مدار نيوز \
استعادت سحر الهلسة، إحدى الناجيات من الهجوم المسلح الذي استهدف كنيسة في محافظة الكرك جنوبي الأردن، ذكريات اللحظات العصيبة التي عاشتها أثناء إطلاق النار.
وأوضحت أنها اضطرت للاحتماء خلف أحد الأعمدة داخل الكنيسة بينما كان دوي الرصاص يملأ المكان وسط حالة من الذعر الشديد بين الحاضرين. الهجوم وقع بشكل مفاجئ خلال مراسم جنازة إحدى قريباتها، مما حول أجواء العزاء إلى ساحة من الفوضى والدماء.
وصفت الهلسة مشهد خروجها من الكنيسة وسط حالة الهلع، حيث شاهدت المسلحين وهم يطلقون النار بشكل عشوائي على المتواجدين.
وأشارت بمرارة إلى رؤيتها لأحد أقاربها ملقى على الأرض بعد إصابته برصاص المهاجمين، في مشهد لن يغيب عن ذاكرتها. وأكدت أن العناية الإلهية هي التي أنقذتها من موت محقق في تلك اللحظات الدامية التي استمرت لعدة دقائق متواصلة.
من جانبه، تحدث زياد، زوج سحر، عن اللحظات الأولى لسماعه دوي الانفجارات والرصاص، حيث هرع فوراً باتجاه الكنيسة التي تبعد مسافة قصيرة عن منزلهما. وأعرب عن شعوره بارتياح عميق لا يوصف عندما وجد زوجته سالمة ولم تصب بأذى رغم كثافة النيران. ووصف زوجته بأنها كل حياته، مؤكداً أن ما حدث كان صدمة كبيرة لجميع سكان المنطقة الهادئة.
أعلنت السلطات الأردنية أن الهجوم أسفر عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة نحو 40 آخرين بجروح متفاوتة، في واقعة وصفتها بأنها عمل إرهابي متطرف. وشيعت الحشود اليوم الأحد جثامين الضحايا الذين سقطوا في هذا الاعتداء النادر الذي استهدف الأقلية المسيحية في البلاد. وتعد هذه الهجمات غير مألوفة في الأردن الذي يتمتع باستقرار نسبي مقارنة بمحيطه الإقليمي المضطرب.
أصدر العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني توجيهات صارمة لقوات الأمن بالرد بيد من حديد على كل من يحاول العبث بأمن واستقرار المملكة. وشدد الملك على ضرورة ملاحقة المتورطين في هذا العمل الإجرامي الذي استهدف دور العبادة والمواطنين الأبرياء. وتأتي هذه التحركات في إطار التزام الأردن بمكافحة الجماعات المسلحة والفكر المتطرف بالتعاون مع الشركاء الدوليين.
أفادت مصادر أمنية بأن التحقيقات لا تزال جارية لملاحقة المهاجمين وتحديد هوياتهم بشكل دقيق لمعرفة الجهات التي تقف خلفهم. وأوضحت المصادر أنه من المبكر الجزم بوجود صلات تنظيمية للمنفذين مع جماعات معروفة سواء داخل الأردن أو خارجه. وتعمل الأجهزة الاستخباراتية على جمع كافة الأدلة من موقع الحادث لتتبع مسار المسلحين الفارين.
تحدثت الهلسة من منزلها المطل على كنيسة القديس جورجيوس، مشيرة إلى أن رؤية قبة الكنيسة تذكرها دائماً بالنجاة التي منحت لها. وقالت إنها تشعر وكأنها ولدت من جديد بعد أن رأت الموت بعينيها خلال الهجوم المسلح. وتسود حالة من الحزن الممزوج بالترقب في بلدة حمود التابعة لمحافظة الكرك منذ وقوع الحادثة الأليمة يوم الجمعة الماضي.
ساحة كنيسة القديس جورج الأرثوذكسية اليونانية، حيث أطلق مسلحون النار خلال جنازة في اليوم السابق، في قرية حمود
أكد شهود عيان أن إطلاق النار استمر لعدة دقائق متواصلة، مما تسبب في وقوع هذا العدد الكبير من الضحايا والمصابين. وأشار الشهود إلى أن المهاجمين استغلوا تجمع المواطنين في مراسم الجنازة لتنفيذ اعتداءهم الغادر. وقد هرعت سيارات الإسعاف وقوات الأمن إلى الموقع فور تلقي البلاغات لتطويق المنطقة ونقل الجرحى إلى المستشفيات القريبة.
قال الكاهن يوحنا حماتي، قبيل بدء مراسم تشييع الضحايا إن الرسالة المنبعثة من كنيسة القديس جورجيوس ستبقى دائماً رسالة سلام ومحبة. وأضاف أن مثل هذه الأعمال الإجرامية لن تنال من وحدة الشعب الأردني وتماسكه بمختلف أطيافه. وشدد على أن الطمأنينة ستعود إلى بلدة حمود رغم الألم الكبير الذي خلفه فقدان الأحباء في هذا الهجوم.
تشير التقارير الرسمية إلى أن الأجهزة الأمنية الأردنية نجحت خلال السنوات الماضية في إحباط العديد من المخططات التي كانت تستهدف أمن البلاد. ومع ذلك، يمثل هذا الهجوم خرقاً أمنياً تسعى السلطات للتعامل معه بكل حزم لضمان عدم تكراره. وتنتشر قوات الأمن بشكل مكثف في محيط الكنائس والمرافق الحيوية كإجراء احترازي عقب الحادث.
أعربت فعاليات شعبية وسياسية في الأردن عن إدانتها الشديدة للهجوم، مؤكدة وقوفها خلف القيادة والأجهزة الأمنية في مواجهة الإرهاب. واعتبرت هذه الفعاليات أن استهداف الكنائس هو استهداف للنسيج الوطني الأردني بأكمله. وطالب المواطنون بضرورة تكثيف الجهود الاستخباراتية لضرب الخلايا النائمة التي تهدد السلم المجتمعي.
تلقى المصابون في الهجوم الرعاية الطبية اللازمة في مستشفيات الكرك وعمان، حيث وصفت حالات بعضهم بالحرجة. وقامت جهات رسمية بزيارة الجرحى للاطمئنان على سلامتهم وتقديم الدعم اللازم لعائلاتهم. وتعمل وزارة الصحة على توفير كافة المستلزمات الطبية لضمان تعافي المصابين في أسرع وقت ممكن.
أوضحت مصادر مطلعة أن الهجوم الذي وقع على بعد 120 كيلومتراً جنوب غرب العاصمة عمان قد أثار قلقاً دولياً واسعاً. وتلقت الحكومة الأردنية برقيات تعزية ودعم من مختلف دول العالم التي أدانت هذا العمل الإرهابي. ويؤكد المحللون أن الأردن سيظل شريكاً أساسياً في الجهود الدولية الرامية لتجفيف منابع الإرهاب في المنطقة.
ختمت سحر الهلسة حديثها بالتأكيد على أن الحياة يجب أن تستمر رغم الجراح العميقة التي تركها الهجوم في نفوس الناجين. وأشارت إلى أن التضامن الذي أظهره الجيران والأصدقاء خفف كثيراً من وطأة الصدمة. ويبقى الأمل معقوداً على قدرة الأجهزة الأمنية في القصاص من الجناة وإعادة الأمن والأمان إلى ربوع محافظة الكرك.






