مدار نيوز \
أثار مشروع قانون إسرائيلي جديد يهدف إلى توسيع نطاق السيطرة المدنية على المواقع الأثرية في الضفة الغربية المحتلة موجة من الانتقادات الحادة من قبل المسؤولين الفلسطينيين والمنظمات الحقوقية. ويرى المراقبون أن هذا التحرك يمثل خطوة فعلية نحو ضم أراضٍ محتلة وتوفير غطاء قانوني لتوسيع المستوطنات اليهودية في عمق المناطق الفلسطينية.
وكان الكنيست الإسرائيلي قد صادق في وقت سابق بالقراءة الأولى على مشروع قانون إقامة ما تسمى ‘سلطة التراث في يهودا والسامرة’. وينص هذا التشريع على نقل إدارة المواقع التي تعود للعصور الرومانية والبيزنطية والصليبية إلى عهدة وزارة التراث الإسرائيلية، مع منحها صلاحيات واسعة لمصادرة وشراء العقارات المرتبطة بهذه المواقع.
وأكد وزير السياحة والآثار الفلسطيني، هاني الحايك أن الهدف الحقيقي من هذا القانون هو إحكام السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية لتعزيز المشروع الاستيطاني. وأوضح الحايك أن التمدد الإسرائيلي بات يستهدف الآن مناطق (أ) الخاضعة إدارياً وأمنياً للسلطة الفلسطينية، وذلك تحت ذريعة حماية الآثار وإجراء التنقيبات.
من جانبه، حذرت مصادر حقوقية من أن مشروع القانون يشكل ‘إجراء ضم بكل المقاييس’، حيث سيؤدي إلى مصادرة واسعة النطاق للأراضي الخاصة والعامة. وأشارت المصادر إلى أن التذرع بالبعد التاريخي ليس ممارسة جديدة، إلا أن النطاق الحالي للإجراءات الحكومية الإسرائيلية يعد غير مسبوق من حيث الخطورة والشمولية.
وتبرز قرية سبسطية شمال الضفة الغربية كأحد النماذج الصارخة لهذا الاستهداف، حيث يعتمد سكانها بشكل أساسي على السياحة المرتبطة بموقعها الأثري العريق. ويضم الموقع آثاراً تمتد من مملكة إسرائيل القديمة وصولاً إلى العصور العثمانية، وهو مدرج حالياً على القائمة التمهيدية لمواقع التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو.
وكانت سلطات الاحتلال قد أعلنت في وقت سابق عن خطة لضم نحو 445 فداناً في محيط موقع سبسطية، مدعية أن الهدف هو تطوير المنطقة سياحياً. إلا أن المسؤولين المحليين أكدوا أن هذه الخطوة أدت إلى تضرر آلاف أشجار الزيتون التي تشكل مصدر رزق أساسي للعائلات الفلسطينية في القرية منذ قرون.
وقال نزار كايد، نائب رئيس بلدية سبسطية إن المخطط الإسرائيلي يستهدف عزل المنطقة الأثرية عن محيطها السكاني والسيطرة على موارد المياه والطرق الحيوية. وأضاف أن هذا التوجه يحول السكان الفلسطينيين إلى مجتمعات معزولة بلا موارد، مما يسهل عملية قضم الأراضي لصالح التوسع الاستيطاني المستمر.
وفي سياق متصل، يعاني النشاط التجاري في المناطق الأثرية من تدهور حاد منذ أواخر العام الماضي نتيجة القيود العسكرية وتراجع الحركة السياحية. وأفاد أصحاب منشآت سياحية بأن نحو 80% من سكان سبسطية فقدوا دخلهم المعتاد، مما اضطر العديد من المحلات التجارية للإغلاق بسبب الحصار المفروض على المنطقة.
في المقابل، يقود عضو الكنيست المتطرف تسفي سوكوت، المنتمي لحزب الصهيونية الدينية، جهود دفع هذا القانون داخل البرلمان الإسرائيلي. ويزعم سوكوت أن الهدف هو حماية الروابط التاريخية للشعب اليهودي بالأرض، معلناً صراحة معارضته لإقامة دولة فلسطينية ودعوته لضم الضفة الغربية بالكامل.
ولم تقتصر المعارضة على الجانب الفلسطيني، بل امتدت لتشمل أوساطاً أكاديمية وقانونية داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها. فقد طالب المجمع الوطني للعلوم والآداب في رسالة موجهة لنتنياهو بإسقاط القانون، محذراً من تداعيات دولية خطيرة قد تؤدي لعزل إسرائيل في مجالات البحث العلمي والآثار.
وتعتبر الأمم المتحدة ومعظم دول العالم المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية غير قانونية وتخالف اتفاقية جنيف الرابعة. ويؤكد خبراء قانونيون أن نقل الصلاحيات المدنية والإدارية في الأراضي المحتلة إلى وزارات حكومية إسرائيلية يعد انتهاكاً صارخاً للوضع القانوني القائم والاتفاقيات الدولية الموقعة.
ويرى مراقبون أن توقيت طرح هذا القانون يعكس رغبة الائتلاف اليميني الحاكم في حسم ملف الضفة الغربية قبل أي تغييرات سياسية محتملة. وتستغل الحكومة الإسرائيلية الانشغال الدولي بالأزمات الإقليمية لتسريع وتيرة المصادرة والضم تحت مسميات ثقافية وتراثية مضللة.
إن السيطرة على المواقع الأثرية تعني فعلياً سحب الإشراف من السلطة الوطنية الفلسطينية التي منحتها اتفاقية أوسلو صلاحيات محدودة في هذه المناطق. وهذا الإجراء يفرغ الاتفاقيات الموقعة من مضمونها ويقضي على أي فرص متبقية لحل الدولتين عبر خلق واقع جغرافي وديموغرافي جديد على الأرض.
ختاماً، يبقى الصراع على الآثار في الضفة الغربية جزءاً لا يتجزأ من الصراع على الهوية والأرض، حيث يسعى الاحتلال لتوظيف الرواية التاريخية لخدمة أهداف سياسية. وفي المقابل، يتمسك الفلسطينيون بحقهم في حماية تراثهم الوطني الذي يمثل شاهداً على وجودهم المتجذر في هذه البلاد عبر العصور المختلفة.




