تركيا والابتعاد عن الاستراتيجيات الأميركية الأمنية .. سنية الحسيني

تركيا والابتعاد عن الاستراتيجيات الأميركية الأمنية .. سنية الحسيني


بدأت إدارة ترامب إعداد استراتيجية أميركية لما بعد انتهاء الحرب مع إيران، يُفترض أن توجه سياستها في الشرق الأوسط خلال العامين الأخيرين من ولاية ترامب. وتحدثت المصادر الأميركية عن عدة اتجاهات رئيسة مطروحة، أولها وأهمها إنشاء اصطفاف إقليمي بين حلفاء الولايات المتحدة لاحتواء إيران، تكون الولايات المتحدة ضامنه له؛ وثانيها والذي يرتبط بالأول بنيوياً هو توسيع اتفاقات أبراهام والتطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة، وعلى رأسها السعودية. على جانب معاكس، يبدو أن دول المنطقة تبحث في استراتيجيات أخرى متناقضة تماما، غير متجاهلة التحولات التي خلقتها حرب إسرائيل على غزة قبل ثلاث سنوات، وحرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران دون مبرر قبل أشهر. لا يخرج اتفاق مكة للأمن الجماعي، الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان عن هذه الرؤية المتناقضة التي ترسمها واشنطن. كما اعتبر أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، يوم الاثنين الماضي، أن «الاستقلالية الاستراتيجية ليست مجرد شعار، بل خيار سياسي عقلاني» تفرضه اعتبارات الأمن والمصلحة الوطنية. وبرر تلك الاستقلالية الاستراتيجية ماجد الأنصاري، مستشار رئيس الوزراء والمتحدث الرسمي للخارجية القطرية قبل ذلك بشهرين معتبراً أن التطورات العالمية تتطلب «مقاربة أكثر شمولاً». تقاطعت تلك التصريحات أيضاً مع أخرى مصرية، فقد أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في آذار الماضي أن بلاده تعمل على إحياء وتفعيل مفهوم الأمن القومي العربي، وأعاد طرح فكرة القوة العربية المشتركة، معتبرا أن أي ترتيبات للأمن الإقليمي تفرضها أطراف خارجية غير مقبولة.
في قمة منظمة شنغهاي الأخيرة، قال الرئيس الصيني شي جين بينغ، إن المنظمة ينبغي أن تبني بيئة من «الأمن المشترك»، وإنه يجب منع «القوى الخارجية» من التدخل في الشؤون الداخلية وتقويض الاستقرار الإقليمي. وأمس، كشف سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي عن تصور بلاده لنظام أمني إقليمي في الخليج، واسترجع طرحا روسيا قبل عقدين يقوم على الجمع بين دول الخليج وإيران ضمن مفهوم أمني للمنطقة كحل لمعالجة المخاوف المتبادلة وإجراءات بناء الثقة.
لم يستبعد الرئيس التركي رجب أردوغان في أعقاب قمة شنغهاي الأخيرة الانضمام للمنظمة، إلى جانب الصين وروسيا وإيران والسعودية ودول أخرى. وقبل أيام، بدأ في إسطنبول تحويل اتفاق مكة من نص دفاعي إلى مؤسسات وآليات تنفيذ، فتم تشكيل أمانة عامة وتفعيل عمل اللجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية كهيئة قيادية عليا لتوجيه الأنشطة الاستراتيجية المشتركة، وتفعيل مسارات التعاون العملياتي. ويبحث هذا المقال في مدى انسجام استراتيجية تركيا في المنطقة حاليا مع مخططات واشنطن لها، ويفترض أنها تتبنى استراتيجية متناقضة مع تلك التي تضعها واشنطن، وتتقاطع مع رؤية أوسع تتبناها دول المنطقة، بما فيها حلفاء واشنطن.
تبدو سياسة تركيا في المنطقة، أحد أعضاء التحالف الثلاثي للأمن الجماعي بالإضافة للسعودية وباكستان، أنها تتبلور وتنضج بعيداً عن طموحات واستراتيجيات واشنطن فيها. والحقيقة أن ذلك التوجه التركي لا يرتبط فقط بتطورات حرب غزة وإيران الأخيرة، بل هو تطور أكثر عمقاً صقل بعد تجربة تحالف طويلة مع الولايات المتحدة والغرب.
