تُشير الدراسات الحديثة إلى أن تناول الطعام بصحبة مشاهدة التلفاز يؤثر بشكل سلبي على صحتنا، بغض النظر عن نوع الغذاء الذي نختاره، حيث يُساهم هذا السلوك في زيادة كمية الطعام المستهلكة بشكل ملحوظ.
يعتقد العلماء أن البيئة المحيطة بنا تلعب دوراً محورياً في عاداتنا الغذائية، وثمة كم وافر من الأبحاث التي تكشف ارتباطاً مباشراً بين مشاهدة التلفاز وارتفاع خطر الإصابة بالسمنة، وهو ما يُعزى في الغالب إلى انخفاض مستويات النشاط البدني المرتبطة بهذا النمط الخامل من الحياة.
التشتت الذهني يُعتبر أحد أبرز التفسيرات العلمية لسبب تناول كميات أكبر من الطعام أثناء المتابعة. فعندما ننغمس في قصة جذابة، يقل تركيزنا على ما نأكله، وبالتالي لا نستشعر إشارات الجسد التي تُخبرنا بالشبع، الأمر الذي قد يدفعنا للإفراط في تناول الطعام. كذلك، لا نتذكر عادةً محتوى ما تناولناه عند الانشغال بالمشاهدة، مما قد يؤدي إلى استهلاك كميات أكبر لاحقاً.
أظهرت بحوث هولندية قائمة على تدوين المشاركين لأنشطتهم اليومية على مدار أسبوع كامل أن الأشخاص يقضون وقتاً أطول في تناول الطعام عندما يشاهدون التلفاز في الوقت ذاته. كما وجدت الدراسة أن إجمالي الوقت المُستغرق في الأكل كان أطول في الأيام التي جمعت بين تناول الطعام ومشاهدة البرامج، مقارنةً بالأيام التي اقتصرت على تناول الطعام فقط.
علاوة على الانشغال الذهني، ثمة عامل آخر يُدفعنا نحو استهلاك كميات أكبر من الطعام: حاسة التذوق نفسها. عندما ننشغل عن طعامنا، لا نحصل على الرضا ذاته الذي نشعر به عند التركيز عليه. فقد أثبتت الدراسات أن الأشخاص الذين يحاولون حفظ معلومات معقدة أثناء تناول الطعام أفادوا بأن طعامهم بدا أقل حلاوة، مع ملاحظة انخفاض في نشاط المناطق الدماغية المسؤولة عن التذوق.
يُضاف إلى ذلك تأثير الإعلانات التجارية. البحوث تُظهر أن التعرض لإعلانات الطعام يدفع الناس إلى استهلاك كميات أكبر، وخاصة الأطعمة فائقة المعالجة المرتبطة بالسمنة وأمراض القلب. الأطفال بشكل خاص أكثر عرضة لتأثير الإعلانات، حيث يختارون الأطعمة المُعلَن عنها أكثر من غيرها، وهذا التأثير يتفاقم لدى من يعانون من السمنة أصلاً.
ممارسة الأكل العائلي أمام التلفاز تُعقّد الصورة أكثر. بينما تُرتبط الوجبات العائلية عادةً بتناول كميات أكبر من الفواكه والخضراوات، فإن إشغيل التلفاز أثناء هذه الوجبات يعكس الفائدة المتوقعة تماماً، ويدفع الأطفال لاختيار أطعمة فائقة المعالجة بكثرة أكبر.
غير أن العلاقة بين مشاهدة التلفاز وتناول الطعام لا تسير في اتجاه واحد دائماً. فالانشغال قد يدفعنا أحياناً إلى تناول كميات أقل، أو حتى الامتناع عن الأكل كلياً. فقد لوحظ في بعض المدارس الابتدائية في هولندا، حيث تناول الطلاب غداءهم أثناء الحصص الدراسية، أن عديداً من الآباء لاحظوا عودة أطفالهم بعلب غداء شبه ممتلئة، مما يشير إلى أنهم كانوا منشغلين للغاية بدرجة منعتهم من الأكل بشكل كافٍ.
كذلك أظهرت دراسة أُجريت على البالغين شاهدوا حلقات من مسلسل درامي أن من شاهدوا الحلقة نفسها مرتين تناولوا 211 سعرة حرارية إضافية مقارنةً بمن شاهدوا حلقتين مختلفتين. بمعنى آخر، عندما يكون محتوى التلفاز جذاباً بما يكفي، قد ننسى الطعام أمامنا، لكن الملل قد يدفعنا للأكل الزائد.
نوع المحتوى الذي نشاهده يؤثر أيضاً على سلوكنا الغذائي. أفلام الحركة مثلاً قد تدفعنا لتناول كميات أكبر من البرامج الحوارية. وإذا كانت شخصية على الشاشة تأكل، قد نشعر برغبة لتقليدها. يُضاف إلى هذا تأثر نفسيتنا بما نشاهده: مشاهدة شيء يُسعدنا قد تجعلنا نختار أطعمة أقل صحية مقارنةً بمشاهدة محتوى حزين.
مع أن البحث العلمي الموثوق في هذا المجال يواجه تحديات جمة، إذ يعتمد الباحثون على تسجيلات ذاتية قد لا تكون دقيقة دائماً، فإن الدلائل المتراكمة تُشير إلى أن التشتت يلعب دوراً جوهرياً في زيادة استهلاكنا للطعام أثناء مشاهدة التلفاز. غير أنه من المستحيل عملياً فهم سلوكنا الغذائي بشكل كامل، لأنه معقد للغاية ويتأثر بعوامل متعددة ومتداخلة.
اقرأ أيضًا:
