تصدّر المرأة للانتخابات المحلية الفلسطينية 2026 من "الكوتا" إلى الشراكة السياسية: هل بدأ التحول المجتمعي الحقيقي؟

تصدّر المرأة للانتخابات المحلية الفلسطينية 2026 من "الكوتا" إلى الشراكة السياسية: هل بدأ التحول المجتمعي الحقيقي؟

وصال أبو عليا/في مشهد انتخابي حمل الكثير من التحولات السياسية والاجتماعية، برز الحضور النسوي في الانتخابات المحلية الفلسطينية لعام 2026 بوصفه أحد أبرز ملامح العملية الديمقراطية، سواء من خلال ارتفاع نسبة مشاركة النساء في القوائم الانتخابية أو عبر ترؤس عدد منهن لقوائم وهيئات محلية في مدن وبلدات مختلفة. هذا الحضور لم يعد يُقرأ باعتباره استجابة شكلية لنظام "الكوتا"، بل كمؤشر متقدم على تغير تدريجي في نظرة المجتمع الفلسطيني إلى المرأة بوصفها شريكاً في القرار وصاحبة قدرة على القيادة والإدارة.

 ورغم ما تحقق من تقدم، إلا أنّ الطريق ما زال محفوفاً بعوائق اجتماعية وثقافية وسياسية، تجعل من تجربة النساء في العمل العام اختباراً يومياً لإثبات الكفاءة وكسر الصورة النمطية. وبين المؤشرات الإيجابية والتحديات المستمرة، تتباين القراءات حول ما إذا كانت الانتخابات المحلية الأخيرة تمثل تحولاً مجتمعياً حقيقياً أم مجرد تطور ظرفي مرتبط بظروف سياسية وقانونية محددة.

 "شمس": تصدّر النساء للقوائم مؤشر على تحول تدريجي في الوعي المجتمعي

يقول مدير مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية "شمس"  د. عمر رحال إنّ تصدر عدد من النساء للقوائم الانتخابية في الانتخابات المحلية الفلسطينية لعام 2026 يعكس "مؤشراً مهماً على حدوث تحول تدريجي في الوعي المجتمعي والسياسي تجاه دور المرأة في الحياة العامة، وليس مجرد تطور ظرفي عابر".

 ويضيف رحال أنّ ترؤس النساء لثمانية قوائم انتخابية في مدن وبلدات متعددة "يؤكد أنّ المرأة الفلسطينية باتت أكثر حضوراً في المجال العام وأكثر قدرة على المنافسة السياسية المباشرة"، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنّ هذا التحول "ما زال غير مكتمل"، بسبب استمرار تأثير البنية الاجتماعية والثقافية التقليدية على فرص النساء في الوصول إلى مواقع القرار.

 ويؤكد رحال أنّ استمرار بعض القوائم العائلية والعشائرية "يحد من تطور المشاركة السياسية على أساس البرامج والكفاءة"، لافتاً إلى أنّ التجارب السابقة لنساء ترأسن هيئات محلية، مثل بلديات رام الله وبيت لحم وبيت لقيا وعزون وحزما ودير الغصون وبيرزيت وبني زيد الغربية وعبوين، "ساهمت في تعزيز الثقة المجتمعية بقدرة المرأة على الإدارة والقيادة".

 وبحسب رحال، فإنّ ما جرى في انتخابات 2026 "يمثل خطوة متقدمة نحو تحول مجتمعي أوسع يحتاج إلى تراكم سياسي وقانوني وثقافي لضمان استدامته".

 من التمثيل الرمزي إلى المنافسة الفعلية

ويقول د. عمر رحال إنّ مشاركة المرأة في الانتخابات المحلية "لم تعد مقتصرة على إطار الكوتا التي أقرها القرار بقانون رقم (23) لسنة 2025، بل بدأت تتجه تدريجياً نحو المنافسة الفعلية على مواقع صنع القرار المحلي".

 ويوضح أنّ ترؤس النساء لقوائم انتخابية وخوضهن منافسة مباشرة على رئاسة الهيئات المحلية "يعكس انتقالاً من المشاركة الشكلية إلى المشاركة السياسية الفاعلة"، مؤكداً أنّ وجود المرأة في مقدمة القوائم الانتخابية "يحمل دلالة سياسية ومجتمعية مهمة تتجاوز فكرة التمثيل الرمزي".

