مسلح يريد أن ينتزع منه حق الوصول، وحق الحياة، وحق أن يكون صاحب المكان الذي ورثه عن أجداده.

ثمة مفارقة موجعة في أن يرتفع اسم ترمسعيا في حناجر من يسيطرون على أرضها، بينما يُحرم أبناؤها من الوصول إلى أشجارها. كأن الاستيلاء لا يريد الأرض وحدها، بل يريد أن يرث صوتها أيضا؛ أن يأخذ المكان من أهله، ثم يتصرف كأنه كان دائما جزءا من حكايته.

ليس في الغناء أو الفرح ما يدعو إلى الاعتراض، لكن المعنى يتغير حين يصبح المشهد محاطا بحرمان أصحاب الأرض من أرضهم. فالأغنية ليست صوتا معلقا في الهواء، ولا الاسم مجرد حروف يمكن تداولها بلا ذاكرة. خلف كل مكان حكاية، وخلف كل شجرة يد غرستها وانتظرت ثمرها، وخلف كل موسم زيتون عائلات ورثت عن أجدادها أكثر من الأرض: ورثت حقها في أن تكون جزءا من حكايتها.

ما الذي يبقى من الإنسان حين يُنتزع من المكان الذي يعرفه، ويُدفع إلى الوقوف خارجه كأنه غريب عن حياته؟ وما الذي يبقى من المكان حين يُفصل عن أهله، وتُترك أشجاره لمن يريد ثمارها من دون أن يعرف حكاية جذورها؟

ليست المأساة أن يفقد الفلسطيني طريقه إلى شجرته فحسب، بل أن يُراد له أن ينسى أن له شجرة، وأن يتعامل مع غيابه عن أرضه كأنه تفصيل عابر في حياة المكان. كأن الاقتلاع لا يكتفي بإبعاد الإنسان عن بيته، بل يحاول أن يعيد ترتيب الحكاية، بحيث يبدو صاحب الأرض غريبا عنها، ويبدو من يملك القوة على إبعاده أحق بها.

لكن الأرض ليست مساحة فارغة تنتظر من يضع يده عليها، وليست شجرة يمكن فصلها عن الذين غرسوها. في جذورها أسماء الذين رحلوا، وفي ظلالها وجوه الذين تعبوا، وفي ثمارها أعوام من الانتظار والمواسم التي تقاسمتها العائلات. ثمة أشياء لا تظهر في سندات الملكية، لكنها تجعل الأرض وطنا: ذاكرة الأيدي التي حرثتها، وخطوات الذين عرفوا دروبها، وأصوات النساء اللواتي كن يغنين فيها قبل أن يصير الوصول إليها مخاطرة.

لهذا لا يكفي أن يقف أحد تحت شجرة كي يصبح ابنها، ولا أن يغني باسم مكان كي يمتلك ما يحمله الاسم من وجع وحنين وتاريخ. ثمة فرق بين أن تضع يدك على الأرض، وأن تكون جذورك ممتدة في حكايتها؛ بين أن تسيطر على المكان، وأن تنتمي إليه. فالانتماء ليس قدرة على المنع، ولا حقا تمنحه القوة لمن يستطيع إقصاء الآخرين، بل علاقة تتشكل عبر الزمن، بالعيش والتعب والذاكرة، وبكل ما يتركه الإنسان في الأرض وتتركه الأرض فيه.

ما أقسى أن يصبح الوصول إلى شجرة مغامرة، وأن يحتاج الإنسان إلى الشجاعة كي يقطف ثمرة زرعها، وأن تتحول الحقول التي كانت تتسع لأغاني الأطفال إلى أماكن تترقب فيها الأمهات صوت الرصاص بدل ضحكات أبنائهن.

الشجرة لا تستطيع صد اليد التي تكسرها، ولا أن تصرخ حين تُقتلع. لكنها ليست ضعيفة؛ الضعف في أن تصبح القدرة على الإيذاء مقياسا للقوة، وفي أن يُعامل التمسك بالحياة كأنه عجز عن الدفاع عن الحق. وكذلك الفلسطيني، ليس ضعيفا لأنه لا يريد أن يكون قاتلا، ولا مهزوما لأنه يتمسك بأرضه وأطفاله وحقه في الحياة. إن المأساة ليست في عجز الضحية عن ردع المعتدي وحده، بل في عالم يسمح للقوة بأن تتقدم على الحق، ثم يطالب الضحية بإثبات قدرتها على حماية نفسها من دون أن يمنحها شروط الحماية.

