غزة /PNN / تقرير انتصار محمد ابو جهل - حين تتابع الصحفية الفلسطينية «أمل» حصيلة القتلى في غزة، لا تقرأ الأسماء بوصفها خبراً فقط. في كل مرة، تخشى أن يظهر بينها اسم جديد من أفراد عائلتها كشهيد أو جريح أو فقيد تحت أنقاض القصف الذي لا يزال مستمراً رغم الهدنة.
تكتب أمل (اسم مستعار، 35 عاماً) أخبار القصف بينما ترفع عينيها بين حين وآخر نحو السقف، خشية أن ينهار فوقها. وحين ينتهي يوم العمل، لا تنتهي التغطية؛ تلاحقها في نومها صور أفراد من عائلتها وزملائها الصحفيين الذين قُتلوا، وفي يقظتها ذكرى منزلها المدمر وأكثر من عشر مرات اضطرت فيها إلى النزوح بين الخيام والمدارس المكتظة.
بالنسبة إلى أمل، تلاشت المسافة التي تفصل عادةً بين الصحفي والقصة التي يغطيها. فهي توثق الفقد فيما تعيش فقدها الخاص، وتنقل أخبار النازحين وهي نازحة، وتكتب عن الخوف بينما لا تعرف إن كانت ستنجو من القصف التالي.
ومع استمرار الحرب، بدأت قدرتها على الاحتمال تتراجع. لم يعد الأرق والكوابيس وحدهما المشكلة؛ تسلل الضغط إلى أبسط أدوات مهنتها. في بعض الأيام، كانت تجلس أمام كلماتها عاجزة عن صياغة عنوان صحفي بسيط.
ثم توقفت عن العمل
لم يكن ذلك نتيجة صدمة واحدة، بل حصيلة طبقات متراكمة من الفقد والنزوح والخوف والعزلة. فقد جاءت الحرب فوق مشكلات وصدمات عائلية سابقة، ثم أجبر النزوح أمل وأفراد عائلتها على تقاسم مساحات ضيقة داخل الخيام والفصول المدرسية، ما ضاعف الضغوط التي كانت تعاني منها.
حتى المساحات التي لجأت إليها بحثاً عن الأمان لم تكن دائماً آمنة نفسياً. تقول أمل إن بعض النازحين كانوا يخشون وجودها بينهم بسبب عملها الصحفي، خوفاً من أن يجعل وجود صحفي في المكان عرضة للاستهداف الإسرائيلي.
وجدت نفسها بذلك أمام مفارقة قاسية: المهنة التي منحتها وسيلة لتوثيق ما يحدث حولها أصبحت أيضاً جزءاً من الخوف الذي يلاحقها.
وعندما وصلت إلى مرحلة لم تعد قادرة فيها على العمل، قررت طلب الدعم النفسي. لم يكن القرار سهلاً؛ سبقته مشاعر من الذنب والتردد، قبل أن تدرك، كما تقول، أن مواصلة حمل أصوات من فقدتهم تتطلب منها أولاً أن تحافظ على قدرتها هي على الاستمرار.
قصة أمل ليست حالة معزولة

فبعد أكثر من عامين من الفقد والنزوح والخطر المتكرر، يواجه صحفيون فلسطينيون معضلة نفسية غير مألوفة: كيف يتعافى الإنسان من صدمة لم تنتهِ بعد، بينما يُطلب منه كل يوم العودة إلى الميدان وتوثيقها؟
هذه المعضلة دفعت مؤسسات صحفية فلسطينية إلى البحث عن استجابات نفسية تتجاوز برامج الدعم القصيرة التي كانت تُقدم سابقاً.
ومن بينها «مشغل فلسطين للصحافة»، الذي أطلق برنامجاً للدعم النفسي يستفيد منه حالياً نحو 200 صحفي في قطاع غزة و100 في الضفة الغربية.
وقالت شروق الأسعد، مديرة المشغل، إن حجم الصدمة والغضب والحزن والفقد بين العاملين في الإعلام دفع المؤسسة إلى الانتقال من تدخلات محدودة وقصيرة إلى برنامج نفسي أكثر تنظيماً واستمرارية.
وصُمم البرنامج، وفق الأسعد، بالتشاور مع مختصين في الصدمات النفسية وبدعم جهات معنية بسلامة الصحفيين وحريتهم، فيما شهد التسجيل عبر استمارة إلكترونية إقبالاً واسعاً أدى إلى قبول 98% من المتقدمين.
وأعطيت الأولوية للصحفيين الميدانيين الأكثر تعرضاً للصدمات، والشباب والنساء، فيما شملت الأولويات في الضفة الغربية الصحفيين العاملين في المناطق الأكثر تعرضاً للاجتياحات واعتداءات المستوطنين، ومن تعرضوا للإصابة أو الاعتقال.
بدأ البرنامج بجلسات جماعية وجاهية للدعم والتفريغ النفسي، ثم انتقل تدريجياً إلى جلسات فردية تتراوح بين ثماني و14 جلسة بحسب احتياجات كل مشارك.
لكن ما واجهه المختصون خلال الجلسات كشف عن مشكلة أعمق: كثير من الصحفيين لا يتعاملون مع حدث صادم انتهى، بل مع خطر يتجدد باستمرار.
حين تستمر الصدمة ولا تصبح “ما بعد الصدمة”
تقول الأخصائية النفسية والاجتماعية هالة سكر، مشرفة قسم الصحة النفسية في الجمعية الوطنية للتأهيل في غزة والمشاركة في البرنامج، إن استمرارية التعرض للخطر تجعل تجربة الصحفيين مختلفة عن النموذج التقليدي لاضطراب ما بعد الصدمة.