 وفي المقابل، يرى رحال أنّ هذا التقدم "ما يزال بحاجة إلى بيئة سياسية وتشريعية أكثر عدالة تضمن تكافؤ الفرص بين النساء والرجال"، موضحاً أنّ بعض القوى السياسية والاجتماعية "ما زالت تتعامل مع المرأة ضمن حدود التمثيل الشكلي وليس باعتبارها شريكاً كاملاً في القرار".

 ويضيف أنّ نجاح المرأة في العمل البلدي والإداري خلال السنوات الماضية "عزز حضورها السياسي وأثبت قدرتها على إدارة الملفات المحلية بكفاءة"، معتبراً أنّ المرحلة الحالية "تمثل انتقالاً تدريجياً من الكوتا إلى الشراكة الحقيقية في الحكم المحلي، لكن هذا بحاجة إلى مزيد من الوقت".

 عوائق اجتماعية وثقافية ما زالت حاضرة

يشير د. عمر رحال إلى أنّ هناك "مجموعة من العوائق البنيوية والثقافية والسياسية التي ما زالت تحد من وصول النساء إلى مواقع القيادة المحلية رغم التقدم الملحوظ في المشاركة الانتخابية".

 ويقول إنّ من أبرز هذه العوائق "استمرار الثقافة الذكورية والنظرة التقليدية التي تعتبر العمل السياسي والقيادي مجالاً خاصاً بالرجال"، إلى جانب تأثير "النفوذ العائلي والعشائري في بعض المناطق على فرص النساء في المنافسة الحرة والعادلة".

 كما يلفت إلى "ضعف الدعم الحزبي والمالي والإعلامي المقدم للمرشحات مقارنة بالمرشحين الرجال"، إضافة إلى تعرض بعض النساء لحملات تشويه وضغوط اجتماعية قد تصل أحياناً إلى التهديد أو الابتزاز المعنوي بهدف دفعهن للانسحاب من المشهد العام.

 ويرى رحال أنّ "غياب السياسات الحكومية الفاعلة الداعمة للتمكين السياسي للمرأة يشكل تحدياً إضافياً"، مؤكداً أنّ تعزيز وصول النساء إلى مواقع القيادة "يتطلب إصلاحات قانونية وثقافية شاملة، إلى جانب توفير بيئة آمنة وداعمة للمشاركة السياسية النسوية".

 لجنة الانتخابات: تقدم نسبي لكنه يحتاج إلى ترسيخ

من جهته، يقول المتحدث باسم لجنة الانتخابات المركزية فريد طعم الله إنّ اللجنة تنظر إلى مشاركة المرأة الفلسطينية في الانتخابات المحلية 2026 "بوصفها مؤشراً مهماً على تطور حضورها في المجال العام، سواء من حيث التمثيل داخل القوائم الانتخابية أو من حيث المشاركة في العمل المحلي وصنع القرار". 

 ويضيف أنّ هذا التطور "ما زال بحاجة إلى مزيد من التعزيز للوصول إلى مشاركة أكثر توازناً وعدالة".

 ويكشف طعم الله أنّ عدد المرشحات في الهيئات المحلية التي جرى فيها الاقتراع بلغ 1509 مرشحات من أصل 5131 مرشحاً، أي بنسبة 29.4% من إجمالي المرشحين، فيما بلغت نسبة النساء في قوائم المجالس البلدية 32% مقابل 23% في المجالس القروية.

 ويؤكد أنّ وصول النساء إلى 33% من المقاعد الفائزة "يعطي دلالة واضحة على وجود قبول متزايد لحضور المرأة في المجالس المحلية، وعلى أنّ الناخب الفلسطيني بات أكثر استعداداً لمنح ثقته لمرشحات قادرات على العمل العام والخدمة المحلية".

 وفي الوقت ذاته، يشدد طعم الله على أنّ اللجنة "تتحفظ على إطلاق أحكام اجتماعية قاطعة دون دراسات تفصيلية لسلوك الناخبين"، موضحاً أنّ هذا التحول "لا يعني أنّ جميع الحواجز الاجتماعية زالت، لكنه يشير إلى أنّ صورة المرأة في الحكم المحلي بدأت تتغير تدريجياً". 

 ويقول إنّ ارتفاع نسبة الفائزات مقارنة بالحد الأدنى القانوني "يعكس أنّ جزءاً من الناخبين والقوائم بات ينظر إلى مشاركة النساء باعتبارها قيمة مضافة وليست التزاماً شكلياً فقط".

كما يشير طعم الله إلى أنّ اللجنة لاحظت "وجود صور لبعض المرشحات في عدد من المواقع تم تصغيرها خلال فترة الدعاية الانتخابية"، معتبراً أنّ ذلك يعكس استمرار بعض المظاهر المرتبطة بالنظرة التقليدية للمرأة.

