مدار نيوز \ إن المسؤولية الدينية والوطنية والمجتمعية والإنسانية، ومفهوم المواطنة المسؤولة، تدفعني إلى أن أقدّم لأبناء شعبنا حصيلة علمية مستندة إلى مسيرتي الدراسية في مراحل التعليم المختلفة، والتي كان آخرها العمل على مشروع أطروحة الدكتوراه بعنوان: “التمكين الإداري في ظل قيادة تحويلية وعلاقته بتعزيز القدرات الإبداعية في قطاع الخدمة المدنية في دولة فلسطين”، والتي لم أنتهِ منها بشكل نهائي بعد.
كما تستند هذه السلسلة إلى تجربة مهنية آمل أن تكون ضمن إطار العلم الذي يُنتفع به، وذلك من خلال مجموعة من المقالات الأسبوعية التي تهدف إلى الإسهام في صناعة الوعي والسلوك الواعي، وتعزيز القدرة على تطوير الذات وقيادتها، والتخطيط بمختلف أنواعه وأدواته، والتفكير الاستراتيجي والإبداعي، والتنمية الشاملة وقيادتها، إلى جانب العديد من المهارات المرتبطة بدوائر التأثير؛ وصولاً إلى أداء فردي ومجتمعي أكثر تميزاً.
المقال الأول المرونة النفسية والعقلية والفكرية سأبدأ بما يمهّد للفكرة، وهو مفهوم المرونة، والذي يُشار إليه في اللغة الإنجليزية بمصطلح Resilience، وهو من المصطلحات التي يكثر تداولها في وقتنا الحاضر. المرونة تعني القدرة على الصمود ومواجهة التحديات والمتغيرات، سواء كانت طارئة أو متوقعة، مع الحفاظ على القدرة على التكيف وعدم الانكسار أمامها.
ويمتد هذا المفهوم إلى مجالات متعددة، من بينها الأخطار الطبيعية والمجتمعية والفردية، بما تتضمنه من جوانب نفسية وعقلية وعاطفية وفكرية وبدنية وبيئية وفيزيائية وغيرها.
وسأركز في هذا المقال على المرونة النفسية، باعتبارها أحد الجوانب الأساسية التي ينعكس أثرها بصورة مباشرة على السلوك الفردي والمجتمعي. المرونة النفسية هي أحد أسرار التوازن في الحياة؛ فالحياة لا تسير دائماً كما نريد، ومن الطبيعي أن نمر بظروف صعبة وضغوط لم نكن نتوقعها، وقد تكون هذه الظروف طارئة أو ممتدة لفترات طويلة.
لذلك، فإن السؤال الذي يعبر عن الوعي ليس: هل سنواجه الأزمات؟ بل: كيف سنتعامل معها عندما تحدث؟ هنا تظهر أهمية المرونة النفسية.
فالمرونة النفسية لا تعني أن تكون قوياً طوال الوقت، ولا أن تتجاهل مشاعرك أو تنكرها، وإنما تعني أن تتعلم كيف تتعامل مع الظروف والضغوط، وتحافظ قدر الإمكان على توازنك، وتستعيد قوتك وقدرتك على الاستمرار بعد كل موقف صعب. وتقوم المرونة النفسية على أربعة جوانب رئيسية:
عقل مرن: وهو القدرة على رؤية المشكلة من أكثر من زاوية، وعدم افتراض أن طريقتك في التفكير هي الطريقة الوحيدة الصحيحة. فحين تتغير زاوية النظر إلى المشكلة، تتسع مساحة التفكير، وقد تظهر حلول جديدة لم تكن واضحة من قبل.
قلب مرن: يُنظر إلى القلب باعتباره رمزاً للعاطفة بما تحمله من فرح وحزن وخوف وتأثر. والمرونة هنا لا تعني إخفاء المشاعر أو إنكارها، كما لا تعني السماح لها بالتحكم الكامل في القرارات. فالتوازن هو أن تعترف بمشاعرك، وتفهمها، وتتعامل معها بهدوء ووعي، وهذا من أهم مظاهر النضج العاطفي.
جسم قوي: عندما يكون الجسم مرهقاً أو منهكاً، تصبح قدرته على التعامل مع الضغوط أقل. لذلك فإن الاهتمام بالنوم الكافي، والحركة، والغذاء المتوازن، والحصول على قدر مناسب من الراحة، ليس أمراً ثانوياً، بل جزء أساسي من قدرتنا على الصمود والتوازن.
روح قوية وثابتة: القيم والمبادئ تمثل ثوابت مهمة في حياة الإنسان، ولا سيما عندما تتغير الظروف من حوله. فوجود منظومة واضحة من القيم والمبادئ التي يستند إليها الإنسان يساعده على تجاوز الأوقات الصعبة، ويحافظ على بوصلته في الاتجاه الصحيح مهما تغيرت الظروف.
استنتاجات القاعدة الأولى: المرونة النفسية تعني الاهتمام بعقلك وقلبك وجسدك وروحك؛ فهي من أهم مفاتيح القدرة على مواجهة الحياة بهدوء ووعي. القاعدة الثانية: المرونة النفسية لا تعني ألّا تسقط أو تفشل في تجربة، وإنما أن تكون قادراً على النهوض والتعلّم والاستمرار بعد السقوط أو الفشل.
القاعدة الثالثة: المرونة النفسية لا تعني ألّا تحزن، وإنما أن تعرف كيف تعيش حزنك وتتجاوزه دون أن تفقد ذاتك أو قدرتك على الاستمرار. القاعدة الرابعة: المرونة النفسية لا تعني أن تكون قوياً طوال الوقت، وإنما أن تكون متزناً وواعياً وقادراً على التكيف مع الظروف ومواجهتها بنضج عاطفي وعقلي.





