تهميش العقل الفلسطيني المفكر … إبراهيم أبراش

تهميش العقل الفلسطيني المفكر … إبراهيم أبراش

في بداية الثورة الفلسطينية المعاصرة مع منظمة التحرير وحركة فتح، شكّل المثقفون والمفكرون — من صحفيين، وشعراء، وأدباء، وفنانين بكل تخصصاتهم، ومراكز الأبحاث والدراسات، والاتحادات الشعبية — القوةَ الناعمة التي كان تأثيرها أحياناً أكبر من تأثير السياسيين في نشر الرواية الفلسطينية، والدفاع عن المشروع الوطني وعن منظمة التحرير، من خلال تواصلهم مع الجماهير والمجتمع المدني مباشرةً محلياً ودولياً.

وكانت هناك عناوين ثقافية وفكرية ساهمت — بالإضافة إلى العمل الفدائي — في وصول القضية إلى العالمية؛ مثل: محمود درويش، وغسان كنفاني، وناجي العلي، وأنيس صايغ، وسميح القاسم، وكثيرين غيرهم. وحتى بعض القادة السياسيين كانوا منتجي فكر ورؤية؛ مثل: خالد الحسن، وكمال ناصر، وماجد أبو شرار، وكمال عدوان، وغيرهم كثيرين، بالإضافة إلى مثقفين ومفكرين عرب وأجانب كانوا جزءاً من هذه القوة الناعمة.

كان هناك نوع من توزيع الأدوار وتكاملها؛ بحيث كان قادة العمل الفدائي والمقاومة يعملون بصمت، وكان القادة السياسيون في المنظمة يتفرغون للمهام المسندة إليهم في دوائر المنظمة، وكذلك الأمر بالنسبة لأعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح؛ إذ يتفرغ كل منهم للعمل في المفوضية المخصصة له، بينما يشكل المثقفون والمفكرون القوة الناعمة المساندة. وكان أغلب مكونات هذه القوة الناعمة مع الثورة ومنظمة التحرير والقيادة، والعلاقة بينهم علاقة شراكة لا تبعية.

أما في الفترة الأخيرة، ومع انتشار الفضائيات المعولمة التي تستقطب مثقفين ومفكرين ومحللين سياسيين من مشارب متعددة، وأيضاً مع التوسع الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت للقوة الناعمة تأثيراً أكبر في الرأي العام، نلاحظ انفضاض أغلب مكونات هذه القوة الناعمة من حول المنظمة والقيادة؛ فبعضهم انكفأ على نفسه وانشغل بمصالحه الخاصة، وآخرون تأثروا وانحازوا للجماعات الإسلاموية وفكرها البديل للمشروع الوطني، وفئة أخرى بحثت عن عناوين وأطر وطنية غير المنظمة؛ لرفضهم — ليس لمنظمة التحرير والمشروع الوطني — بل للقيادات وخياراتها الفاشلة وما يشوبها من فساد، كما يزعمون. وهناك فئة كانت منحازة للمنظمة والسلطة الوطنية طمعاً في مكاسب ومنافع ومناصب توفرها السلطة عندما كان الوضع المالي لها مريحاً، بمعنى أن انتماءهم لم يكن للمشروع الوطني بل لمصالحهم الخاصة، وعندما ضعفت السلطة مالياً انفضوا عنها.

قد يكون أحد أسباب هذا الانفضاض توقيع اتفاقية أوسلو والخلاف حولها، ولكنه ليس السبب الوحيد؛ بل كان لغياب القيادات الوطنية الكاريزمية محل الثقة، وعدم قدرة القيادات الراهنة حتى على الدفاع عن أوسلو والسلطة، والصراع على السلطة ومنافعها، وتجاهل قيادات المنظمة والسلطة للمثقفين والمفكرين وأصحاب الرأي الحر، والتعامل معهم بعدم احترام، ومحاولة استقطابهم بالإغراءات المالية — ومن لم يستجب لهذه الإغراءات يتم إقصاؤه وتهميشه حتى وإن كان منتمياً لحركة فتح — دورٌ كبير في ذلك. حتى مراكز الأبحاث والدراسات التابعة لمنظمة التحرير تم إضعافها وتهميشها عمداً، وتحولت إلى هياكل فاقدة التأثير تخدم مصالح أفراد محددين في السلطة قائمين على هذه المراكز.

وبدلاً من أن تتدارك القيادة الأمر وتُفعِّل هذه القوة الناعمة لصالحها وصالح المشروع الوطني الذي يتعرض لتهديد وجودي، يحاول بعض القيادات تقمص دور المثقفين والمفكرين ومنافستهم إعلامياً؛ والنتيجة أنهم لا نجحوا في ملء الفراغ الفكري والثقافي، ولا نجحوا في مهامهم النضالية الأصلية. وهذا هو سبب الترهل والضعف في مؤسسات المنظمة وفي تنظيم حركة فتح.

نعم، توجد قوة ناعمة جديدة تتمثل في التحركات والتحولات في الرأي العام العالمي، وما تشهده شوارع وجامعات كبريات المدن في الغرب من مظاهرات وتجمعات وندوات مساندة لعدالة القضية الفلسطينية ومعادية للممارسات الصهيونية، ولكن هذه القوة تأثيرها الاستراتيجي بعيد المدى، وقد تتراجع قوة اندفاعها مع مرور الزمن، كما أنها لا تُغني عن القوة الناعمة الفلسطينية الذاتية.

نعم، يوجد مثقفون ومفكرون فلسطينيون ملتزمون بعدالة قضيتهم الوطنية ومعادون لإسرائيل، ولكن قلة منهم يدافعون عن المنظمة والسلطة والقيادة. وهذا ما يجب أن تنتبه إليه القيادة، وألا تكتفي باتهامهم بأنهم غير وطنيين أو أنه تم شراؤهم بالمال من هذا الطرف أو ذاك.

Ibrahemibrach1@gmail.com

 

أحدث الأخبار