تلسكوب خلف ظل القمر لدراسة الكون البدائي والمادة المظلمة

تلسكوب خلف ظل القمر لدراسة الكون البدائي والمادة المظلمة

2026 Aug,18

اقترح فلكيون بريطانيون ومحاورهم الأمريكيون مشروعاً طموحاً لإطلاق جهاز فضائي صغير إلى مدار حول القمر بهدف رصد الأشعة الراديوية المنبعثة من الكون في طفولته، خاصة خلال ما يعرّفه العلماء بـ"العصور المظلمة" في تاريخ الكون. وسيعمل هذا الجهاز، المسمى "كوسموكيوب"، من داخل ظل القمر لتجنب التشويش الراديوي الناجم عن انبعاثات كوكب الأرض والنجوم المجاورة.

أعلنت جامعة كامبريدج البريطانية عن المشروع، موضحة أن الجهاز سيركز على دراسة الإشعاع المنطلق من ذرات الهيدروجين في الحقبة الكونية التي امتدت من بعد الانفجار العظيم مباشرة وحتى ظهور النجوم والمجرات الأولى. يقول البروفيسور إلوي دي ليرا-آثيدو من الجامعة: "سيسمح لنا دراسة خصائص هذه الموجات الراديوية بفهم الدور الذي لعبته المادة المظلمة في حياة الكون المبكر، وكيف أثرت على تشكل أولى نجوم الكون".

تكمن أهمية هذا المشروع في تجاوز تحدٍ علمي طويل الأمد يواجه الباحثين. فحتى الآن، عرف العلماء أن السحب الغازية من الهيدروجين المحايد خلال العصور المظلمة كانت تصدر موجات راديوية بطول موجة يبلغ 21 سنتيمتراً، لكن اكتشاف هذه الموجات عملياً يصطدم بعائق كبير: صعوبة التمييز بينها وبين الضوضاء الراديوية الناشئة من وهج مجرتنا نفسها والإشارات الراديوية التي تبثها الحضارة البشرية على الأرض.

العصور المظلمة هي فترة زمنية غير مدروسة مباشرة في تاريخ الكون، بدأت بعد حوالي 400 ألف سنة من الانفجار العظيم وانتهت بعد مرور 300 إلى 400 مليون سنة. في هذه الحقبة كان الكون مليئاً بسحب من الهيدروجين المحايد التي جعلته غير شفاف لمعظم أشكال الموجات الكهرومغناطيسية. دراسة هذه الفترة تعتبر حاسمة لفهم كيفية تطور الكون وتشكل البنى الأولى فيه.

جهاز "كوسموكيوب" سيكون قمراً صناعياً مصغراً من نظام "كيوب سات" (CubeSat) يزن 13.5 كيلوغراماً فقط. خلال الأعوام الخمسة القادمة، سيتم إطلاقه نحو مدار القمر، حيث سينشر هوائياً راديوياً خفيف الوزن على شكل فراشة يمتد عدة أمتار. هذا الهوائي سيمكّن الأجهزة العلمية على متن المسبار من التقاط ودراسة الموجات الراديوية بترددات تتراوح بين 10 و50 ميغاهرتز أثناء تواجد المسبار في ظل القمر، ثم تحليلها وإرسال البيانات إلى الأرض.

اختيار ظل القمر كموقع للقمر الصناعي ليس عشوائياً؛ فالقمر يوفر درعاً طبيعياً تحجب معظم الإشارات الراديوية الضارة التي تنبعث من الأرض والفضاء القريب من كوكبنا. بهذه الطريقة، سيتمكن الجهاز من الاستقبال النقي للموجات الراديوية الضعيفة جداً الناشئة من الكون البدائي.

وفقاً لتقديرات العلماء الحالية، فإن "كوسموكيوب" سيتمكن خلال عامين من العمل في مدار القمر من التقاط إشارات راديوية نشأت في الكون المبكر بعد مرور 3.3 مليون سنة فقط من الانفجار العظيم. هذا الإنجاز العلمي سيفتح أفقاً جديداً لدراسة تطور الكون، بدءاً من مطلع العصور المظلمة وحتى عصر تشكل النجوم الأولى، مما سيساهم في فهم أعمق لدور المادة المظلمة غير المرئية في هذه العمليات الكونية الأساسية.

اقرأ أيضًا:

أحدث الأخبار