ما حدث من مفاوضات وما صدر من بنوذ اتفاق متوقع بين الولايات المتحدة وإيران، يثبت مرة أخرى الوقائع التي تقول أن الدول تتحرك وفق مصالحها، لا وفق الشعارات التي ترفعها وتملأ الدنيا صراخاً حولها. فبينما كانت المفاوضات تمضي نحو التوصل إلى اتفاق يعالج ملفات تمس الأمن القومي الإيراني ومستقبل النظام والعقوبات والبرنامج النووي، غابت القضية الفلسطينية بشكل شبه كامل عن جدول الأعمال، ولم تحضر حتى كإشارة سياسية أو بند رمزي في الاتفاق الذي توصل إليه الطرفان.
هذا الغياب ليس تفصيلاً عابراً، بل حدث سياسي يستحق التوقف أمامه ملياً، خصوصاً من قبل أولئك الذين أمضوا سنوات طويلة في تسويق فكرة أن فلسطين أصبحت جزءاً من مشروع إقليمي تقوده إيران، وأن مستقبل القضية الفلسطينية مرتبط بانتصارات هذا المشروع وتقدمه.
لقد سمع الفلسطينيون طوعاً أو جبراً طوال السنوات الماضية خطاباً متكرراً يقول: إن إيران هي الحاضنة الحقيقية للمقاومة، وإنها تمثل العمق الاستراتيجي للقضية الفلسطينية، بل ذهب البعض إلى حد اعتبار أن ما جرى في السابع من أكتوبر هو جزء من انتصار إقليمي أوسع تقوده طهران. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: إذا كانت فلسطين بهذه المركزية في الاستراتيجية الإيرانية، فأين هي في المفاوضات؟ ولماذا لم تصرّ إيران على إدراجها ضمن أولويات الاتفاق؟ ولماذا لم تستخدم أوراقها التفاوضية للضغط من أجل وقف الحرب أو حماية الفلسطينيين أو حتى انتزاع موقف سياسي لصالحهم؟
الحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها أن إيران، كغيرها من الدول، تتصرف وفق حسابات المصلحة الوطنية الإيرانية أولاً. فعندما جلست إلى طاولة التفاوض ومن خلف شعاراتها التي غطت عباب السماء،لم يكن هدفها تحرير فلسطين ولا حماية غزة، بل معالجة ملفات تتعلق بأمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية ومستقبل نظامها السياسي والاقتصادي. وهذا ليس أمراً مستغرباً في العلاقات الدولية، فالدول لا تدير سياساتها بالعواطف ولا بالشعارات، وإنما بالمصالح.
المشكلة هنا ليست في إيران بقدر ما هي في أولئك الذين أوهموا الفلسطينيين بأن مشروعهم يمكن أن يُختزل في مشروع إقليمي آخر؛ أولئك الذين رهنوا القرار الفلسطيني لحسابات خارجية، وصوروا الصراع، وكأنه معركة تدور بالوكالة عن قوى إقليمية، متجاهلين أن هذه القوى نفسها قادرة في أي لحظة على إعادة ترتيب أولوياتها بما يخدم مصالحها الخاصة.
لقد دفع الفلسطينيون ثمناً باهظاً نتيجة هذه الأوهام. فبدلاً من بناء استراتيجية وطنية مستقلة، جرى استبدال المشروع الوطني بمشاريع المحاور والاستقطابات. وبدلاً من تعزيز الوحدة الوطنية، تحولت القضية الفلسطينية إلى ورقة في صراعات إقليمية أكبر من قدرة الفلسطينيين على التأثير فيها.
إن غياب فلسطين عن المفاوضات الأمريكية الإيرانية لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره موقفاً إيرانياً، بل باعتباره درساً فلسطينياً قاسياً. درس يقول إن لا أحد سيحمل القضية الفلسطينية أكثر من الفلسطينيين أنفسهم، وإن الدول قد تدعم أو تساند أو تستثمر، لكنها في النهاية لن تضحي بمصالحها الوطنية من أجل قضية ليست قضيتها المباشرة.
ربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس: لماذا غابت فلسطين عن المفاوضات؟ بل: لماذا صدق بعضنا أن مصير فلسطين يمكن أن يكون بنداً دائماً على طاولة أي دولة أخرى؟ لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار لفكرة الاستقلال الوطني الفلسطيني، وللقناعة بأن حماية القضية لا تكون بالارتهان للمحاور، بل ببناء مشروع وطني جامع قادر على تمثيل الفلسطينيين والدفاع عن مصالحهم بعيداً عن أوهام الوكلاء ورهانات الخارج.
فحين تتغير المصالح، تتغير المواقف. أما الأوطان التي تربط مصيرها بمصالح الآخرين، فإنها غالباً ما تكتشف متأخرة أنها كانت مجرد بند قابل للحذف من أي اتفاق.
