لم يكن اتفاق أوسلو يحتاج أكثر من فعل على نمط السابع من أكتوبر كي يثبت للفلسطينيين أنه البرنامج الأكثر صوابية بين برامج تنازعت خلال العقود الأخيرة، فقد نافس المشروع الإسلامي كافة المشاريع الوطنية، بل وعمل على قطع الطريق عليها معتقداً أن لديه ما يكفي من ذخيرة الأيديولوجيا التي تمكنه من الوصول لمحطته المنشودة والتي يفشل الآخرون في الوصول إليها.
على مدار عقود، ظل أوسلو مصلوباً نازفاً على خشبة «حماس»، ولم يكن للحركة في عقودها الأخيرة خطاب سوى مهاجمة أوسلو في الجامعات وفي المدارس وحلقات المساجد وعلى المنابر وفي الإذاعات وفي الأفراح وبيوت العزاء والمناسبات الاجتماعية، لكن الأمر تجاوز الخطاب نحو فعل بذل كل جهده كي يسقط أوسلو ولسوء حظ الحركة أنها تطابقت مع برنامج اليمين في إسرائيل الذي بذل كل جهوده لإسقاط أوسلو وتشاء الأقدار أن يجد في الجانب الفلسطيني من سيستخدمه لإنجاح مشروعه، ليصل الفلسطينيون للحظة يستذكرون فيها بحسرة منتصف تسعينيات القرن الماضي حين تشكلت سلطتهم وبدأت بالعمل مدججة بفائض من الأحلام لم تتوقف عند إنشاء مطار يقلع بهم نحو العالم، اجتهدت الأطراف المعارضة كي تقضي على تلك الأحلام.
أظن أن الفلسطينيين أقلعوا عن خطاب تبسيطي يقارن بين برنامجين بعد فداحة برنامج حركة حماس المناهض لأوسلو. فقد تلقى أوسلو الذي أشرف على الموت بفعل اليمين الإسرائيلي المعارض والقوى الفلسطينية المعارضة رد اعتبار تاريخيا عندما تحقق برنامج «حماس» بالطوفان وإذ به يتسبب بكل هذا الخراب وكل تلك الخسائر الهائلة وفقدان للبيت والولد والمكان وعودة احتلال ثلثي غزة واستدعاء الوصاية بدل التحرير وفي الطريق لتجريد غزة من السلاح، والأهم هو القضاء على فكرة المواجهة في المكان الذي يشكل الدفيئة التاريخية للكفاح ضد إسرائيل. فغزة هي التي تكفلت بإعادة بعث المشروع الوطني منتصف ستينيات القرن الماضي وكان قادة المشروع يسيرون بهدوء نحو الأحلام قبل أن تجيء «حماس» وتقتلع كل شيء.
الخطاب الخشبي الذي تحمله حركة حماس في استمرار انتقادها لأوسلو أصبح بعد تطبيق برنامجها بالطوفان غريبا حتى عن منطق الأشياء وبداهة العمل السياسي ومراجعاته. فالواقع قال كلمته بالدم والدمار ولم يعد هناك مجال لممارسة ترف سفسطة لم يعد يحتملها المكان الغارق في حزنه الطويل وخيامه وكارثته التي صنعها الإسرائيلي، وذلك بفعل توفير حركة حماس لهذا المبرر الذي كان يكفي لأن يذهب الاحتلال أبعد مما يجب لأن مجموعة في «حماس» ذهبت ببساطتها أبعد مما يجب، غير مدركة أنها لا تصلح للعمل السياسي وأن وجودها على رأس المؤسسة كان يشكل خطراً على الشعب الفلسطيني. وقد تجسد هذا الخطر الذي يحتاج الشعب لعقود طويلة لإصلاحه هذا إذا تمكن، فالخراب كبير وسيمتد لأجيال.
هل تبقى من أوسلو ما يمكن الحفاظ عليه؟ نعم ...السلطة وبصرف النظر عمن يديرها، فالمؤسسة الفلسطينية هي إنجاز تاريخي تمكنت حركة فتح من إنجازه ببرنامجها البراغماتي ورؤيتها للواقع. والحقيقة أن ياسر عرفات كان يحيط نفسه بمفكري ومثقفي الشعب الفلسطيني، وأدرك أن هذا أفضل ما يمكن تحقيقه كنقطة انطلاق يمكن البناء عليها، قبل أن تتربص به قوة فلسطينية وعلى الجانب الآخر يجيء بنيامين نتنياهو رئيساً للوزراء بعد إنشاء السلطة بعامين ليبدأ عملية تدمير أوسلو.
السياسة دوماً هي ابنة ممكنات ومناخات، وتلك الأخيرة تجعل من قراءتها وفهمها أقرب للواقع وأكثر دقة. فقد كان أوسلو ابناً لتلك المناخات التي وصلت فيها الانتفاضة الأولى للإنهاك وكان الظهير الإستراتيجي لمنظمة التحرير المتمثل بالاتحاد السوفياتي ينهار، أما البيئة الإقليمية فبدأت تتحول إلى بيئة معادية إلى حد ما في اللحظة التي وضعت فيها المنظمة نفسها إلى جانب بغداد ثم خرجت المنطقة مهزومة بعد التحالف الدولي ضد العراق. وفي ظل تلك المناخات، أدرك عرفات بفطنته وبكفاءة مستشاريه أن عليه أن يلتقط اللحظة الآن وإلا فيمكن ألا تتكرر، وقد ثبت ذلك فمجرد سنوات بسيطة كان اليمين صاحب مشاريع الوطن البديل يعيد ترتيب صفوفه ويتسلم السلطة ببرنامج واحد ووحيد وهو تدمير أوسلو ليجد بين الفلسطينيين من يعينه على ذلك بحسن نية أو في إطار منافسة خرجت منذ لحظتها الأولى عن حدود المنافسة وأعرافها.
لقد كان أوسلو نتيجة صراع امتد لعقود حاولت أطرافه أن تجرب وسائل أخرى لحله غير الوسائل العسكرية التي لم تستطع تحقيق شيء. فقد أدرك ياسر عرفات ومفكرو الشعب الفلسطيني مبكرا أنه لا يمكن هزيمة إسرائيل عسكرياً في المدى المنظور وان وظيفة السلاح هي المشاغلة لإبقاء القضية حية ولإيجاد مسار سياسي، لذا كان من الانتحار ألا نستفيد من تجربة التاريخ ونعود لفكرة هزيمة إسرائيل عسكرياً وبضربة واحدة، كان على أوسلو أن يعيد فكرة إحياء القضية وقد تمكن بجدارة من الدخول لكافة المؤسسات الدولية ووضع الشعب الفلسطيني كحالة سياسية دولانية لأول مرة تتعاطى معه دول كبرى ويزوره بيل كلينتون رئيس أقوى دولة في العالم، هكذا كان الأمر حين تم استقباله في المطار الفلسطيني لكن مصادفات القدر جعلت «حماس» التي ظلت تهاجم أوسلو هي وحدها من يعيد له الاعتبار.. التاريخ ماكر.