مع انهيار الإمبراطورية العثمانية مطلع القرن العشرين، اقترنت الجمهورية التركية التي تأسست العام 1923 بالغرب، بقرار تبناه كمال أتاتورك. انضمت تركيا خلال الحرب الباردة لـ»الناتو» وساهمت في إنشاء حلف بغداد، وانضمت لمنظومة الاحتواء الأميركية ضد الاتحاد السوفيتي. في ستينيات القرن الماضي، تعرضت تركيا لأول ضربة من الغرب، عندما حذرتها الولايات المتحدة من استخدام أسلحة أميركية في أزمتها مع قبرص، كما رفض «الناتو» حمايتها في حال تدخل الاتحاد السوفيتي ضدها، في إطار ذات الأزمة. شكلت تلك الأزمة أحد المحفزات الرئيسة لتبني تركيا تطوير الصناعات العسكرية الذاتية. ورغم بقائها غربية التوجه، إلا أن تركيا سجلت خلال تلك الفترة انضمامها لمنظمة المؤتمر الإسلامي العام 1969، وتبني موقف أقرب للمزاج العربي تجاه القضية الفلسطينية. في ثمانينيات القرن الماضي، تبنت تركيا استراتيجية تقوم على الانفتاح الاقتصادي والتجاري، ما قاد توجهها نحو الشرق الأوسط وآسيا، مع احتفاظها باستراتيجية خارجية ترتبط بالغرب والولايات المتحدة وإسرائيل بقوة. وسجلت تلك الحقبة وقوف تركيا إلى جانب الولايات المتحدة في التحالف ضد العراق في حرب الخليج عامي 1990 و1991. مع صعود حزب العدالة والتنمية لصدارة الحكم ووصول رجب طيب أردوغان لقيادة المشهد السياسي مطلع الألفية الجديدة بدأت تتشكل رؤية استراتيجية تركية أكثر وضوحاً وثباتاً، تجسدت فيما وصفه رئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو  بـ«العمق الاستراتيجي». وجسدت تركيا من خلالها رؤيتها لنفسها كدولة مركزية جغرافياً، العمق التاريخي، ومكانتها الحضارية، والثقافية، والدينية، المرتبطة بمنطقة الشرق الأوسط. كما لم تغفل في هذه الاستراتيجية تجربتها السياسية والأمنية التي نضجت في إطار شراكة الغرب لعقود، فرغم مركزية وجودها العسكري في حلف «الناتو» رفض الأوروبيون انضمامها للاتحاد الأوروبي.
تبنت تركيا العديد من السياسات في الشرق الأوسط في ضوء استراتيجية «العمق الإستراتيجي»، متفاعلة مع التبدلات المتسارعة في هذه المنطقة. تبنت في البداية سياسة «صفر مشاكل» مع دول المنطقة، وركزت على التمدد الاقتصادي وتعميق الارتباطات السياسية الودية. ووازنت بين التناقضات في تلك المنطقة، فلعبت دور الوسيط بين سورية وإسرائيل، وفي الملف النووي الإيراني، واحتفظت بعلاقات مع حركة حماس وإسرائيل في ذات الوقت. لكن الثورات العربية أجبرت تركيا على التخلي عن سياسة «صفر مشاكل» فانخرطت في مشكلات المنطقة، بعد أن باتت طرفاً في عدد منها، انطلاقاً من مركزية المنطقة بالنسبة لها، وحفاظاً على مصالحها فيها، وحماية لأمنها الحدودي. وكشف مزيد من الانخراط لتركيا في المنطقة حقائق جديدة وأكد على سابقة، خصوصا في علاقتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا. اصطدمت المصالح في سورية، فدعمت الولايات المتحدة الجماعات الكردية المسلحة المعادية لتركيا، وتصادمت المصالح والسياسات التركية والإسرائيلية فيها. ورفض «الناتو» بقيادة الولايات المتحدة والأوروبيين منح تركيا صواريخ باتريوت الدفاعية، خلال الأزمة السورية، بل سحبت تلك الصواريخ الدفاعية منها. لجأت تركيا إلى روسيا للحصول على نظامها الدفاعي «اس 400»، ما أثار حفيظة واشنطن وحلفائها الأوروبيين، وصقل أكثر شخصية تركيا المتحررة من القرار الغربي.
خلال تلك الحقبة، تبنت تركيا عقيدة «الوطن الأزرق»، التي تقوم على تطوير قدراتها الدفاعية البحرية، وواجهت التحالف اليوناني القبرصي الإسرائيلي ضدها، وتتمسك، اليوم، برؤيتها «قرن تركيا» حيث تعتبر نفسها في إطارها قطباً مستقلاً في نظام دولي متعدد الأقطاب. يفسر ذلك سياسات تركيا التي تبقي على علاقتها مع الولايات المتحدة وموقعها في «الناتو»، وتطوير علاقاتها السياسية والعسكرية الاستراتيجية مع روسيا والصين وباكستان وإيران ودول الخليج رغم التناقضات. إن ذلك يفسر أن توجه تركيا لنسج تحالف دافعي أمني مع السعودية وباكستان ليس فعلاً عابراً يرتبط بمجريات أو تطورات حرب حالية، بقدر كونه رؤية استراتيجية عميقة تطورت عبر التجارب والزمن، وتعكس تجربة مهمة لدول المنطقة، تتعلق بخطر الاعتماد على الولايات المتحدة والتحالفات التي تبنيها وفق مصالحها، وهو ما بدأ يتكشف لها في ظل الحروب التي تدعمها أو تشنها ضد شعوب المنطقة ودولها.

أحدث الأخبار