ويضيف أنّ نسبة النساء ضمن الطواقم العاملة في العملية الانتخابية بلغت قرابة 57% من إجمالي التوظيف الدائم والمؤقت.

ويؤكد طعم الله أنّ "التغيير الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الفائزات، بل أيضاً بمواقعهن داخل المجالس، وقدرتهن على الوصول إلى رئاسة الهيئات المحلية واللجان المؤثرة، ومشاركتهن في صنع القرار اليومي". 

أريج عاصي: القيادة ترتبط بالكفاءة لا بالنوع الاجتماعي

بدورها، تقول رئيسة بلدية بيت لقيا أريج عاصي إنّ فوز المرأة برئاسة بلدية "في ظل الظروف الاجتماعية والسياسية الفلسطينية الصعبة، يعكس تطوراً واضحاً في وعي المجتمع الفلسطيني وإيمانه، بأنّ القيادة لا ترتبط بالجنس أو النوع الاجتماعي، بل بالكفاءة والقدرة على الإنجاز وخدمة المواطنين". 

وتؤكد عاصي أنّ تعديل نسبة "الكوتا" النسائية من 20% إلى 30% قبل الانتخابات "يعكس نظرة المجتمع الفلسطيني المتغيرة، وأنّ هناك ثقة أكبر بقدرة المرأة على القيادة وصنع القرار". 

وتشير إلى أنّ "وجود نماذج نسائية ملهمة وناجحة انعكس بشكل إيجابي على النساء وعلى المجتمع الفلسطيني بشكل عام، وساهم في رفع مستوى الوعي والإيمان بقدرة المرأة على تحمل المسؤولية والقيادة وخدمة المجتمع بكفاءة وعدالة". 

وعن التحديات التي تواجه النساء خلال المعركة الانتخابية، تقول عاصي إنّ "النظرة التقليدية ما زالت موجودة تجاه المرأة وتحركاتها وعملها"، موضحة أنّها بحكم وجودها في الدورة الثالثة لرئاسة البلدية "أصبحت التحديات أقل من السابق، لكنّها لم تختفِ". 

وتضيف عاصي أنّ تحركات المرأة واجتماعاتها في السابق "كانت تواجه أحياناً نوعاً من الاستهجان الاجتماعي"، خاصة عندما تضطر المرأة إلى المشاركة في اجتماعات يغلب عليها الحضور الرجالي.

وتؤكد أنّ نجاح تجربتها في رئاسة البلدية، وما رافقها من "شفافية وعدالة في القرارات"، ساهم في تخفيف هذه النظرة وتراجع حجم التحديات.

كما تكشف عاصي عن تعرض بعض النساء لمحاولات "تحبيط" ورسائل تعتبر أنّ "مكان المرأة هو البيت وليس العمل العام"، لكنّها تشدد على أنّ "تعميم النماذج النسائية الناجحة في مواقع القيادة يساهم في كسر هذه الحواجز المجتمعية". 

وتوجه عاصي رسالة للمرأة الفلسطينية تدعوها فيها إلى "عدم التردد في الحلم والطموح والمشاركة"، مؤكدة أنّ "الكفاءة والقدرة هما ما يؤهلان المرأة لأي منصب ترى نفسها مناسبة له". 

 

بين التحول التدريجي والتحديات المستمرة

تكشف الانتخابات المحلية الفلسطينية لعام 2026، وفق قراءات حقوقية ورسمية وتجارب ميدانية، عن تحول تدريجي في حضور المرأة داخل المشهد السياسي المحلي، حيث باتت النساء أكثر حضوراً في المنافسة الانتخابية وأكثر قدرة على الوصول إلى مواقع التأثير وصناعة القرار.

لكنّ هذا التحول، رغم أهميته، ما زال يواجه تحديات متجذرة ترتبط بالبنية الثقافية والاجتماعية وطبيعة النظام السياسي والحزبي، ما يجعل مسار تمكين المرأة سياسياً عملية تراكمية تحتاج إلى إصلاحات قانونية وثقافية ومجتمعية متوازية.

وبين أرقام المشاركة وتجارب النساء القيادية، تبدو انتخابات 2026 خطوة متقدمة نحو ترسيخ الشراكة السياسية الكاملة، لا بوصف المرأة "مقعد كوتا"، بل باعتبارها شريكاً فعلياً في صناعة القرار المحلي وبناء المجتمع الفلسطيني.

 

أحدث الأخبار