تقرير: برك سليمان في بيت لحم تواجه تهديدًا إسرائيليًا بالاستيلاء وتغير الواقع التاريخي

تقرير: برك سليمان في بيت لحم تواجه تهديدًا إسرائيليًا بالاستيلاء وتغير الواقع التاريخي

مدار نيوز \

تتصاعد المخاوف الفلسطينية من مساعٍ إسرائيلية للسيطرة على منطقة برك سليمان التاريخية الواقعة جنوب مدينة بيت لحم، في خطوة يرى مراقبون أنها قد تمثل تصعيدًا جديدًا في الصراع على الأرض والرواية التاريخية في الضفة الغربية المحتلة.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة الغارديان، فإن التهديدات الإسرائيلية ازدادت منذ تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش في أيار/مايو الماضي، والتي دعا فيها إلى إلغاء الترتيبات التي أقرتها اتفاقية أوسلو الثانية عام 1995، والتي وضعت برك سليمان ضمن المنطقة (أ) الخاضعة للإدارة المدنية والأمنية الفلسطينية. ومنذ تلك التصريحات، شهدت المنطقة تزايدًا في اقتحامات المستوطنين وانتشار القوات الإسرائيلية حول الموقع.

وبموجب اتفاقية أوسلو لعام ١٩٩٥، أُلحقت برك سليمان بمنطقة بيت لحم الأوسع، المصنفة كمنطقة (أ)، الخاضعة للسيطرة المدنية والشرطية الفلسطينية. وكان تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق (أ) و(ب) (الخاضعة للسيطرة المدنية الفلسطينية والعسكرية الإسرائيلية) و(ج) (الخاضعة للإدارة الإسرائيلية الكاملة) يهدف إلى أن يكون مرحلة انتقالية نحو الانسحاب الإسرائيلي النهائي من الأراضي المحتلة وإقامة دولة فلسطينية.

لكن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وائتلافه اليميني المتطرف تخلوا منذ زمن طويل عن هذا الهدف، وسارعوا في نشر المستوطنات الإسرائيلية في جميع أنحاء الضفة الغربية في محاولة لعرقلة قيام دولة فلسطينية مستقلة.

تم الاتفاق على الملكية الفلسطينية للبرك بموجب اتفاقية أوسلو الثانية لعام 1995

وتُعد برك سليمان من أبرز المعالم الأثرية في فلسطين، إذ تعود أصولها إلى القرن الثاني قبل الميلاد، بينما شهدت توسعات رئيسية في العهد الروماني ضمن مشروع هندسي ضخم لتجميع المياه ونقلها إلى مدينة القدس عبر شبكة من القنوات والأنفاق. كما أضيفت إليها منشآت في العهد العثماني، قبل أن تقوم سلطات الانتداب البريطاني بتحديث نظام نقل المياه خلال النصف الأول من القرن العشرين.

ورغم توقف البرك عن تزويد القدس بالمياه منذ عقود، فإنها تحولت إلى متنفس طبيعي ومتنزه رئيسي لسكان بيت لحم والقرى المجاورة، حيث يقصدها الأهالي للاستجمام والسباحة والتنزه، في ظل تضاؤل المساحات المفتوحة نتيجة التوسع الاستيطاني المحيط بالمدينة.

في أيام الجمعة والأعياد، تأتي العائلات من بيت لحم، التي تبعد ٣.٥ كيلومترات (ميلين) إلى الشمال الشرقي، لقضاء الأمسية، والسباحة، والتنزه. ومع تزايد المستوطنات الجديدة التي تُحاصر المدينة من جميع الجهات، أصبحت المسابح ملاذًا متزايد الأهمية لسكان بيت لحم.

يقول محمود جابر، ناشط محلي وبستاني من أرطاس، يستخدم مياه الينابيع المحلية لزراعة الخضراوات: “إنه المكان الوحيد الآن في بيت لحم كلها الذي يمكنك أن تجد فيه مكانًا للجلوس والاستمتاع بالماء والظل والمساحات الخضراء – والآن يحاولون الاستيلاء عليه”.

على الرغم من أن حيًا من مستوطنة إفرات يطل على البرك، إلا أنها لم تتعرض لتهديد مباشر إلا في مايو/أيار عندما قام سموتريتش، برفقة سياسي إسرائيلي متشدد آخر هو تسفي سوكوت، بإجبار الشرطة الاسرائيلية على إبعاد الفلسطينيين عن المنطقة لتصويرهم وهم يسبحون في البركة الوسطى.

ويشير التقرير إلى أن التوتر تصاعد بشكل ملحوظ بعد زيارة سموتريتش للموقع برفقة مسؤولين ومستوطنين، حيث أعلن أن بقاء برك سليمان تحت الإدارة الفلسطينية يمثل “خطأً” يجب تصحيحه، قبل أن تتكرر اقتحامات المستوطنين للموقع، بما في ذلك عملية نفذتها قوات الاحتلال في العاشر من تموز/يوليو، استخدمت خلالها قنابل الغاز المسيل للدموع أثناء وجود أطفال يسبحون في البرك، وفقًا للتقرير.