العنف لا يكسر الأغصان وحدها؛ إنه يحاول كسر المعنى الذي تحمله. يريد للزيتون أن يفقد صلته بالذاكرة، وللأرض أن تصبح مكانا للخوف، وللأطفال أن يرثوا الحذر بدلا من الأغاني. وحين يُحرم الفلسطيني من موسم قطافه الآمن، فإنه لا يخسر ثمرا فقط، إنما يُنتزع منه جزء من حياته الطبيعية، ومن حقه في أن يصنع ذكريات لا يطغى عليها صوت الإسعاف.

وفي هذا كله، ثمة محاولة لجعل الغياب قدرا، ولتحويل الحرمان إلى أمر مألوف، حتى يبدو من حُرم أرضه أقل حضورا فيها من الذي استولى عليها. لكن من قال إن غياب الإنسان عن أرضه يمحو حقه فيها؟ ومن قال إن شجرة الزيتون تنسى اليد التي زرعتها لمجرد أن يدا أخرى امتدت إلى ثمرها؟ إن الذاكرة ليست شيئا يمكن مصادرته مع الأرض، والحكاية لا تصبح ملكا لمن يفرض صوته عليها.

أفكر في الأغاني التي غابت، وفي الأغنية التي ارتفعت فوق أشجار مسلوبة. ماذا سنقول لأطفالنا حين يسألون لماذا لم تعد النساء يغنين في الحقول؟ كيف نشرح لهم أن من يزرع الحياة صار مضطرا إلى حماية حقه فيها، وأن شجرة تمنح ثمرها للجميع أصبحت هدفا لمن يريد إقصاء أصحابها؟ وكيف نفسر لهم أن اسم قريتهم قد يرتفع في أغنية، فيما يُحرم أهلها من السير الآمن بين أشجارها؟

سأقول لهم إن الأغاني لم تصمت لأنها فقدت معناها، بل لأن الرصاص علا صوتها. وإن الأشجار التي انكسرت لم تكن مهزومة، وإن اقتلاعها لا يمنح المعتدي حقا فيها. وسأقول لهم إن ما يربط الإنسان بأرضه أعمق من القدرة على امتلاكها بالقوة، وإن علينا أن نحفظ ذاكرة الحقول، لأن ما يُستهدف ليس الشجر وحده، بل الحكاية التي تربط الإنسان بأرضه، والحق الذي يمنحه اسمه ومكانه وذاكرته.

ربما لهذا لا أريد للأغاني أن تعود كما كانت فحسب، بل أريد أن يعود معها الحق الذي كان يجعلها ممكنة: أن تصل المرأة إلى شجرتها، وأن يقطف الفلاح ثمره، وأن يركض الطفل بين الأغصان دون أن يتعلم الخوف قبل أن يتعلم أسماءها. أريد أن تعود الحقول إلى أهلها، لا بوصفها أرضا فحسب، بل حياة كاملة لا يضطر أصحابها إلى إثبات انتمائهم إليها كل صباح.

فالأغنية التي تغيب عن أرضها ليست مجرد لحن مفقود، والشجرة التي تُحرم من أصحابها ليست مجرد شجرة. كلاهما يحمل حكاية الإنسان الذي يحاول أن يبقى في مكانه، وأن يحفظ ذاكرته من المحو.

سيبقى السؤال الذي لا تستطيع أي أغنية أن تجيب عنه نيابة عن أصحاب الأرض: كيف يمكن لمن يُقصي الإنسان عن حقله أن يدّعي الانتماء إلى حكايته؟

فالزيتون ليس لمن يستطيع الوصول إلى ثماره بالقوة، والأرض ليست لمن يفرض صوته فوق أصوات أهلها. الأرض ذاكرة، والذاكرة لا تُقتلع، حتى حين تُكسر الأشجار ويغيب الغناء.

أحدث الأخبار