فـ«ما بعد» الصدمة يفترض، في جوهره، أن الحدث أصبح في الماضي. أما بالنسبة إلى صحفي يعمل في غزة، فقد تبدأ صدمة جديدة قبل أن يجد وقتاً لاستيعاب سابقتها.
وبحسب بيانات قدمتها سكر، يعاني 70.3% من الصحفيين المشاركين من فرط اليقظة والتوتر الجسدي المستمر، فيما ظهر تراجع الشعور بالكفاءة الذاتية وغياب الاستقرار لدى 55.2%. وأبلغ 39.3% عن الانفصال الجسدي أو التبلد بوصفه آلية دفاعية.
ويظهر كذلك «ذنب الناجي» لدى صحفيين يجدون أنفسهم في موقع مزدوج: شهوداً على المأساة ومكلفين بتوثيقها، وضحايا لها في الوقت نفسه.
لهذا، تقول سكر إن البرنامج يستند إلى مفهوم «الضغط الصادم المستمر» (Continuous Traumatic Stress – CTS)، بدلاً من التعامل مع الحالات حصراً ضمن إطار اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD).
ويركز التدخل على مساعدة الصحفي على التعامل مع الخطر في الحاضر، وليس فقط معالجة ذاكرة حدث أصبح في الماضي، من خلال تقنيات لتنظيم الاستجابات الجسدية والفسيولوجية وتوسيع القدرة على تحمل الضغط، إلى جانب الفنون التعبيرية والعمل الجماعي وبعض تقنيات العلاج بالمعنى.
وبحسب سكر، اعتبر 82.2% من المشاركين الأدوات المرتبطة بالتنظيم الجسدي والعصبي من أكثر التدخلات فائدة لهم.
مساحة للاعتراف بالخوف
لكن الوصول إلى الدعم لا يعني بالضرورة سهولة الحديث.
لاحظت سكر أن بعض الصحفيات يشعرن بقدر أكبر من الحذر في الجلسات الفردية، حيث يمكن أن تشعر المرأة بأنها «تحت الفحص المباشر»، إضافة إلى محاذير اجتماعية مرتبطة بإظهار الخوف أو البكاء.

في المقابل، يفضل بعض الصحفيين الجلسات الفردية عندما تحمل تجاربهم تفاصيل أسرية أو شخصية لا يريدون كشفها أمام زملائهم، وكذلك بعض أصحاب المواقع الإدارية الذين يخشون أن يؤدي الكشف عن هشاشتهم النفسية إلى كسر الصورة المهنية التي اعتاد الآخرون رؤيتهم من خلالها.
لكن الأغلبية، بحسب سكر، تميل إلى الجلسات الجماعية. فالاستماع إلى صحفي آخر يتحدث عن الأرق أو الخوف أو العجز عن التركيز يمنح المشاركين إدراكاً مهماً: ما يحدث لهم ليس ضعفاً فردياً، وهم ليسوا وحدهم.
وتقول الأسعد إن الصحفيين يعيشون الفقد والنزوح والخوف نفسه الذي يعيشه بقية الفلسطينيين، لكنهم يحملون فوق ذلك مسؤولية العودة إلى هذه المعاناة كل يوم لتوثيقها ونقلها إلى الآخرين.
لذلك، ترى أن التعافي يحتاج إلى مساحات مستمرة للإنصات، وليس إلى تدخلات عابرة، وإلى التعامل مع الصدمة باعتبارها استجابة إنسانية للظروف التي يعيشها الصحفي، لا علامة ضعف أو وصمة.
وحتى المعالجون الذين يستمعون يومياً إلى هذه القصص ليسوا بمنأى عن آثارها. ففي ظل غياب الإشراف الخارجي، يعتمدون على تقنيات التنفس والتفريغ الفني والكتابة والتواصل مع الزملاء، إضافة إلى محاولة الفصل بين المساحة العلاجية وحياتهم الشخصية، لتقليل مخاطر الصدمة الثانوية والإرهاق التعاطفي.
أما أمل، فلا تنتظر أن تختفي ذكرياتها حتى تعود صحفية، ولا أن تنتهي الحرب كي تبدأ في استعادة نفسها.
بالنسبة إليها، يبدو التعافي أكثر تواضعاً وإلحاحاً: أن تتمكن من النوم، وأن تستعيد قدرتها على التركيز، وأن تجلس أمام شاشة فارغة وتجد الكلمات مرة أخرى.
وفي مكان لا تزال فيه الصدمة حدثاً يومياً، قد تكون القدرة على كتابة العنوان التالي بداية التعافي.
انتجت PNN هذه القصة بالتعاون مع مشغل فلسطين للصحافة ضمن مشروع دعم الاعلام في وقت الازمات