ولا تقتصر أهمية برك سليمان على قيمتها الأثرية، بل تمثل أيضًا رمزًا للسيادة الفلسطينية، كونها تقع ضمن منطقة مصنفة “أ” وفق اتفاق أوسلو. ويرى مختصون أن أي محاولة لفرض السيطرة الإسرائيلية على الموقع قد تشكل سابقة تمس بالوضع القانوني لهذه المناطق، وتفتح الباب أمام إجراءات مشابهة في مواقع أخرى بالضفة الغربية.

وأثارت حملة الضغط هذه غضبًا عارمًا في فلسطين، ليس فقط بسبب الأهمية الأثرية للبرك المستطيلة الثلاث التي تُشكل – بسعة إجمالية تبلغ 250 ألف متر مكعب – أحد أكبر أنظمة المياه المتبقية من العالم القديم، بل لأنها تُمثل أيضًا هجومًا مباشرًا جديدًا على السلطة الفلسطينية.

الفلسطيني محمود جابر يستخدم مياه الينابيع المحلية لزراعة الخضراوات.

الفلسطيني محمود جابر يستخدم مياه الينابيع المحلية لزراعة الخضراوات.

وفي المقابل، يروج مسؤولون إسرائيليون وجماعات استيطانية لرواية تربط الموقع بالنبي سليمان، باعتبار ذلك مبررًا للمطالبة بالسيطرة عليه. إلا أن علماء آثار، بينهم باحثون إسرائيليون، يؤكدون أن الأدلة الأثرية لا تثبت وجود صلة مباشرة بين البرك والملك سليمان، وأن الاسم المتداول تاريخيًا لا يعكس بالضرورة أصل الموقع أو تاريخ إنشائه، الذي يعود بمعظمه إلى الحقبتين الهلنستية والرومانية مع إضافات عثمانية لاحقة.

وقال ألون أراد، عالم الآثار الإسرائيلي والمدير التنفيذي لمنظمة “عيمق شافيه” المعنية بحماية المواقع الأثرية: “يتم استغلال هذا الموقع كسلاح لتقويض اتفاقية أوسلو وإلغائها فعلياً”. وأضاف: “يوجد 6000 موقع أثري في الضفة الغربية، ولم يُستغل منها إلا جزء ضئيل”..

ليس من الواضح ما إذا كان التحالف الإسرائيلي سيحاول الاستيلاء على برك سليمان، ومتى سيحدث ذلك، لكن علماء الآثار والفلسطينيين المحليين يستعدون لمزيد من التوغلات مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر. في غضون ذلك، قدم دعاة إسرائيل المتشددون مبررات للاستيلاء، زاعمين أن السلطة الفلسطينية سمحت لبرك سليمان بالتدهور.” الموقع متداعي في بعض الأماكن، ويمكن رؤية بقع من زجاجات المياه المهملة وغيرها من النفايات في إحدى زوايا البركة الوسطى”.

كان لدى وقف السلطة الفلسطينية، وهو الوقف الديني الذي يملك الموقع، طموحات لتطويره سياحيًا، لكن هذه الطموحات تحطمت عندما حجب سموتريتش عائدات الضرائب والرسوم المفروضة على السلطة الفلسطينية، مما أدى إلى حرمانها من التمويل.

التبرير الآخر الذي يُطرح للاستيلاء الإسرائيلي هو أن برك سليمان ذات طابع يهودي فريد. ففي مقال نُشر على موقع مركز القدس للأمن والشؤون الخارجية مطلع هذا الشهر، ذكر المقدم الاحتياطي موريس هيرش أن الموقع “يحمل، بحكم اسمه، أهمية تاريخية يهودية بالغة”.

إلا أن تسمية “برك سليمان” غير دقيقة تاريخيًا. فالملك سليمان، إن وُجد (وهو أمر محل نقاش)، يُعتقد أنه حكم إسرائيل ويهوذا قبل نحو 800 عام من بدء العمل في بناء الخزانات.

بُنيت أول بركتين في عهد ملك يهودي آخر، هو هيرودس الكبير، الحاكم التابع للرومان، ولكن كما هو الحال في العديد من المواقع الأثرية في إسرائيل وفلسطين، تُظهر برك سليمان آثارًا متراكمة من عصور وإمبراطوريات متعاقبة.

تقول إيمان الطيطي، رئيسة دائرة السياحة والآثار في بيت لحم، أن التسمية أصبحت تُشير إلى السلطان العثماني سليمان القانوني، الذي أعاد بناء أسوار القدس وشبكة المياه فيها في القرن السادس عشر.

قال الطيطي: “لا ينبغي أبداً أن تصبح المواقع الأثرية أدوات للصراع السياسي. هذه القضية تتجاوز مجرد السيطرة على الأرض نفسها، فهي تشمل أيضاً محاولات إعادة صياغة التاريخ والترويج لرواية تاريخية واحدة لا تعكس الأدلة الأثرية ولا الحضارات المتعددة التي ساهمت في إثراء التراث الثقافي الفلسطيني على مدى آلاف السنين”.

يأتي السكان المحليون إلى برك سليمان من بلدة أرطاس الزراعية، وكذلك من بيت لحم

يأتي السكان المحليون إلى برك سليمان من بلدة أرطاس الزراعية، وكذلك من بيت لحم

أحدث الأخبار